ثقافة وفن

غوايات

العودة إلى منصور خالد!

عماد البليك

في مذكراته التي صدرت قبل وفاته بفترة وجيزة، يضيء الدكتور منصور خالد الضوء على مجمل المشكلة السودانية من خلال تشريح لوقائع وشخوص عايشهم شخصيا، ويفتح الأفق لرؤية الأزمة السودانية من خلال تصورات قد تكون معروفة ومدركة للعامة لكنه يستدل عليها من خلال الأقوال ومن داخل النصوص المسطورة في الكتب والخطب السياسية وغيرها.

سوف نكتشف من خلال سرد منصور خالد هشاشة شخصيات سودانية طالما رفعنا لها قبعة الاحترام والعكس صحيح، باعتبار أن السودانيين لهم صور ذهنية مسبقة لأغلب ما يرون وما يعايشون، بحيث أن التصور يكون قبل التحقق من الأمر المعين.

سوف نرى بوضوح كيف أن القبلية والعروبة الواهمة ومحاولة التبجح بالاستعلاء العرقي والإثني وغيرها من هذه الأمور، كانت سببا في ضياع هذا البلد الغني والثري، وسنقف مع منصور على نقطة خطيرة وهي أن السودان قد يكون بلدا أو دولة ولكنه لم يتشكل كوطن؟!  وهي إشارة تدل على أن مفهوم الأوطان مرتبط بالمرابع والديار لاسيما أرض الطفولة كما يشير منصور استدلالا من الشعر العربي القديم، وفي السودان ثمة مواطن وديار وليس من دار واحدة.

يلفت منصور خالد النظر إلى قضية العنصرية والأحكام القبلية التي أدت لنتائج محققة على الواقع، كانفصال الجنوب الذي كان مقررا له سلفا في الذهن الجمعي وفي ممارسات الساسة وصناع القرار، ويشير إلى أن البعض يُجنِّب قدرات الشخص وإبداعه وموهبته بالنظر إلى أن من تكون أمه أو أبوه أو قبيلته أو لونه. وهو للأسف الشديد صحيح كما ذكر السياسي الراحل.

يعترف منصور خالد بأنه شخصيا كان سيقع في أثر السائد والتقيد بالروايات الرسمية سواء للتاريخ أو فكرة التعايش أو فهم الحياة، لولا أنه أنقذ نفسه مبكرا عبر المعرفة، لكن هناك الكثيرين ممن لم يتحرروا أو يحرروا ذواتهم لأن نسق المعرفة عندهم كان يقوم على المألوف والمكرور، وهي إشكال توقف المعرفة عند السوداني وهي مشكلة ضمن صلب مشاكل أخرى معقدة ليس لها من حصر، يجمعها منصور خالد في “معضلة”، ويحللها من ناحية لغوية.

ففي حين أن المعضلة تظل متعددة الأوجه والاحتواء للمشاكل والأزمات، وهي أيضا ليس لها من حل واحد بيّن، فإن الأزمة أو المشكلة يوجد لها حل واضح يمكن تلمسه عبر التحليل والرؤية والتفكيك الخ.. يرى بأن أزمة السياسة السودانية هي أنها عشوائية لا تخطيط فيها، ليس ثمة رؤية لتقود إلى استراتيجية وتخطيط فنتائج ملموسة على الواقع العملي، فالأمر يمضي سيان وهكذا. كما في تجربة مؤتمر الخريجين الذي ولد من خلال تصور عام ثم أخفق بعدها لأنه ليس من خطة ولا اتفاق جمعي، وهذه أزمة أخرى محورها هو الاتجاه إلى الخلاف السريع وتلبية الأشواق الذاتية بدلا من الشوق الجماعي الممكن والمتعالي على الظروف والأنا المغلقة.

العودة إلى منصور خالد تعني قراءة جديدة بعيدا عن الخلافات السياسية التي طابعها التورم الذاتي والانتفاخ والغرور بالمعرفة المكتسبة، إن الطريقة التي يكتب بها سيرته ليست إلا تصورا لواقع أفضل وممكن لهذا البلد، وهي غواية أن يكون ثمة واقع أفضل من خلال مراجعة صادقة وصادمة للماضي والأمس والتاريخ.

وكما قال الروائي الياباني الشهير هاروكي موراكامي فإنه “لا يوجد شيء اسمه الماضي، فالماضي هو أنت”. وهذا يعني ببساطة أننا تراث وتاريخ يتحرك، وليس من سبيل للتخلص التام من الماضي – وهذا مستحيل – بسوى غسل الدماغ والنفوس وتنوير القلوب بحيث نكون أكثر فاعلية باتجاه المستقبل من خلال تحريك علاقتنا الساكنة مع الراهن، السكون الذي نعني به غياب التحفيز الذهني والقدرة الكبيرة على الابتكار والرؤية السديدة للأزمات من حولنا..

غواية التاريخ وعبادة الأوثان.. هذا ما علينا أن نتحرر منه لكي ننهض.

وإلى لقاء في الأسبوع المقبل..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق