سياسة

توطين العلمانية

د. حيدر إبراهيم علي

يقول حديث شريف: “أخشى ما أخشى على أمتي من عالم يقتلها بعلمه” في بعض الاحيان يمكن أن يكون العلم _ رغم جلاله _ أداة للضلال والتضليل وليس للوعي والاستنارة، حين يكون علما مغرضا ويوظف للتجهيل والتخلف والفتنة.

كتب الامام الصادق المهدي مقالا هذا الاسبوع بعنوان “يسألونك عن العلمانية” وهو صاحب كتاب سابق “يسألونك عن المهدية” وهو هنا ينصب نفسه مرجعية يتوجه لها الناس ليجلي غموض مفاهيم وأفكار معينة. وهذه مسؤولية علمية وأخلاقية تفرض قدرا كبير من الموضوعية والتجرد والامانة التي عجزت عن حملها الجبال وادعي الانسان قدرته على حملها.

تتطلب هذه المسؤولية شروطا ضرورية لضمان صحة ومصداقية المنتوج الفكري الذي تولى المرء الالتزام لتوصيله للمتلقين.. من الشروط الدقة في تعريف المفهوم بحيث يأتي تعريفا جامعا مانعا لا يأتيه الباطل من أي جهة، اتباع خطوات المنهج العلمي وإعمال العقل، فأي باحث أو مفكر حقيقي وصادق يحرص على تعريف المفاهيم والمصطلحات بدقة لأنه سيبني عليها كل التحليلات والتنظيرات التي سيقوم بتقديمها للقارئ. ولكن السيد الامام يتعمد عدم التعريف الدقيق لكي يتمكن من توظيف التعريف الخاطئ لاغراض سياسية وغير نبيلة ولا تتفق مع نزاهة الفكر وموضوعيته. وهو يتعمد الخلط يبن وصف المفهوم وتعريفه فهو يصف المفهوم بطريقة هجائية سلبيه ثم ينطلق في التحليل. ومن ابجديات المنهج العلمي التفريق بين الوصف (Description) وبين التعريف ( definition) وهو يدرك ذلك بداهة ولكن الغرض يعميه عن ضرورة التمييز .

الصادق المهدي يعرف العلمانية بأنها طرد الدين من الحياة ويستخدم سحر اللغة فكلمة طرد قوية وعاطفية للغاية وكان بإمكانه أن يقول إبعاد الدين عن الحياة العامة.

عقدة الامام أنه يريد أن يتحول من زعيم حزب طائفي إلى مفكر عصري. وهنا تكمن المأساة: إذ يجلس بين مقعدين. مقعد الزعيم الطائفي ومقعد المفكر، ولا يرتكز على أي أسس ثابته بل يتأرجح بين الموضعين. وهنا نواجه بخلط آخر وهو اعتبار الكلام الكثير دليلا على أفكار كثيرة. ولكن هناك كلام لا ينتج أفكارا جديدة. وأحيانا تقرأ عشرات الصفحات ولا تخرج بفكرة جديدة فكأنك تبحث عن حبة قمح واحدة في كومة من العيش أو تل من التبن.

تختلف العلمانية مثل كل الأفكار الانسانية باختلاف الزمان والمكان، فهي بالتأكيد نسبية تماما وليست مطلقة ولا جوهرا ثابتا.  لذلك علمانية الثورة الفرنسية تختلف عن علمانية ماكرون وحتى في الحاضر علمانيات أمريكا وبريطانيا وتركيا وسويسرا مختلفة تماما عن بعضها وعلمانية أتاتورك غير علمانية أردوغان.

يستحيل طرد الدين من الحياة العامة لأن الدين ببساطة هو بحث عن المعني في هذا الكون والحياة، وبحث في النظام، وهو فلسفة وليس، مجرد شعائر وطقوس ميتة. وحتى في السياسة أي حديث عن التعددية وقبول الاخر لا يرفض قيام أحزاب متأثرة بأفكار دينية لذلك نجد الحزب المسيحي الديمقراطي في ألمانيا مثلا أو الحزب الاشتراكي المسيحي في إيطاليا.

وهذا يقودني إلى تطور مهم في الفكر الديني والعلماني ولا أدري هل يتابع الإمام هذه الاتجاهات الحديثة أم يخشى أن تفقد عليه امتلاك الحقيقة المطلقة والنهائية التي تقول بطرد الدين والتي تتعمد بلا حسن نية الربط بين الالحاد وبين العلمانية رغم وجود مفهومين مستقلين. هناك اتجاهات” الما بعدية” ما بعد الحداثة وما بعد الأيدلوجيا وايضا ما بعد العلمانية وهذا اتجاه ينتقد العلمانية الكلاسيكية ويرى أنها الان تقبل بعض الدين في نظريتها بشرط ألا يتم استغلاله وتوظيفه في التخلف وتزييف الوعي. كما أن الدين قد تعلمن لحد بعيد وتقبل اللاهوت توجهات علمانية بلا تناقض.

بالإضافة لتعتيم المفاهيم يعمل الإمام على تقسيم التاريخ أو تفسيره حسب الاغراض. فهو يكرر أن العلمانية جاءت ضد الكنيسة وليس في الاسلام كنيسة، وهذا ليس صحيحا تاريخيا فقد دخل الناس أفواجا في المسيحية وخضعوا للكنيسة والبابوات ولكن حين وقفت مع الإقطاع ضد العلم انقلب الناس عليها.

حقيقة ليس في الاسلام فاتكان وبابوات بهذا الاسم ولكن هناك مؤسسات وأشخاص يقومون بنفس مهمة التضليل واستغلال الدين في السياسة وفي الوقوف ضد العلم والتحديث لذلك لابد من فصل الدين عن السياسة وأن يكون شأنا خاصا بين الانسان وربه ولا يعمل الدين على وقف الحياة والتقدم والابداع الانساني.

ومن مظاهر عدم الدقة الفكرية والمنهجية أن السيد الإمام الصادق يتعامل مع العلمانية كشيء واحد صمد بينما تختلف العلمانية التي نعبر عنها على عدة مستويات فكرية.

فهناك المستوي السياسي حين تكون العلمانية أيدلوجيا. ومستوى اخر هو العلمانية كفلسفة وفي هذه الحالة تشتبك مع الدين وتحاوره سلبا وايجابا، وهناك العلمنة وهي سيرورة اجتماعية خاصة بالسلوك والممارسة ونمط الحياة السائدة وهنا يتداخل الدين والعلمانية دون صراع ويحدث تفاعل وتثاقف سلس كما حدث في تكيف الإسلام مع المعتقدات المحلية الافريقية واستوعبها كجزء من الدين الشعبي الغالب.

وانطلاقا مما تقدم تبرز ضرورة توطين العلمانية بمعني أن تكون هناك علمانية سودانية وهي في جوهرها تمثل ببساطة حل مشكلة الحكم المزمنة في السودان وتعمل على قيام دولة مدنية وليست دينية (ثيوقراطية) ترتكز علي حق المواطنة وحقوق الانسان والعيش المشترك والمساوة في قسمة الثروة والغاء المظلومية القائمة على امتيازات ذات طابع عقائدي او مذهبي.

ولاحظت في التعليقات على مقال الإمام أن الكثيرين يرفضون العلمانية لأنهم يريدون الشريعة. أنا ادعوا للعلمانية ولكن لا مانع لو قدم لي الإمام الصادق والمعارضون اجتهادا في فهم الشريعة يسمح بحقوق كاملة لغير المسلمين في دولتهم المنشودة.

أثناء مناقشات اللجنة الفنية للدستور 1968م سأل الاب فيليب غبوش: هل يمكن لغير المسلم أن يترشح للرئاسة؟ وحاول الترابي التهرب من الاجابة وظل يردد بان غير المسلمين لهم الحق الكامل في الانتخاب ولكن الاب حاصره قائلا: انا لا اتحدث عن الانتخاب بل حق الترشح أريد اجابة قاطعة بكلمة واحده؟ هنا قال الترابي: لا وكانت هذه اخر جلسة للجنة وسقط مشروع الدستور الاسلامي.

في تفسير العلمانية السودانية: هي ليست مطابقة للإلحاد أو اللادينية بل هي إبعاد الدين عن ميادين الصراع السياسي. وأن تكون الدولة محايدة في قضية الدين وألا تنحاز أجهزة الدولة إلى جانب أي دين أو مذهب وتقوم بدعمه ماليا أو بامتيازات مصدرها رسمي. وهنا وجوب التفرقة بين الخاص والعام فالدين شأن خاص. يمكن للأديان ان تعمل كمؤسسات خاصة تشكل أحزابها ومنظمات المجتمع المدني دون أن تظهر الدولة انحيازا.

كل هذا النقاش يمكن للإمام الصادق أن ينسفه لو أقحم أسطورة” الرؤيا المنامية” في الحوار وبالتالي ينقلنا الي عوالم فكرية أخري ليست لدينا القدرة على مجاراة الامام واهلها، ولكن الإمام يصل إلي محطته النهائية اليقينية المعرفية بعيدا عن العقلانية وقصور العقل البشري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق