سياسة

رسالة من قارئ من الجارة تشاد

شوقي بدري

سلام وتحية وطلب 

السلام عليكم عمنا شوقي

شكرا على المقالات الجميلة على الراكوبة، انا سوداني اعيش الان في تشاد ووجدت ان الشعب التشادي أقرب للسوداني في كل شي من اللغة الى الملبس والماكل وثقافة الافراح والاتراح وحتى الفلكلور والغناء وتوجد كثير من القرابات بين الشعبين (ليس الزغاوة فقط وانما اغلب القبائل. والتشاديين يعتبرون السودانيين اخوه لهم، لكن لا أجد هذا الاحساس في السودانيين لأنهم يعتبرون المصريين الاقرب ماهي المشكلة هل استعمار مصر للسودان غير توجيه المجتمع السوداني للنظر لمصر ام ان ثقافة التعريب التي جعلت السودان يخرج من محيطه الافريقي والتوجه الى العرب قرات في مقالك الاخير أنك كنت في تشاد في الثمانينات ونزلت في لوكاندة بحيرة تشاد رجائي كتابة مقالات عن الدولة الجارة للسودان ومدى قربها طلب ينبع من أنك انسان صريح تناقش الواقع السوداني بواقعية ومن غير تحيز والسلام

نهاية اقتباس

لقد كتبت وقلت انه في حالة وجود استقرار في المنطقة، سيكون هنالك تطور ضخم. ويمكن ان يكون السودان هو القاطرة التي تدفع بالاقتصاد. ويمكن ان يستفيد السودان اقتصاديا بدون ان يجحف في حق الجيران ويمكن ان نصدر الحبوب والسكر والزيوت والمحروقات ومنتجات التصنيع الخفيف والسلع الاستهلاكية. ولكن الانقاذ مشغولة بتصدير الارهاب والدمار حتى داخل السودان.

هذا أحد المواضيع التي كتبتها عندما تدخلت الانقاذ عسكريا في تشاد. والآن هم اصدقاء الرئيس ادريس ديبي. انها المحن السودانية 

اقتباس.

مشكله تشاد مع السودان 

قالوا زمان لما الأمريكان اتهموا صدام حسين بحيازة أسلحة كيميائية رجعوا لنسخ الفواتير القديمة. دي الوقت الحكومة في شاد ما محتاجة لأي زول عشان يقنعها بتدخل حكومة الإنقاذ في شئونهم الخاصة لأن وجودهم سببه الإنقاذ مثل أريتريا، والموضوع بالنسبة لإدريس دبي ما عايز درس عصر. 

أول شيء أقرب ناس لنا هم التشاديون وكما كتبت في موضوعات قبل ذلك أكثر ناس يجد الإنسان نفسه معهم هم الشاديون. مثل الأثيوبيين يحترموننا ويحبوننا وبعضهم يقدسنا إلا أننا لا نبادلهم الاحترام، لأننا نركض خلف العرب الذين يحتقروننا على المفتوح. 

في نهاية الثمانينات صار الصمغ العربي سلعة نادرة وارتفع سعره من ألف دولار للطن إلى 12 ألف دولار والصمغ العربي لا يستعمل في التصميغ ولكن يستعمل في المشروبات مثل كوكا كولا والحلويات والأدوية والكثير من المأكولات وأشياء كثيرة أخري لا تحصي. وبسبب أن زوج بنت أحد أقطاب الوطني الاتحادي كان مديرا لمؤسسة الصمغ العربي فكانت الكوتات توزع للمريدين والأحباب كالعادة فاتجهت لشاد.

مقابلاتي بدأت مع الأخ عباس كوتي في السفارة الشادية. وكانت جميلة ولطيفة ثم توطدت علاقتي بشقيقه الوزير حسين كوتي ووجدت كل ترحيب واحترام وكرم. ولم تربطني معه اي تجاره او مصلحه. بل كان يحب السودان والسودانيين. وذكر لي انهم عندما كانوا في طريقهم الى تشاد عن طريق اللواري قديما، ان توقفوا في أحد المدن الحدودية فقام تاجر سوداني بخطف مفتاح اللوري. وأصر على مبيتهم في منزله وذبح واولم لهم.

وليس هنالك مكان في الدنيا يجد فيه السوداني الاحترام أكثر من شاد وحتى ولا في السودان. ومنذ أول زيارة أحسست بأنني وسط أهلي. وأصر الأخ حسين كوتي بأن لا نأكل أكل الفنادق. وكان يقول اكل الفنادق ده ما اكل اولاد ناس. وكان يأتي لأخذنا كل يوم لنأكل في منزله مما أكد لي ما كنت أسمعه قديما أن المحس والزغاوة هم من أكرم البشر. زوجة حسين كوتي مبروكة كانت من الجنينة والشيء الغريب المفرح أن من أطلق عليها اسم مبروكة كان جدي الرباطابي والمحارب في المهدية الحاج ود أحمد ود إدريس الذي كان تاجرا في الجنينة، وهو خال والدي ومن أقدم تجار الجنينة وزوج ابنته حليمة عابدين كان كذلك من تجار الجنينة وهذا أكد لي الترابط بين أهل السودان وأهل دارفور وشاد فلقد كانت عماتنا حليمة وعائشة يأتوننا بالهدايا خاصة الساعات من أبشي والروائح والأقمشة والمراكيب. جدي الحاج ارتبط بصداقه باسره مبروكة. واذكر في تلك الايام ان مبروكة ذهبت لتقابل عروس من الجنينة كانت قد حضرت. وكثيرا من رجال انجمينا تزوجوا من بنات الجنينة.

الذي سمى انجمينا هو رابح فضل الله الذي كان ساعد الزبير باشا الايمن. وهو الذي قتل الجنرال الفرنسي لامي، وكلت اسمه يطلق على انجمينا، فورت لامي، ثم قتل رابح بعد خمسين سنه من العسكرية والمعارك. وشيد له الفرنسيون نصبا تعلوه اربعه مدافع. حتى قديماً ارتبطت تشاد بالسودان. ولم تسلم من مصائب السودانيين. والمؤلم ان مجنون طرابلس صار ولا يزال يتحكم فى مصير تشاد ويعطيه السودانيون وضعاً لا يستحقه.

المؤلم ان دوله صغيره مثل ليبيا احتلت شمال تشاد فى فتره من الاوقات ولا تزال تتدخل. ولقد وجد القذافي في تشاد ميداناً لكي ينتقم من النميري والسودانيين. اذكر ان رئيس اليمن الجنوبية سعيد على صالح قد ذكر في مسكنه في حي ديفتسى في براغ، امام مجموعة كبيرة من السودانيين والعرب. ان القذافي قال لهم عندما شاهد النميري نازلاً في سلالم الجامعة العربية (انه سينصرف حتى لا يواجه العبد نميري). فضحك البعض الا ان الشيوعي الرائع حسن قسم السيد انتفض قائلاً انه لا يقبل ان يوصف النميري بانه عبد او أي سوداني آخر، فاعتذر الرئيس اليمنى وأكثر في الاعتذار. شخص سيء مثل القذافي يسمح له بالتدخل فى شئون تشاد والسودان. كم اتمنى لو ان السودانيين والليبيين تركوا الشاديين في حالهم..

محمد الذي يبدوا في الصورة المرفقة كان في الثالثة من عمره وكانوا يسكنون في الحي الأوروبي الذي كان يسكنه السودانيون الذين كانوا أهم جالية في المنطقة منهم السفير الحالي الرجل الجنتل مان نور الدين ساتي والملحق العسكري ابن عمي وزميل الدراسة عثمان محجوب الغوث، ونائب القنصل الاخ اللطيف عز الدين، وربيع ابن سوق الشجرة باشكاتب السفارة. ومسئول الامم المتحدة نجيب خليفة محجوب وممثل الخطوط الجوية السودانية الاخ حضري. ووجود سوداني كان شيئا مميزا لدرجه ان السفير نور الدين ساتي اتى باحثاً عنى في الهوتيل لأنه سمع بان هنالك اثنين من السودانيين بالهوتيل. وكان يقول لى مافى سودانى بجى هنا ينزل في هوتيل. كان ما عاوز تسكن معانا بيت اختك فاضي لأنهم في اجازه وكان يقصد عديله محمد بدري زوجه نجيب خليفه محجوب مسئول الامم المتحدة.

تلك كانت الروح في تشاد. والأطفال الذين تقابلهم يقولون إنهم يدرسون في المدرسة السودانية. والمسئولون والوزراء يتحدثون اللهجة السودانية مثل جاموس وزير الدفاع وجلابي وأحمد التاجر والسنوسي ويرتدون الجلابية والعمة السودانية ويتحدثون لهجة سودانية جميلة الإيقاع وأي توب يظهر في الخرطوم يكون في انجمينا ثاني يوم، وأذكر أني قابلت الأخ أمين الزبير الذي يبدو في أحد الصورمع الاخ ابراهيم وهو الاخ غير الشقيق لحسين كوتى. والاخ امين وكان قد أتي لإنجمينا قبل فترة لكي يحضر لحفلة الأخت حنان بلو بلو، وبالرغم من أنها في تلك الفترة أتت وهي حامل ولا تستطيع الحركة كثيراً إلا أنها كانت ذات شعبية طاغية. وكل من يتحدث عن الدين أو القرآن أو التفسير ويختلف مع آخر سمعت القول أنا دارس في جامع شروني ويكون الكلام كمل. حتى أولاد السوق والشفوت سمعت من يقول للآخر إنت فاكر نفسك شنو أنا كنت في الخرطوم.

وكان للسودانيين سمعة غير مصدقة في شاد وحتى عندما هرب إثنين من الصياغ بفلوس وودائع الناس كان الجميع يقولون ديل ما سودانيين السودانيين ما بيعملوا كده. وقديما كنا نسمع من سائقي اللواري أنهم عندما يأتون إلى أي مدينة أو قرية كان الناس يذبحون لهم ويمنعوهم من السفر قبل أن يرتاحوا ويفرحون إذا ترنموا لهم بأغنية لسيد خليفة أو أحمد المصطفي. مبروكة كانت تقول لي أن والدها كان أحد سائقي اللواري وكان معها إثنين من أشقاءها على مستوي عظيم من الأدب والتهذيب.

بعد هزيمة قوات الاحتلال الليبية وتحرير شمال شاد وطرد قوات القذافي من قاعدة فيا ووادي دوم أقيمت حفلات رائعة في كل شاد وفي كل مكان كنا نذهب كنا نسمع الأغاني السودانية حتى في المناطق التي يقطنها المسيحيون من قبائل السارا أهل تمبل باي الرئيس الشادي الأول، ونهاية تمبل باي كانت كذلك علي يد السودانيين. وهذه أحدي اللعنات التي يواجهها الشاديين لمجاورتهم السودان.

عندما يتجول الإنسان في شاد كنت أري كل المباني مليئة بثقوب الرصاص وبما أن كل خمس طلقات من رشاش صغير تساوي دولارا فلا بد أن مئات الملايين من الدولارات صرفت على الرصاص فقط وأغلبها بسبب المجنون القذافي. وتلك أكبر لعنة تواجهها شاد وستواجهها طول الوقت. عندما يسلط الله أمثال قذافي لكي يحددوا مصائر الآخرين. والمؤلم الأكثر أن السودانيين يسمحون لأمثال قذافي أن يتدخل في أمورهم ولا يزال.

والآن تسيء حكومة الإنقاذ للشعب الشادي. عندما سألت الدكتور عبد الله سبيل وهو زغاوي من أم كدادة أتي للتخصص في السويد عن بعض أصدقائي من الزغاوة وسألت عن حسين كوتي عرفت أنه قد قتل. وفكرت في المرأة الفاضلة مبروكة والابن محمد الذي سينشأ يتيما وهذه أحدي جرائم الإنقاذ فقد كانوا ولا يزالوا يألبون الشاديين على بعضهم البعض.، بعد نشر الموضوع عرفت ان الاخ حسين كوتي لم يقتل. ولكن قتل شقيقه الاصغر عباس كوتي الشاب الخلوق طيب الله ثراه. وهذا بالضبط ما يفعله حيالنا المصريون.

من كرم التشاديين ان صديقي الفاتح ابسم الذي رافقني كان يحتاج لشراء بعض الاشياء ولوصولنا في المساء استدنا ما يعادل عشرين دولاراً ووقتها كانت ثروة حتى فى السودان وعندما غيرنا الفلوس في اليوم الآخر أردنا ارجاع المبلغ لصاحب الدكان الا انه غضب بجد وقال ان السودانيون اهلهم. وكنا نقول لبعضنا ما ابعد هذا مما يحدث لنا في الدول العربية. قابلت من سألني عن الرجل الفاضل سيد عبد القادر فضيل الذي كان يسكن في الملازمين وهو زميل ابن عمتي احمد كوريا ففي المدرسة الثانوية وكان صديقا لتؤام الروح بله عندما كان يعمل فى ليبيا وسيد من الفاشر. وعندما عرف إنني اعرفه أتى بابن خالته الذي كان يرتدى زي غرب افريقيا. وكان في حاله زهج وضيق. وقال لى الاخ حسين كوتي رحمه الله عليه ان مشكلته انه بعد ان عاش في باريس صار يصعب عليه ان يعيش في الخرطوم او في انجمينا.

ليس هنالك مكان خارج السودان احسست به بروح السودانية مثل تشاد. فعندما عرض على التاجر ابراهيم السنوسى ان اساعده فى تبديل اكوام العملة الليبية التي توفرت عنده بدأ كلامه ب (شوف يا عشاي) وهذه الجملة لم اسمعها منذ وفاة جدتي..

ليس هنالك إنسان وصف بالغباء والسخف مثل القذافي وأذكر قديما أنه كلما يذكر اسمه أمام الأوروبيين يضحكون ملء أشداقهم ويصفونه بالغبي. فعندما قاطعه الأمريكان أراد شراء بعض الأسلحة عن طريق بعض الوسطاء في سويسرا وفي كل مرة كانوا يلبسونه مقلب. ودفع عشرات الملايين. فعندما أراد شراء نظارات للرؤية الليلية باع له الفرنسيون مناظير من النوع المستعمل في المسرح. وأحد أسباب فشله في حرب شاد بالرغم من أن الشاديين أشادوا بشجاعة الجنود الليبيين أن القذافي كان كالملك فاروق كان يتدخل في شراء أسلحة دون دراية. والمعروف عالميا أن هنالك خمسة أنواع من حاملات الدبابات هي الأشهر أحدها الكايبلا الألمانية والبيتر مولا والأوشكش والفاون والتي تبرد بالهواء والخامسة نسيتها وهي نفس الحاملات التي تستخدم في نقل الجرارات الثقيلة والمعدات الزراعية. وأي إنسان عاقل لا يمكن أن يشتري ناقلة دبابات تبرد بالهواء في بلد صحراوي مليء بالغبار، وتوقفت شاحنات الدبابات في أول مشوار. أذكر أن الملحقة العسكرية الأمريكية في شاد كانت تصف القذافي بالغباء لأنه يصرف فلوس في شراء معدات بدون أن يتيح التدريب الكافي لجنوده وكل هذه المعدات تركت عندما انهزم الجيش الليبي وكانت هنالك أطنان من النقد الذي كان متداولا في شمال شاد.

أحد الضباط الفرنسيين وهو من الفيلق الأجنبي وهؤلاء من المفترض أن يكونوا خير الجنود عالميا كان يقول بالمفتوح أن الجنود الشاديين من خير المقاتلين في العالم وكان يسميهم الأولاد الذين يلبسون صنادل. وبالرغم من أن جنود الفيلق الأجنبي قد تدربوا على العيش في الصحراء إلا أنهم لا يستطيعون أن يقضوا أكثر من 12 ساعة بدون شرب ماء والبعض في حالات خاصة قد وصلوا إلى 16 أو 18 ساعة. ولكن أولاد شاد بأجسادهم النحيفة كانوا يمشون وقد يقضون أربعة وعشرين ساعة دون أن يشربوا ماءا وبدون أن يبدو عليهم التعب والإجهاد.

إبراهيم الأخ غير الشقيق لحسين وعباس كوتي والذي كان يرافقني طيلة الوقت ولم يكن وزنه يزيد عن الخمسين كيلو إلا قليلا كان قد شارك في الكثير من المعارك وعرفت أنه كان مسئولا عن مدفع مثبت على سيارة دفع رباعي عشرين مليمتر. الأمريكان والفرنسيون كانوا يقولون إن البلد الوحيد الذي يمكن أن يؤثر على شاد هو السودان. لقد أعطانا الشاديون حبا ومودة واحتراما. والله أن السوداني لا يجد في السودان الاحترام الذي يجده في شاد. وكما كتبت قديما نحن نسيء إلى من يحبنا ونركض خلف من يهيننا.

لماذا أحلنا حياة إخوتنا في شاد إلى الجحيم؟ لماذا ترملت مبروكة ولماذا فقد الطفل محمد حسين كوتي والده؟ وكلما تأتى حكومة دكتاتورية مجرمة فى السودان تتأثر تشاد ويقتتل الاخوان وكان هذا الحال منذ ايام الاستقلال وحكومة تمبل باي.

التحية 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق