سياسة

مصر: مائة عام من كورونا … والعجز

وائل قنديل

لا تصدّق أن شخصًا يترك شعبه نهبًا للموت بفيروس قاتل، ثم يبدّد مليارات الدولارات على حفلات استعراضية ضخمة، يمكن أن يكون حاكمًا مؤتمنًا على حياة مائة مليون مواطن يواجهون العطش والجفاف.

تدار مصر الآن بعقلية متعهد الحفلات، الذي كلما أراد الهروب من امتحان مصيري أقام حفلًا صاخبًا سرق به عيون الناس وعقولهم، وأدخلهم في أتون معارك كلامية، تلتهم قيم العيش المشترك والوحدة الوطنية، وتترك المجتمع عاريًا من أي غطاء بمواجهة خطر خارجي محدق.

النظام الذي أنفق ما يربو على ملياري جنيه لإقامة احتفال باذخ يظهر فيه عبد الفتاح السيسي فرعونًا ضمن الفراعنة، وخصص أكثر من ثماني مليارات دولار (نحو 130 مليار جنبه) للمرحلة الأولى فقط من خط القطار الكهربائي الرابط بين منتجعين سياحيين، هو ذاته النظام الذي يحتل المركز الرابع قبل القاع بين دول القارّة الأفريقية، في ترتيب معدلات التلقيح ضد فيروس كورونا، إذ لم يصل عدد المصريين الذين حصلوا على جرعة اللقاح حتى الآن إلى أكثر من 157 ألفًا من بين أكثر من مائة مليون مواطن هم عدد سكان مصر.

بحسب أرقام موقع “كوفيد فاكس” المتخصص في رصد وإحصاء عدد جرعات اللقاح التي تلقاها سكان العالم لحظة بلحظة، فإنه عند كتابة هذا المقال في الساعة الخامسة والنصف عصر أمس بتوقيت القاهرة كان عدد الحاصلين على اللقاح في مصر 157 ألفًا و410 أشخاص يمثلون نسبة أقل من 0.15% من عدد السكان، وفوق مصر بمركز تأتي السودان، ويفصلها عن القاع ثلاث دول، ناميبيا وموريتانيا ومالي.

هذا المركز الذي تقبع فيه مصر، وبحسب الموقع ذاته، يجعلها في حاجة إلى أكثر من 61 عامًا لكي تحقق ما يعرف بمناعة القطيع لشعبها ضد وباء كورونا الفتاك، هذه المناعة التي تكون ممكنةً عند تطعيم نحو 70% من الشعب ضد كورونا. ويبدو رقم الواحد والستين عامًا جيدًا قياسًا على ما نشر في موقع الجزيرة نت، منتصف الشهر الماضي (مارس/ آذار)، استنادًا إلى إحصاءات “كوفيد فاكس” من أن مصر تحتاج ألف عام لتحصن شعبها، بالقياس على عدد من تحصلوا على اللقاح في التاريخ المذكور.

هذه الألف عام تنخفض على شاشة قناة العربية إلى مائة عام تحتاجها مصر للوصول إلى الهدف ذاته (مناعة القطيع)، إذا استمرت معدلات التلقيح كما هي، وفقًا للرصد الدقيق، كل ثانية، لموقع كوفيد فاكس، قبل ثلاثة أيام فقط.

هذه الأرقام والتقديرات المفزعة، هل وجدت أصداء عند السلطة التي تحكم مصر؟ نعم، لقد تحرّكت بمنتهى السرعة، ورفعت من معدلات الحفلات والكرنفالات التي يكون نجمها وبطلها الأوحد عبد الفتاح السيسي، فبعد حفلة تعويم السفينة الجانحة، اعتلى الجنرال مسرح مهرجان المومياوات الفرعونية، الذي كلف الدولة المصرية، وفقًا للأرقام الرسمية، نحو ملياري جنيه، شملت تكاليف تصميم السيارات الفرعونية التي نقلت المومياوات، ودهان المباني المطلة على مسار الموكب بلون موحد، فضلاً عن العروض الضوئية والموسيقية في ميدان التحرير التي تكلفت لوحدها حوالي أربعة ملايين دولار (أكثر من ستين مليون جنيه).

بينما العالم كله يتابع رد الفعل المصري على انفراد إثيوبيا بقرارات التصرّف في مياه النيل، جلس السيسي قبل يومين في حفل آخر يشرح فلسفة حفل المومياوات الفرعونية، قائلًا “لما عملنا موكب المومياوات كنا عاوزين نقول إننا دولة من زمان”.

كل هذه المليارات أهدرت لكي يبلغ الجنرال المسكون بأوهام العبقرية بأن مصر دولة من زمان! أكاد أسمع العالم يصرخ ضاربًا كفًا بكف، وهو يقسم كل أنواع الأيمان المغلظة بأنه واثق ومتأكد من أن مصر دولة من زمان، بل ودولة كبيرة ومهمة، حتى وإن كان الجالس على كرسي الحكم فيها جاهلًا بها وبقيمتها الحضارية والتاريخية والجغرافية.

هل اكتفت السلطة بحفل المومياوات؟ بالطبع لا، حيث تقرأ على كل المواقع السيسية ما يلي: “بتكليفات من الرئيس عبدالفتاح السيسي .. الحكومة تستعد لاحتفالية افتتاح العاصمة الإدارية الجديدة” “مصطفى مدبولي: الاحتفالية ستكون على أعلى مستوى وسيتم من خلالها التعبير في رسالة واضحة عن “الجمهورية الجديدة” التى أعلن عنها الرئيس”.

يحدث ذلك، في دولة يحترق شعبها قلقًا وغضبًا وذعرًا من شبح العطش القادم عبر اتفاق أبرمه جنرال العطش منفردًا منح إثيوبيا الولاية الكاملة على مياه النيل، وحشر مصر كلها، بأجيالها القادمة في مأزق وجودي غير مسبوق، ثم راح يتهم، كذبًا وبهتانًا، ثورة يناير 2011، أعظم حدث استرد به المصريون كرامتهم وولوا وجوهم شطر مستقبل محترم، بأنها السبب في هذه المذلة التاريخية.

يبعثرون كل هذه المليارات على حفلات “التفرعن الكاذب”، بينما الشعب يتضوّر جوعًا لجرعات من اللقاح تحميه من فيروس مهلك ومدمر، كُتِبَ على المصريين أن يبقوا تحت حصاره واحدًا وستين عامًا، لأن من يحكمهم يبدّد مواردهم في مشروعات وحفلات استعراضية.

يقول المصريون في المثل الشعبي “اللي يعوزه البيت يحرم على الجامع”، لكن من يحكمهم يرفع شعار “ما تحتاجه إنشاءات السجون الجديدة والقصور الرئاسية وحفلات البهرجة الصاخبة يحرم على البيوت وعلى الجوامع وعلى المستشفيات والمدارس والجامعات وقطارات الغلابة وجرعات اللقاح”.

عزيزي المواطن: هل تعلم أن نفقات حفل السيسي الأخير، مع تكلفة قطار الأثرياء الكهربائي، يمكن أن توفر جرعات لقاح تكفي لتحصين الشعب بنسبة تفوق النسبة المطلوبة لتحقيق المناعة خلال شهور معدودات؟ هل تعلم أيضًا أن نسبة التطعيمات بلغت 117% من السكان في الكيان الصهيوني؟ هل من الممكن أن تتوقع من سلطةٍ كهذه أن تتحرّك لتحميك من العطش؟

(٭نقلًا عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق