ثقافة وفن

أحمد الجابري … ملك الطيور …!

زين العابدين الحجّاز

ولد الفنان أحمد محمد عبد الله أحمد في العام 1937م بقرية الشرفة منطقة النيل الازرق وأحمد الجابري وهو أسمه الفني الذي أخذه من عائلة والدته.  أنتقل من قريته الى أم درمان وسكن في حي العرب وبدأ حياته العملية وهو صبي صغير كحرفي في خراطة السبح في ذلك الحي العريق حيث تعرّف على مجموعة من عمالقة الشعر والغناء مهدت له طريق الفن فنهل منها وأرتقى درجات السلم بسرعة الى أن أصبح فنانا مرموقا يشار إليه بالبنان. منذ الصبا كان عاشقا للفن الغنائي وكان يذهب الى السينما لمشاهدة الافلام الغنائية للمطربين المصريين فأحب أغنياتهم وترنّم بها. في بداية حياته الفنية الغنائية كان يردد أغاني عثمان الشفيع وحسن عطية وأحمد المصطفى ورمضان حسن حيث تعلّم بأغانيهم العزف على العود والذي تعلمه بمفرده في مدة لم تتجاوز الشهر. كان هدفه وأمنيته أن يصبح فنانا معروفا ومشهورا فكانت بدايته مع فن الغناء انطلاقا من حي العرب العريق الذي أنجب مجموعة من عمالقة الشعر والغناء السوداني.

بدأت مسيرة الجابري الفنية فى مطلع الخمسينيات عندما سعى الشاعر الغنائي ومكتشف النجوم عبد الرحمن الريح لدفعه نحو الاذاعة لإجازة صوته بعد أن أفصح له الجابري عن رغبته في الغناء وبعد أن تبينت له حلاوة وطلاوة صوته قام بتأليف وتلحين قصيدة أهداها له وطلب منه الذهاب بها الى الاذاعة السودانية.  ذهب في المرة الأولى إلى مبنى الإذاعة في العام 1956 م لمقابلة لجنة النصوص والألحان   فرفض صوته. كتب عبد الرحمن الريح ولحن له قصيدة أخرى جديدة وشجعه ليذهب بها لدار الإذاعة فذهب للمرة الثانية وبعد مجهود مضني استطاع أن يقابل الأستاذ متولي عيد وتحدث معه عن موهبته في الغناء وأسمعه اغنية لكن الاستاذ متولي قال له: (يا شاطر انت هسه أعصابك مضطربة أمشي وتعال الأسبوع الجايي). حاول الجابري أن يوضح له بعض النقاط ولكنه رفض الاستماع اليه وقال له: (تاني مرة ما عايز اشوفك قدامي ) . بعد فترة من  المعاناة والإحباط عرف أن هنالك لجنة تم تكوينها للنظر في أمر الأصوات الجديدة  وبتشجيع عبدالرحمن الريح ذهب وقدّم نفسه لتلك اللجنة لعلها قد تنصفه وأخيرا تمّت إجازة صوته بأغنية ( شاطئ الغرام ) وكان ذلك في العام 1957 م .اشترك بعدها لأول مرة  في  برنامج إذاعي اسمه ( الأصوات الجديدة ) وكان الزمن المقرّر لكل هاوي خمسة دقائق فقط وقد كان هذا البرنامج هو المعبر الوحيد للانضمام  للبرنامج العام وكل الأغاني التي تقدم  في هذا البرنامج كانت مسبقا مجازة لحنا ونصا  فتم اختياره ومعه الفنانين شرحبيل أحمد ومحمد حسنين للانضمام للبرنامج العام  ولكنه لم يكن يعلم  أن سوء الحظ سيلازمه فبعد ذلك اتصل وكيل الوزارة بمدير الإذاعة  وقال له  أنه قد علم  بزحمة فنانين جدد وطالبه بإيقافهم حيث برر قوله بانهم  سيكلفون خزينة الدولة مالا  فتم طرده من الإذاعة للمرة الثالثة . أصيب بإحباط نفسي شديد وكانت فترة سيئة للغاية بالنسبة له لدرجة أنه أصبح أضحوكة عند أهل الحي الذين كانوا يتهامسون بقولهم: (قال عايز يبقى فنان قال !!) . بعد تلك المرحلة من اليأس وفي العام 1959 م سافر إلى قرية (البساطة ) مع بعض الأصدقاء واقام بعض الحفلات غنا فيها بالعود فقط   ولاقت تجاوبا  رائعا من الجمهور  ثم عاد بعدها  إلى أم درمان فكانت في انتظاره المفاجأة الكبرى التي تمثلت في أن والدته قد أخبرته بأن الإذاعة قد اتصلت به فذهب الى هناك  وقابل المسئول وتمّ الحاقه  بالبرنامج العام وكان ذلك يوما عظيما في حياته  .الأستاذ علي شمو أعجب به وأشركه  في سهرة إذاعية قدم فيها أغنية (شاطئ الغرام) وأغنية (ليه كده الظلم ده ) فكانت بمثابة  دفعة قوية له لمواصلة المشوار . في العام 1961 م اشترك في أول بعثة فنية رسمية خارج السودان إلى الصين وهذا في حد ذاته إنجاز كبير بالنسبة له حيث كان هنالك من سبقوه في هذا المجال ولم يتم اختيارهم وكان هذا بعد عام من دخوله الإذاعة. بعد ذلك وفي العام 1962 م قدم أغاني (رسائل) و(درب المحبة) و(مظلوم في حبي) وظل العطاء متواصلا ومستمرا رغم العقبات والطرق الشائكة ولكن بالعزيمة والإصرار واصل مسيرته. أحبّ الغناء منفردا بالعود أكثر من الغناء بمصاحبة الأوركسترا لأنه حسب قوله إنه عندما يغني بالعود يعيش لحظات وجدانية رائعة واحاسيس مرهفة صادقة مليئة بالحب والصفاء ويتمنى أن يكون كل احبابه من حوله في تلك اللحظات وهناك من يقول: (لو عايز تسمع أحمد الجابري أسمعه وهو بيغني بالعود منفردا) وأنا واحد منه. كثير من القصائد التي قام الجابري بأدائها كانت من تأليف الشاعر  عبد الرحمن الريح وهو الوحيد الذى يعطى المطرب الأغنية على مقاسات وطبقات صوته جاهزة شعرا وتلحينا ولكن الجابري كان المطرب الوحيد الذى يعدل في الحان  قصائد ود الريح وأحيانا يقوم بتأليف اللحن بالكامل كما فى أغنية (حكمة ) وقد قدم له ود الريح مجموعة لابأس بها من الأغنيات مثل  ( قلبي والحب)  (أهون عليك) (حبك ملك قلبي) (سامحني) ( بعد عام) ( سألت حبيبي) ( الزهور الباسمة)  (تنسونا) (ملك الطيور)  رائعة الراحل عمر أحمد والتي ربطتني مع الجابري بحكاية سأتطرق إليها لاحقا .أحب أغنياته إلى نفسه هي (ما نسيناك) و(حكمة) و(الزهور بسمت لينا ) و(حكايتي مع الملام) وكان يتمنى أن يغني ( فينوس ) لعبد العزيز محمد داؤود و( سالتو عن فؤادي ) لحسن عطية و( الزهور صاحية ) لرمضان حسن وكان معجبا بالفنان  أحمد المصطفى  في شخصه و في فنه ويكن له احتراما شديدا  وهكذا كان أحمد الجابري .

توفيت والدته فاطمة بت الجابري عام 1973 م حيث كانت تلك الفترة وحتى العام 1976 م هي فترة حرمان وألوان من العذاب عانى خلالها أحمد الجابري الكثير وتحمل ما فوق طاقة البشر فقد كانت والدته كل شيء في حياته وكانت تمثل نجاحه في الفن والحب الذي له يعيش وبه يحيا وكانت أمله وسلواه ومودته وكان فقدها مصيبة لم يستطع تحملها فضرب حصارا رهيبا على نفسه وتخلّى عن كل شيء بما في ذلك الغناء واتهم بالجنون. تدهورت صحته تدهورا مروعا وأسرف فى تناول الكحول لحد الإدمان وكان يطوف بالشوارع فى حالة يرثى لها ولكن العناية الإلهية تدخلت وأنقذته من تلك المحنة إذ أن بعض الأخوة قد فعلوا خيرا كثيرا ومن بينهم العقيد الأنسان جعفر فضل المولى وأخذوا بيده الى مستشفى التجاني الماحي نزيلا بها حتى عوفي تماما وقضى فترة النقاهة تحت العناية الدورية. بدأت حياته تعود إلى حالتها الطبيعية بعد فترة عصيبة كانت الحصيلة منها أغنية (حكاية ملام). يقول الصادق الياس شاعر هذه الأغنية:

(كنا قاعدين في بيت الجابري وطلعت ليهو قصيدة وقلت ليهو يا الجابري شوف القصيدة دي مسك الورقة وبدأ يقرأ لحد ما وصل:

يا ريت اللوم يرجعني

ويرجع حالي لي حالو

وألم الباقي من عمري

وأجيب البال من الشالو

وأخت احزاني وأتريح

فبكى الجابري بكاء حاراً وقال لي : (يا الصادق انا ما كنت داير ارجع للغناء تاني لكن هسه لقيت الكلام الأنا داير أقولو للناس).  فأمسك الجابري بالعود وقام بتلحينها ثم ذهب بها للإذاعة فخرجت الإذاعة عن بكرة ابيها لاستقبال احمد الجابري فرحين بعودته للغناء بعد ثلاثة أعوام من الحزن فتغنى بها في برنامج صالة العرض الذي كان يقدمه المذيع علم الدين حامد). وتعتبر أغنية (حكاية ملام) نقلة في مسيرة الصادق والجابري الفنية.

أحمد الجابري حباه الله بإمكانيات صوتية هائلة فصوته مثل (البسطونة) في القوة والمرونة كما وصفه أحدهم وتلك كانت   حنجرة الجابري عميقة القرار قوية الجواب وعصية على التكرار والتقليد. الفنان الموسيقار محمد الأمين أجاب على سؤال عن أفضل خمسة مطربين سودانيين فقال: (الجابري أكررها خمس مرات) و(أحمد الجابري لو ما كان مطرب كان حيكون  برضو فنان) هكذا قال عنه  الفنان عبد العزيز محمد داؤود .

من حى العرب انتقل شمالا الى منزله الجديد بالثورة الحارة الخامسة وفي عام 1981 في ذلك المنزل تعرّفت علي الجابري خلال زيارة مع أحد معارفه ثم استمرت وتوطدت علاقتي به وامتدت لسنوات. كنت أزوره في منزله لأكثر من مرة في الاسبوع في جلسات متفردة تتخللها ألحانه الشجية وأكلاته الشهية التي يعدها بيده الماهرة في الطبخ ونكاته الذكية وحكاويه الشيقة. حكي لي عن تلك الفترة العصيبة التي مرّ بها بعد وفاة والدته وعن أيامه التي قضاها في التيجاني الماحي بتفاصيل مدهشة لا يمكن ان تصدر من شخص كان خلاها غير عاقل.  كنت احيانا اصطحبه معي الى ميز زملائي الطياريين في مدينة النيل واذكر يوما رافقته الى جلسة خاصة في منزل المهداوي رجل الاعمال المعروف بالمهدية الحارة العاشرة. في تلك الفترة وفي منزله تعرّفت على الشعراء الصادق الياس وعوض جبريل وبشير محسن. طلب منى ذات يوم أن أرافقه الى دار الاذاعة لعمل بروفة لأغنيته الجديدة (اسمر يا اسمر) فركبنا التاكسي من الحارة الخامسة وتوجهنا الى دار الإذاعة. جلس في المقعد الامامي وجلست في الخلفي وفي الطريق بدأ يترنم بأغنية لم أسمعها من قبل.. لحن خرافي بصوت بديع. سألته عن تلك الأغنية فقال لى انها للفنان عمر أحمد من كلمات وألحان عبد الرحمن الريح واسمها (ملك الطيور) ولا يحفظ منها سوى مطلعها. وصلنا الاذاعة وفي الجهة الخلفية أجري البروفة مع أوركسترا الإذاعة بإشراف برعي محمد دفع الله. انتهينا ورجعنا الى منزله وبعدها زادت طلباتي بأن يسمعني تلك الأبيات من (ملك الطيور) وزاد الحاحي عليه بان نذهب معا الى عبد الرحمن الريح في منزله بأمبدة لكي يطلب منه بقية نص الأغنية والسماح له بتسجيلها باسمه في الإذاعة لكن الجابري لم يكن متحمسا لتلك الفكرة. غادرت الى السعودية ولاحقا وبالصدفة شاهدته وهو يغني (ملك الطيور) خلال برنامج مطرب وجماهير مع سيف الدسوقي في التلفزيون فعرفت أن الجابري قد استجاب أخيرا لرجائي واتصل بالشاعر وسجّل الاغنية. عند عودتي ذهبت اليه في منزله كالعادة وأعربت عن اعجابي بتسجيل الأغنية فكان تعليقه بالحرف وبشيء من الطرافة: (انت ما الأب الروحي لملك الطيور يا زين). ثم افترقنا ولظروف العمل خارج السودان لم نلتق مرة أخرى وسمعت وأنا في دار الغربة بخبر رحيله الى دار الخلود في جمعة حزينة من عام 1996 م. رحم الله ملك الطيور أحمد الجابري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق