سلايدرسياسة

أبريل وأزمة الضمير!

بثينة تروس

  (في سبيل بناء عالم مستدام قوامه المحبة والوئام لتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ ثقافة الضمير، دعم الجهود الدولية لإرساء السلام بين  الدول، وتطويع العمل الجماعي الدولي والمؤسساتي لتحقيق الامن والاستقرار الدوليين، جعل الضمير وسيلة تعزيز التسامح والتعايش مع الاخر محاربة الفقر الاحتكار والبطالة وتشجيع الابتكار والابداع) هذه هي بنود مبادرة الأمير خليفة بن سلمان اَل خليفة رئيس وزراء البحرين والتي اعتمدتها الجمعية العمومية للأمم المتحدة في دورتها (73) في يوليو 2019 وبموجب ذلك تم تحديد يوم 5 ابريل  يوماً دولياً (للضمير). والحوجة لمثل هذا اليوم حوجة ضرورية، في مقابل ازمة الاخلاق العالمية الحادثة، ومبادرة الأمير خليفة بن سلمان فيها تذكير عالمي بالدعوة لأصول الاخلاق والسلام وايقاظ موات ضمير الساسة في العالم، وكل ما فارقه ساسة العرب والمسلمين تخصيصاً. ان اختيار يوم الضمير في ابريل له دلالات ثورية تجعلنا كسودانيين معنيين به في المقام الاول، ففي 6 ابريل 1985 قاد الشعب انتفاضة عظيمة ضد دولة الهوس الديني وقوانين سبتمبر 1983، التي اطلق عليها الاخوان المسلمين بتحالفهم مع المخلوع جعفر نميري قوانين الشريعة الاسلامية، وكانت الديموقراطية التي لم ينعم بها الشعب طويلاً، لضعف ضمير الإسلاميين الذين كان انقلابهم علي الشرعية في البلاد، وساهم تاَمر رجال الدين واطماعهم في السلطة، مجدداً في استغلال الشعب المحب للدين بدعاوي تحكيم الدستور الإسلامي، وحكم الاخوان المسلمين  البلاد لثلاث عقود، وفي ثورة من اعظم الثورات السلمية والملاحم البطولية  في العالم قاطبة، كانت مشيئة الثوار رافضة للتطرف والردة الحضارية والفساد، في 6 ابريل 2019 تمدد غضب الشعب بركان، واعتصم بالقيادة العامة حتي اكتمال ثورة ديسمبر 2019، واليوم تمر علينا الذكري في جو تتعاظم فيه ازمة الضمير ويتقاسم وزرها الساسة في الانتقالية، وفلول الاخوان المسلمين وعلماء السلطان، والملاحظ ان تلك الثورات أجمعت علي رفض التطرف والارهاب الديني والتطلع للمدنية والحكم الديموقراطي، وللأسف الحكومة الانتقالية غارقة في محصصات كل يوم تزيد الشقة بينها والشعب،  فلقد مرت علينا ذكري مجزرة  طلبة العيلفون في 2 ابريل 1989، التي راح ضحيتها ما يقارب 172 طالباً، حصدتهم نيران  رصاص حكومة الاخوان وغرقاً في النهر،  حين خالفوا أوامر معسكرات التجنيد الاجباري الذي كانت  الحكومة ترغمهم  علي الالتحاق به بل تختطفهم من الشوارع، وهم صبية لم يدخلوا الجامعات وبعد اكتمال التدريب العسكري يدفع بهم لمحارق الجهاد الإسلامي في الجنوب! هؤلاء الشباب كانت مخالفتهم الأوامر من أجل قضاء أيام عيد الأضحية المبارك، مع امهاتهم واَبائهم في الدولة الإسلامية! وللأسف لم يسعف الضمير الثوري الحكومة في تصريحاً رسمياً تعتذر فيه لأهالي الشهداء، ومن لحق من شهداء ديسمبر الميامين، والتأكيد علي المحاسبة والقصاص، وتطمين الشعب بعدم تكرار مثل تلك الحوادث لأبنائهم. وبالطبع ازمة الضمير هي متلازمة أخلاقية لفلول الاخوان المسلمين ورجال الدين وعلماء السودان وفقهاء التطرف، الذين لم يعتزلوا الفتنة وحرف الثورة عن أهدافها، جزلين بعدم محاسبتهم علي جرائمهم، ولم تنفعهم عبادتهم لإيقاظ ضمائرهم، فهم يخافون الحكام ولا يخشون الله الذي (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور). فلو تم ردعهم بما يتناسب واجرامهم لتواروا خجلا من فساد الأوقاف، والحج والعمرة، وسرقة أموال الزكاة، وفساد منظمات الدعوة الإسلامية، وفتاويهم للحكام التي اطالت امدهم في السلطة. والمرجو من وزير شئون الأوقاف الدينية نصر الدين مفرح الذي دعم أعظم إنجازات الثورة بوقوف الدولة علي مسافة واحدة من جميع الأديان، ان يردع الدعاة وخطباء الجوامع وتوحيد لغة الخطاب الديني في المساجد! وان يستفتي (ضميره) قبل ان يصرح للأعلام برسائل متضاربة، من شاكلة دعمه لفصل الدين عن الدولة (بصدد بناء مشروع وطني لا يقوم على أساس ديني أو أساس إثني أو قبلي، بل على أساس المواطنة والحقوق والواجبات).. ثم حين سؤل عن حد الردة صرح بقوله (ان المذاهب الإسلامية تختلف حولها لذلك تم ارجاؤه حتى قيام المؤتمر الدستوري الجامع للبت فيه).. اول سؤال يتبادر للذهن هل لم يسمع السيد الوزير مفرح ان حكومته الغت حد الردة تماماً، وصرح وزير العدل نصرالدين عبد الباري في عقوبة حد الردة عن الإسلام (أن إلغاء النص حول الردة الوارد في القانون الجنائي، جاء اتساقاً مع الوثيقة الدستورية التي تحكم السودان الآن بعد التوصل إليها بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير العام الماضي، مشيراً إلى أن الوثيقة تمنح كل مواطن حرية في الاعتقاد والتدين، منوهاً إلى أنه “تم تبديل نص الردة بنص يمنع تكفير المواطنين) في 12 يوليو 2020  فاذا كان موقفه الصامت بالموافقة سابقاً مرجعيته الوسطية! هل يفهم الشعب انه تبني موقفاً مغايراً بسبب تمديد وزارته كحزب امة؟!  ومزيد أسئلة هل يتصور مفرح انه سيتفق الفقهاء والمذاهب المختلفة في المؤتمر الدستوري القادم؟ ام يقصد الوزير حينئذ سوف يتم التصويت على الدستور الإسلامي مجدداً؟ ويخرج فينا من يؤكد اجماع الامة على أسلمة الدولة!  ان تصريح الوزير نصر الدين مفرح يؤكد على عدم فهم لمعني فصل الدين عن الدولة! ومعني سيادة الدستور! والحقوق الأساسية! وعليه ان يصدق الشعب النوايا او يستقيل عن منصبه!! ويضاف لازمة الضمير الابريلي هذا، ما تجلي في التغيير الوزاري الذي لم يراعي اهداف الثورة، واكد علي ان التفاحة لا تسقط بعيداً عن الشجرة، حيث لم تنفك مطالب الشعب في التغيير معلقة لم تري النور، في قضايا بأهمية التعليم وعدم اكتمال تغيير المناهج الاسلاموية، ومخالفة الوثيقة الدستورية، في الالتزام بتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية، والتآمر حول تعطيل المجلس التشريعي في الوقت الذي خلق من العدم ما سمي ( بمجلس الشركاء) واحتلت الأحزاب مقاعدها فيه وبدأ مهامه كما يعلم الجميع، وظلت جماهير الثورة من الشباب والمرأة ولجان المقاومة واسر الشهداء  ينتظرون حقهم في برلمان شعبي يتحقق من خلال المجلس التشريعي الذي  يخول لهم حراسة مكتسبات الثورة، والمساهمة في اتخاذ القرارات!  وخلق القوانين العادلة، والتأسيس للديموقراطية، والحرص على اتفاقية اعلان المبادئ، واستقلال القضاء، ولن يتأتى ذلك الا بإزالة التمكين، وهكذا فأن الدعوة للضمير تعني فيما تعني الحكم السياسي الرشيد الذي يقدم مصلحة الوطن والمواطن على المصالح الحزبية الضيقة، وبلدان مثل ماليزيا وسنغافورا التي نهضت اقتصادياً، او تلك التي نفضت رماد الحريق كرواند، جميع تلك البلدان ليس شعوبها بأكثر صلابة من شعبنا ولكن قادتهم من أصحاب الضمائر الحية..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق