بدويات

في العام الأوّل لمقتل جورج فلويد

تحديات الولايات المتحدة ضد العنصرية البنيويّة

د. محمد بدوي مصطفى

محكمة دون سابق لشرطي قاتل:

دارت في غضون الأسبوع الماضي إحدى أهم المحاكمات التاريخية التي تمر بتاريخ الولايات المتحدة وفي الحقيقة ما كان لهذه المحاكمة أن تجد مكانها في قلب المنظومة القانونيّة الأمريكيّة لو لا أن وثّقت شابة عمرها سبعة عشر عامـًا لهذه الحادثة وبمحض الصدفة عبر كاميرا جوالها. وقد فتح هذا التوثيق الباب على مصراعيه لتتولى المحكمة قضية الشرطي الذي كتم أنفاس الأفروأمريكي جورج فلويد كما وفتحت هذه الحادثة باب النقاش السياسي على أوسع وجه حتى تصحح الولايات المتحدة الأمريكيّة المسار وتقف لمعالجة قضية العنصرية المفرطة عمومًا والعنف الممنهج للشرطة ضد الأقليات. لقد حامت بعد مقتل جورج فلويد صرخته حول العالم وتبلورت على شاكلة حركة معارضة واسعة النطاق تبناها الشباب بكل توجهاتهم واختلافاتهم العرقيّة لتقول عبر شعارها المعروف “إن حياة السود مهمّة” (بلاك لايڤز ماتر) وكانت في حراكها الدؤوب تراقب عن كثب مجريات القضية التي كان لها الفضل في تبلورها وذلك منذ بدايتها وقد مثل فيها الشرطي المدعو ديريك شوفين أمام القضاء وقدمت له التهمة بالقتل العمد ما بين أمور أخرى. وكلنا يعرف حيثيات القصة التي أودعت بشوفين في غياهب السجن: لقد قبع هذا الرجل بركبته على عنق الأفروأمريكي جورج فلويد لمدة تسع دائق وثلاثين ثانية بينما كان فيها الأخير مقيد اليدين وملقيًا على الأرض ولم يستطع الدفاع عن نفسه فضلًا أن يحرك ساكنا. لقد أطلق فلويد أثناء تلك اللحظات الحرجة صرخات استنجاد أخيرة ذاع صيتها وعرفها الناس في مشارق الأرض ومغاربها وحفظوا نبرتها الملّحة المردّدة: “لا أستطيع التنفس”، لقد قالها فلويد أكثر من عشرين مرّة. لقد مرّت الآن عشرة أشهر على الوفاة في بلد ترقّب بكل حواسه إطلاق الحكم الأخير تجاه الشرطي الأمريكي شوفين والذي جاء على غير الأحكام السابقة تجاه تفلتات رجال الشرطة أمام أفراد الأقليات.

انتفاضة العالم لأجل الحريّة والكرامة:

لقد كتبت في مقال سابق عن الحادثة وذكرت أن العالم شاهد بأسره مقتل هذا الشباب، والأب الرؤوم كما وشاهد العديد منّا تلك الكلمة التي ألقتها زوجته في يوم تأبينه. كانت كلمة عصماء حزينة ومكبلة على حد سواء تكتم الأنفاس عند سماعها، قائلة ومشيرة إلى ابنته الصغيرة الجاثمة بقربها: هذه البنت لن تستطيع – كباقي الأطفال – اللجوء في وقت الشدّة إلى أب يضمد جرحها، ولن تستطيع أن تناديه لتقول له غدا موعد تخرجي من الجامعة ولن تستطيع أن تقول له قريبا يوم عرسيّ، فسوف ترفل إلى بعلها دون أب عندما تضع ذراعها فوق ذراعه باتجاه المأذون!

لقد احتج مئات الآلاف من البشر في كل مدن ألمانيا، ميونخ، برلين، شتوتغارت، بريمن وكونستانس وحتى خارج ألمانيا بلندن وفيما وراء البحار تضامنا مع المتظاهرين في الولايات المتحدة، عقب مقتل المواطن الأمريكي من أصل إفريقي جورج فلويد. بدأ الغضب العارم بتسجيل مصور أظهر رجل الشرطة يجثو على رقبته قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. كان مقتل هذا الشاب متنفسا لضغوط تراكمت عبر الحقب والسنين لكل حادب على الديموقراطية وعلى حفظ حقوق الإنسان. فلم تكن المظاهرات التي امتد نطاقها في كل مدن العالم تنادي فقط بتحقيق العدالة للمجني عليه فسحب ولكن بالعدالة للكل وبالإنسانيّة للجميع في كل بقعة من بقاع المستديرة. لقد تسببت هذه الحادثة في اشعال احتجاجات عارمة بالولايات المتحدة أججها الغضب الكامن لدى الأمريكان ذوي الأصول الأفريقية وغيرهم من الأقليات الإثنيّة منادين بعدم تحيز العدالة – كما هي الحال إلى الآن – للرجل الأبيض! بينما كانت غالبية التظاهرات والاحتجاجات سلميّة، لكن سرعان ما تحول أجيجها في بعض المدن إلى إغلاق لحركة المرور وإضرام النيران والاشتباك مع الشرطة التي ردّت عليها بإطلاق الغاز المسيل للدموع والرصاص البلاستيكيّ من أجل إعادة فرض النظام بالقوة كما وهدد الرئيس الأمريكي آنذاك دونالد ترامب بإنزال الجيش إلى الشوارع وكان كذلك ونزل بعض البيض في المدن الجنوبية مدججين بالأسلحة الثقيلة متناثرين في الشوارع المختلفة عازمين على اخماد هذه الثورة بالسلاح وكأننا يا سادتي قد عدنا إلى عهد الرق والعبوديّة! ومن ناحية أخرى ذكر محامو أسرة، جورج فلويد أنهم قدموا طلبا بتشريح مستقل للجثة، بعد أن أثار الطبيب الشرعي شكوكا من أن الاختناق هو سبب الوفاة.

العنصرية والتحديات للقضاء عليها:

ولنذكر بحيثيات الحادثة التي كانت السبب في مقتل فلويد. لقد ألقى الشرطي شوفين وثلاثة ضباط آخرين القبض على جورج فلويد بعد أن اتصل موظف بمتجر بالشرطة لأنه يعتقد أن فلويد كان يحاول دفع الفاتورة بدولارات مزورّة. أثارت وفاة فلويد في ذاك اليوم انطلاقا من مكانها احتجاجات حاشدة لتشمل جميع أنحاء البلاد وخرجت منها هناك لتعمّ كل أنحاء العالم، وبدا لبضع أشهر قبيل الانتخابات الأمريكيّة أن موضوع العنصرية سيصبح القضية الرئيسية في الحملة الرئاسيّة لجو بايدن وكاملا هاريس ولكن كما هي الحال في الولايات المتحدة الأمريكيّة، سرعان ما أصبحت قضايا أخرى أكثر أهمية من الموضوع السالف الذكر: كوفيد ١٩، الاقتصاد، ملئ مناصب المحكمة العليا، الخ. وتلاشى موضوع العنصرية البنيويّة العنيفة التي ميّزت الولايات المتحدة منذ نشأتها خلف الكواليس.

لذلك فإن قضية محاكمة الشرطي شوفين هامة للغاية حيث تتجاوز أهميتها ما تعكسه الوحشية المرئية في تسجيلات الفيديو: فهي تسلط مجددًا الضوء على أهمية التصدي لقضايا العنصرية التي تمزق هذا البلد أكثر من أي بلد آخر ولقد زاد الطين بلّة تجاهل الرئيس الأسبق دونالد ترامب لها أو بالأحرى تأجيجه لنيرانها حيث قام بالتصدي والردع القاسي عبر الجيش لكل التظاهرات السلميّة التي نادت بالمساواة وترك العنصرية وأهمية إنسان وحياة الأفروأمريكان والأقليات الأخرى في هذا البلد.

وفي شأن الإصلاح فإن الأمر يرتبط يا سادتي بجبر الكسور الكثيرة التي حدثت عبر التاريخ المديد قرابة الأربعمائة عام وكل هذه المؤشرات والتظاهرات تحث الأمة للمضي قدما في طريق العدالة والمساواة قائلة لهم أن شيئًا ما سيتغير جذريًا إذا شُمرّت السواعد واتحدت النفوس للقضاء على هذا الداء وهذا المرض العضال وكأنّ حلم الرائد مارتن لوثر كنج يتردّد صداه من على الأفق. وجميل أن نجد الآن العديد من الورش التي تحاول تعليم وتربية البيض كيف يمكن أن يكونوا أقلّ عنصرية ومن قبل خلق إحساس لديهم بالمسؤولية كواجب على كل فرد منهم أن يتعلم بنفسه ما معنى أن يكون أبيض اللون أي أن يكون من المصطفين في المجتمع بكل ما تحمل هذه الكلمة من معان وأن يعيش دون أيّ سلبيات ترجع لعامل البشرة أو اللون. لقد حاول دونالد ترامب عند اندلاع التظاهرات لحركة بلاك لايڤز ماتر استخدام هذه الاحتجاجات في حملته الانتخابية لمصلحته الشخصيّة فبدأ ينشر الأكاذيب عن عنف اليسار ليثير الخوف والهلع من تعنيف المدن والهجوم المزعوم على أمن وممتلكات المواطنين واقتحام الأماكن العامة وما إلى ذلك من سيناريوهات هوليود الخارقة للعادة. وكما عرف عن الرجل أكاذيبه الكثيرة التي أدت إلى توقيف حساباته في تويتر وفيسبوك إلخ. وحملته لمصلحة بناء الحائط ضد اليسار والهجرة في حدود المكسيك غنيّة عن التعريف. على أيّة حال لم ير الأفروأمريكان بدّا أن ينتخبوه ثانية فخسر ترامب الانتخابات لأن العديد من الأفروأمريكان الذين ابتعدوا عن هيلاري كلينتون في عام ٢٠١٦ صوّتوا لصالح جو بايدن.

جو بايدن والتحديات ضد العنصرية:

لقد صار جو بايدن الآن رئيسا بعد قرابة العام من مقتل فلويد، وجاءت مع توليه المنصب رسائل البيت الأبيض مخالفة تمامًا على ما عهدناه في حقبة الرئيس الذي سبقه، وأتى حديثه مصالحًا متفهمًا لوضع الأقليات الإثنية بالبلد ومساندًا وداعمًا لمطالبها في القضاء على كل العقبات التي من شأنها أن تكسر شوكة العنصرية البنيويّة في المجتمع الأمريكيّ إلى الأبد. ورغم أن الرئيس ونائبته أعلنا مسبقًا عن وضع حلول عديدة لمشكلة العنصرية المزمنة لكنهما لم يستطيعا في الفور عمل اللازم في هذا السياق، حيث سيطرت جائحة كورونا على المناخ العام للحكومة وكان لابد من التصدي لها بكل صرامة وقوّة جأش، إضافة إلى ذلك اندلعت أزمة النزوح العارم للاجئين في الحدود مع المكسيك والتي بنى بسببها الرئيس السابق ترامب حائطه الملياريّ وكان ذلك من وعوده الانتخابيّة الأساسية التي منّى بها الطبقة البيضاء بالأمن والأمان المستدام. تناول بايدن منذ خطابه الأول عند التنصيب في باحة الكونغرس أمام العالم ومن أول وهلة أهميّة القضاء على العنصرية الممنهجة والبنيويّة ونجد أنّ الملايين من الأقليات الإثنية قد وضعت جلّ آمالها عليه وعلى نائبته التي هي معنية بالأمر، لكن تأتي توقعات بعض النشطاء في هذه الأقليات خجلة ولا تدعوا للتفاؤل البتّة، فهم لا يتوقعون حدوث أيّ شيء، لأن ثقتهم في النظام (الاستابلشمنت) قد تلاشت لا سيما أنهم كانوا من قبل قد وضعوا كل أمنياتهم العريضة في أيدي الرئيس الأفروأمريكي براك أوباما، فخابت آمالهم وحبطت همتهم وتلاشت معالم الإيجابية المستقبلية عندئذ لأنه لم يستطع أن يحرك ساكنا في هذه القضية المصيريّة ولم ينفذ أي شي من وعوده قبل أن ينتخب ويصبح رئيسا على مدى دورتين لأعظم بلاد العالم وأقواها على الإطلاق.

قانون إصلاح الشرطة:

إن التصريحات السياسية المتفائلة للقضاء على العنصرية من قبل بعض المسؤولين أو تبعثر بعض المحاولات الإصلاحية الخجولة في بعض المقاطعات المتفرقة في هذا السياق لا يمكنها البتّة مواجهة كل التحديات المتراكمة منذ أربعة قرون في أجندة هذه القضيّة المصيريّة. لذلك فإن إصلاح جهاز الشرطة المستدام وتصفيته من العناصر المتطرفة والمقاومة لروح المساواة ومن كل صفات العنصرية البغيضة يحتاج لدراسات مستفيضة وأبحاث عديدة وفوق هذا وذاك لوقت طويل وصبر جميل لأنها قضية متأصلة في المجتمع الأمريكي وتمتد جذورها إلى قطاعات واسعة فيه ولن تنحل فقط عندما تشرع بعض المقاطعات حسنة النيّة بمعالجتها وأخرى لا، أو عندما توزع حصص الميزانية لصالح بعض المصالح والقنوات بغرض الوقاية هنا وهناك كأضعف الإيمان. لذلك فلابد من عمل مؤسس وميداني مستدام لخلق مناخ يسوده السلام والوئام بين مختلف طبقات وإثنيات المجتمع. لقد أقر مجلس النواب قانون جورج فلويد وهذه خطوة تأريخية حميدة، وهو قانون يهدف إلى منع الشرطة من الممارسات العنصرية والتحكم في مساءلتها عند التفلت والخروج عن القانون، ومع ذلك فإن فرص إجازته بالفعل في مجلس الشيوخ ضد الجمهوريين تكاد تكون ضئيلة. فالقوى المعاكسة لمثل هذه التطورات لها لوبي ممتد الأذرع فلن تنصاع بالحسنى أو بالتي هي أحسن وسيبقى لمجموعات كبيرة في أمريكا نظام الطبقية المبني على التفرقة والعنصرية هو الطريق الأوحد لرؤى المستقبل. ويجب ألا ننسى أن محامو شوفين لا يزالون يجادلون بأن وفاة فلويد كانت بسبب تعاطيه المخدرات وفشل القلب، ويشيرون هاهنا لتقرير المشرحة الذي يُبيّن بأن فلويد توفي بسبب سكتة قلبية وكدمة في الرقبة. لقد أقرّ التقرير بأن فلويد كان يعاني من أمراض القلب وقد تم بالفعل العثور على آثار مادة الفنتانيل في جثة القتيل. ومن جهة أخرى تنادي مجموعات بيضاء كبيرة تساند شوفين في قضيته قائلة بأن حياة الزُرق (أي البيض) مهمة (بلو لايڤز ماتر)، الحركة المحافظة والمضادة في مقابل حياة السود مهمة (بلاك لايڤز ماتر). والجدير بالذكر أن نقابات الشرطة بالولايات المتحدة قوية الشكيمة وتدافع بقوة وصلف عن تصرفات أعضائها، وغالبًا ما تعرقل الإصلاحات التي يمكن أن تحد من حرية عمل الشرطة. أصبحت بلو لايڤز ماتر هي الحركة التي ترفع شعار مساندة البيض لا سيما أعضاء الشرطة وقد كرست كل أعمالها لحماية أرواح أفرادها وأولئك الذين اتهموا بارتكاب أعمال عنف عنصرية ضد بعض أفراد الأقليات الإثنية.

ورغم كل هذه السلبيات فنحن نعيش على صعيد آخر أيضًا جيلًا آخرًا تشبع بكل معاني الإنسانية والمساواة وهو الذي نظم وشارك بالفعل الدؤوب وبنكران ذات في تظاهرات حياة السود مهمة (بلاك لايڤز ماتر) ونحن نأمل كل ما هو جميل وعادل في طريق الحريّة والسلام لإخوتنا وأخواتنا في الولايات المتحدة وفي كل بقاع العالم فالأمنيات الصادقة لا ولن تموت.

خاتمة:

لقد حكمت المحكمة على الشرطي القاتل ب٤٥ سنة من السجن. وكم كانت فرحة العالم كبيرة بهذا النصر الذي بعث التفاؤل في قلوب الكثيرين من الأمريكان تجاه مؤسسات القضاء بهذا البلد.

السلام والعدالة والإنسانيّة هي الحل، والخالق جعلنا شعوبا وقبائل لنتعارف. فسلام على الدنيا إن لم تعِ الدرس وسلام على البشريّة إن سارت بنفس المنوال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق