ثقافة وفن

دفاعًا عن التحليل النفسي والأدب الفرويدي

ليلى أحمد حلمي

بعد تخرُّجي من الجامعة، حصل والداي على طلاقِهِما؛ فأصابني الانهيار (لك أن تتخيلَّني أتلوَّى على الأرضِ باكيةً). لقد كنت أحاول التماسك لفترةٍ طويلةٍ للغاية، ثم فجأة، لم أعد قادرة؛ لذا سعيت للحصول على مساعدة من معالج.

أذكر أنني كنت أراها مرةً كل أسبوع، أجلس على الأريكة في مكتبها المريح بالجانب الغربي الشمالي لمنهاتن، بينما تجلس هي في المقابل. لقد استهللت تلقي العلاج بعد أن أمسيت في أمسّ الحاجة إليه، ولعلك تدرك هذا الشعور، وكأنك بعد فترة من المجاعة تحصل على شيءٍ من الطعام. بدأنا في اللقاء مرتين أسبوعيًا (ملحوظة هامة: ما كنت لأتمكن من تغطية هذه المصاريف دون مساعدة مالية من أسرتي)، ثم اتفقنا على المزيدِ من الجلسات.

في البدء، لم أدرك أن المعالجة الخاصة بي محللة نفسية، ولا اعتقد أنني كنت أفهم معنى التحليل النفسي. عندما بدأت في زيارتها ثلاث مرات أسبوعيًا، ثم أربع مراتٍ، لم نعد نواجه بعضنا البعض أثناء الجلسات؛ فقد كانت تجلس خلفي بينما كنت أرقد على الأريكة، فتتداعى أفكاري بحريّة.

لم تخبرني قط بما يجب أن أتكلم فيه، ولم تتبرّع بالنصح، كانت تطرح الأسئلة، وتقدم التفسيرات، وتوضّح الأنماط. كانت تسبر الأغوار وهي تستدعيني للخروج من بوتقتي، ولم يكن الغرض من هذا هو التخلُّص السطحي من الأعراض، وإنما فهم أسبابها الدفينة. فمن خلال تناول هذه المسببات الجذورية، يمكننا معًا وبمرور الوقت تفكيك الدفاعات غير الصحية لديّ، وذلك للبدء في خلق دفاعات أفضل لي. لم يكن الأمر مسليًّا، بل كان يشوبه الكثير من المضايقة، ولكنه كان كشفًا؛ فتحولت المعالِجة إلى محلِّلة.

لم يكن أحدٌ من معارفي ممّن هم في عمري خاضعًا للتحليل النفسي على حدّ علمي، كما لم أعرف أحدًا غير المرضى الآخرين الجالسين في غرفة الانتظار. بدا الأمر وكأنّ أغلب من أعرفهم كانوا قد صرفوا النظر عن التحليل النفسي، مفضِّلين العلاج المعرفي السلوكي، والذي يركز على القضاء على الأعراض من خلال الأعراض؛ فالعلاج المعرفي السلوكي يرى أن الخبرات السابقة تسهم في الانفعالات، بينما تؤدي منظومة المعتقدات لدى المريض إلى السلوك الذي يتبعه، لذا، فإن نزع الطبقات سعيًا لفهم الأسباب وراء سلوكنا يُعد مضيعة للوقت.

بدلًا من ذلك، ومن خلال الواجبات والتدريبات، يقوم المرضى بالهجوم على الأعراض -أي منظومة المعتقدات لديهم- بشكلٍ مباشرٍ، (وقد أرتني صديقةٌ لجأت للعلاج المعرفي السلوكي صفحةً من ملاحظاتها التي دونتها خلال إحدى الجلسات، حيث تقول فيها: “التنفيس الانفعالي والبصيرة والتفسير النفسي لا طائل منهم”، وبدلًا من ذلك: “عدادٌ معصميّ: انقر في كل مرة يأتيك خاطر سلبي“). وأخبرتني محرِّرةٌ في مجلةٍ من مجلات علم النفس أن المنهج العلاجي قد عمل على دحض التحليل النفسي، فقالت: “لم يعد أحد يصدق هذا الكلام”. وشرحَ صديقٌ في مدرسة علم النفس الكلينيكي أن العلاج المعرفي السلوكي قد أثبت فعاليته في الدراسات “دون إهانة”، بينما أطلق البعض الآخر ببساطة على التحليل النفسي بأنه “متساهل“.

وفي هذه الأثناء، كنت أمر بأكثر التجارب إرضاءً على المستويين العاطفي والفكري في حياتي، أصابني الهوس، فأمضيت الكثير من الوقت الذي لم أكن فيه بصحبة المحللة الخاصة بي في التفكير فيما قد استكشفناه معًا. (وكذلك الحديث عن الأمر، فقد كان أصدقائي أبطالًا). كنت أشعر وكأنني قد عشت حياتي كلها على أحد المستويات، وأنني كنت الآن قد عثرت على مستوى آخر تمامًا، وهو مستوى يتمتع فيه طرح الأسئلة والتفسيرات بأهميةٍ أكبر من الحصول على إجابات، وهو مستوى حيث تتمتع فيه التواردات بمعنى أكبر عن الحقائق، وحيث كانت الحياة جاهزة لتحليلها وكأنها نص مكتوب، أو ربما أنّني كنت أحاول جاهدةً أن أكبت نزعتي إلى سبر الأغوار دون هوادة، ولكن عندما كنت في ذات الغرفة مع المحللة النفسية، تتكشّف بشكلٍ كاملٍ.

شرعتُ أقرأ كتابات فرويد وغيرها من كتب التحليل النفسي، والتي ساعدتني في فَهم مبادئ نظرية التحليل النفسي فكريًا، بالإضافة إلى فهمها تجريبيًا؛ ألا وهي أننا نعمل على كبت صراعات ورغبات بعينها، لكنّها -من موقعها الجديد في اللاوعي- تستمر في التأثير على تفكيرنا وسلوكنا. ومن وظائف التحليل النفسي أنّه يُخرِج ما في اللاوعي إلى الوعي، حتى يتمكّن المرضى من الوصول إلى سُبُلٍ جديدة وأكثر صحية للتفاعل مع ذواتهم ومع ممّن حولهم.

إن العلاقة بين المريض والمحلل علاقة مفتاحية؛ حيث يكشف المحلّلون القدر الأقل عن أنفسهم، فيتحولون إلى شاشة يسهل للمريض أن يطلق علاقاته السابقة عليها فيما يعرف بعملية “النقل“. ومن خلال هذا السلوك الارتدادي، الذي يقوم الفضاء الآمن للعيادة بتمكينه، ويساعده منهج المحلل المحايد والفضولي وغير الموجه، يبدأ ذلك الهراء المدفون في اللاوعي منذ زمن بعيد -والذي تم كبته أحيانًا من خلال دفاعات واهنة- في الصعود إلى السطح، ليتمكّنا المريض والمحلل من غربلته معًا.

عندما شرعت عام 2016م في كتابة أولى رواياتي بعنوان “هيستيريا“، كنت قد أمضيت وقتًا طويلًا أخضع للتحليل النفسي الذي أثار فضولي، ولم أكن خبيرة على الإطلاق، فقد كانت قراءاتي وأبحاثي مشتّتة ومتفرِّقة، لكنني شعرت أنني قد انغمست في تجربة التحليل النفسي ونظرياته انغماسًا، حتى أنّني لم أعد قادرة من بعده أن أرى العالم من أي منظور آخر، وعلى كل الأحوال، لم يكن لي رغبة في ذلك. فقد حاولت أن أتفهم السبب وراء انصراف الكثير من الناس عن التحليل النفسي، بينما كان من منظوري أنا الشخصي يساعدني جليًا على التحول والتبدل.

لا شك أن جزء من الأمر كان يرجع للتكاليف؛ فالتحليل النفسي الكامل يمثل تكلفة هائلة للغالبية من الناس، حتى مع وجود عيادات مخفّضة السعر التي قد تجعله في متناول يد الكثيرين (وبعد مرور عقد من الزمن، عدت إلى جلستين في الأسبوع نظرًا لأسباب مالية). كما أن الأمور على الصعيد العالمي أمست مخيفة بشكل متزايد، لذا تبدو الرغبة في السيطرة، أو في الشعور بالسيطرة، أمر طبيعي، وهو الأمر الذي يتأتّى من مقاربةٍ مدفوعة بالحصول على نتائج مثل العلاج المعرفي السلوكي بشكلٍ أكثر سرعة وسهولة.

وأيًا كانت الأسباب الدفينة، فقد وجدت أن في التقليص من قيمة معرفة الذات ميزة في حد ذاتها مقارنة بالفعالية “القابلة للإثبات” باعتبارها أمر ضار (وكأن البشرَ روبوتات)، ويعد هذا عرض من الأعراض الإشكالية التي ينبغي استكشافها، لذا سعيت في روايتي إلى سبر أغوار هذا التحول. وهل هناك سبيل أفضل من بطلة رواية تخصَّصَ والداها في مجال العلاج المعرفي السلوكي، والتي تقتنع -في عملية تمرد لا واعية- أن عامل البار في بروكلين الذي يقوم على خدمتها إنما هو سيجموند فرويد شخصيًا.

إن الراوية في رواية “هيستيريا” فتاة في أوائل العشرينيّات من عمرها، ترعرعت على يد والديها المصابَيْن بالهوس بالجوانب السطحية للأشياء، ويهتمان أيما اهتمام بالمظهر. فوالدها، على وجه الخصوص، شخص متسلط، ومهووس، ومنفصل عن حياة ابنته الانفعالية (ويَدّعي -كما ادعى رائد العلاج المعرفي السلوكي ألبرت إليس- أن العصابية إنما اسم أطلقه عِليةُ القومِ على البكاء والأنين). فقد كنت أسعى إلى كتابة دراسة حالة عن الرغبة الأوديبية، وكيف أن أوجه عدم التطابق بين الآباء والأطفال أثناء مرحلة الطفولة، والتي قد تبدو بسيطة، قد تتطور إلى اختلالٍ وظيفيّ في مرحلة النضج.

إن تركيز والدَي الراوية على الأعراض لم يساعد في شيءٍ على تقويض نزعتها إلى تدمير الذات وجَلدها، أو علاقاتها القهرية بالجنس والكحوليات، أو قدرتها الضعيفة على التمسُّك بالواقع، فيظهر “فرويد” في البار ترياقًا للعالم الذي كانت تحيا فيه، وثمرةً لاضطرابها النفسي واحتياجاتها للتواصل والارتباط التي لم يتم إشباعها. أردتُ من خلال الكتابة أن يوضِّحَ وجوده أن الكثير من إسقاطاتنا على الآخرين قد تكون من القوّة، فلا نشعر فقط أنها واقعية، ولكنها أيضًا تتحوَّل إلى حدٍ ما إلى كونها واقعًا.

ومع الكتابة، عدتُ إلى الغوص في قراءاتي عن فرويد (كما قرأت الكثير عن العلاج المعرفي السلوكي أيضًا)، وقرأت المزيد من أعمال فرويد، كما لجأت إلى السِيَر الذاتية التي كتبها بيتر جاي وجويل وايتبوك عنه. كانت لشخصية فرويد العديد من الأوجه البغيضة؛ فقد كان أحيانًا زوجًا مستبدًا، وكان مدمنًا للكوكايين، وكما تقول وايتبوك في كتابها “فرويد: سيرة فكرية” أن دفاعاته النفسية الخاصة وضعت قيودًا على نظرياته؛ فاستجابةً للسنوات الأولى الصادمة من حياته، حيث توفّى شقيقه الأصغر، وعانت والدته من الاكتئاب ممّا أدى إلى غيابها عاطفيًا، بل وربما جسديًا، كلّ ذلك أدى بفرويد إلى تصوير والدته بالمثالية، حمايةً لنفسه من الواقع الأليم لعلاقتهما. وكان من النتائج الطبيعية -وإن كانت مؤسفة- لهذه الآلية الوقائية، أنه بشكل عام تهرَّب أيضًا من خبرات النساء في نظرياته. فتوضح وايتبوك أنه نمّى لدى فرويد، في حياته كما في أعماله، شخصية جامدة، ومهووسة، ومتمركزة على الفالوس، فتؤوله إلى الاستقلالية والاكتفاء الذاتي (يبدو مشابهًا لوالد بطلة الرواية، أليس كذلك؟). ولكن، كما ترى وايتبوك أيضًا، فإن هذه الدفاعات هي التي ولَّدت عبقرية فرويد وإنتاجيته الفريدة، وإن كانت معيبة، وهي التي مكنت بقاءه.

وتكتب وايتبوك قائلةً: “لعل فرويد، مثلنا جميعًا، قد تشكل مما يطلق عليه الفيلسوف كانت “الخشب الأعوج للإنسانية”، والذي لم يتم “صنع أي شيء مستقيم منه”، ولا يمثل هذا إحراجًا يجب كبته، بل أن أعجوبة إنجازاته في الحقيقة تتناسب طرديًا مع إعوجاج الخشب“.

لذا، فقد يكون من الحماقة أن نقول أن فرويد أو نظرياته تتجاوز النقد، إلا أن هذا غير ضروري أيضًا؛ فقد جاء الكثير من المحللين النفسيين من بعد فرويد، وعملوا على البناء على نظرياته ومراجعتها، بما في ذلك محاولات تفهُّم الدور الذي تلعبه ديناميات الأمومة (بل أن فرويد نفسه راجع نظرياته عبر عقود من كتاباته). أما بالنسبة لي، فإن الأمر لا يتعلق بإخفاقات فرويد، وإنما بتلك الهبة الرائعة التي منحنا إياها، فأعاد تصوّر عقولنا باعتبارها غامضة ومظلمة بالقدر الأكبر لنا، فهي شديدة التعقيد والمراوغة، تتطلب سبرًا وتنقيبًا عميقًا ومثابِرًا حتى يتسنّى لنا شيء من الفهم.

تشارك شخصية فرويد في روايتي بعض خصائص الرجل: ماديته الجسدية، وانتماءاته، وعشقه للشاعر جوته، وعناصر من فلسفته وشخصيته، وبعض عباراته وتعبيراته. ولكن في نهاية المطاف، لم يكن الهدف أن يمثل فرويد بأي شكل حرفي؛ وإنما يمثل ظهوره شكلًا من أشكال تحقيق الأحلام. لذا فقد تتساءل، هل تتحقق بوجوده أحلام الراوية أم أحلامي أنا؟

(٭ نقلًا عن المحطة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق