ثقافة وفن

لمحة عن حياة الرحالة الفرنسي بيير لوتي

بيير جوليان فيّو الملقب بيير لوتي (1850 – 1923)، كاتب ورحالة ومستكشف فرنسي، عمل ضابطاً في البحرية وشارك في حملات كثيرة في السنغال وفي المحيط الهادئ، كما كان ضمن الكتيبة التي أُرسلت إلى الشرق الأقصى عام 1900. بعد ترقيته إلى مناصب كبيرة تقاعد في عام 1910، ثم عاد إلى الخدمة في أثناء الحرب العالمية الأولى، واتخذ الكاتب اسمه المستعار الأدبي «لوتي» من زهرة تنمو في مناطق المحيط الهادئ، كان لوتي يحب الفنون، يعزف الموسيقى ويرسم ويكتب مذكراته دائماً. ومن حياته استمد أحداث رواياته في عالم ساحر وغريب. زار لوتي المغرب في 1889 انطلاقاً من مدينة طنجة ليتوغل بعد ذلك في البادية المغربية، وصولاً إلى مدينة فاس ثم العودة بعد ذلك إلى مدينة طنجة وأعجب بالآثار المغربية واستلهم أفكاره من الصحراء. أثناء تلك الرحلة ألف كتابه «في المغرب»، وهو عبارة عن كتاب رحلة، حسب ما يقول مترجم الكتاب بأنه يتوفر على قيمة في غاية الأهمية، مع بساطة الألفاظ، والنكهة الغرائبية التي تحتفي بألوان البلد وأصواته. عُرف عن بيير لوتي ولعه بالحياة العربية، حتى إنه صنع ديكورات بيته على الطراز المغربي، ووجد في المغرب بلداً ساحراً يجذب الزائرين، ونبذ الحياة في أوروبا، وانغمس في حياة المغاربة والأتراك قبل أن يغادر تركيا إلى المغرب، ثم أصبح لوتي جامعاً متحمساً للحيوانات والتحف المكتسبة في رحلاته. سرعان ما استحوذت هداياه التذكارية على جزء كبير من منزل العائلة في روشفور، على الساحل الأطلسي لفرنسا. في عام 1895، اشترى المنزل المجاور، وتناثرت مجموعته فيه، ركضت العناصر على طول الطريق من سلحفاة كان قد التقطها في رحلته الأولى إلى الجزائر العاصمة، إلى شاهد قبر مفترض لبطلة روايته الأولى «آزيادي».

ماتت السلحفاة ودُفنت منذ فترة طويلة، لكن شاهد القبر ما يزال معروضاً إلى اليوم في منزل لوتي الذي اشترته بلدية روشفور في 1969 وحولته إلى متحف. الهيكل المكون من ثلاثة طوابق – متواضع في الخارج، ولكنه متألق في الداخل مع أمثلة على العمارة الإسلامية والفن والحرفية التي أعجب بها لوتي كثيراً وتم جمعها بشكل كبير – موجود في 141 شارع بيير لوتي. يضم المتحف مجموعة من الغرف صممها لوتي والتي تعكس مفروشاته سحره الرومانسي بالعالم الإسلامي: الصالون، بسقف من خشب الأرز المنحوت بدقة تذكر بقصر الحمراء في جنوب إسبانيا، الغرفة العربية، وتتميز بنوافذ ذات تصميم عربي وبلاط تركي من القرن السابع عشر، وما يسمى بالمسجد.  وهذا الأخير، في الواقع، هو إعادة بناء جزء من مسجد دمرته النيران في دمشق والذي اشتراه لوتي عام 1894 عندما كانت السلطات على وشك هدمه. أحضر أحجاره إلى روشفور، مع فريق من العمال السوريين الذين أعادوا بناءه في غرفة بالطابق الثاني وأعيد تصميمه من جديد. كان يشتري المقتنيات الشرقية ليضعها في منزله، حتى إن ديكورات منزله كانت مغربية، وشيد في بيته الغرقة العربية التي تحتوي على سجاجيد ووسائد شرقية وأدوات حربية ونارجيلات جمعها في أسفاره. ورتب في خزانته أزياء راقية ومطرزة مثل البرنوس والقفطان والكيمونو والساري. تميزت رحلته إلى المغرب بالانطباعات الشخصية العفوية، وهو يجول في أزقتها ودروبها، ويستمتع بشمسها ومناخها الطيب. شرح كل ذلك في كتابه «في المغرب» الذي صدرت طبعته الأولى متسلسلاً في إحدى المجلّات الفرنسية في 1890. كانت رحلته إلى المغرب أثناء فترة شهدت زيارة البعثات الأوروبية البلاط السلطاني بفاس ومراكش من أجل حل المشاكل بين المغرب وجيرانه الغربيين، فرنسا، وإسبانيا، والبرتغال، وإنجلترا. اعتاد لوتي أن يلتقي مع البدو تحت سماء من النجوم والكواكب، وأشاد بالنساء البدويات المغربيات المتواريات تحت شبكة من المحار والفضة على حد تعبيره، هذا هو بيير لوتي أديباً أبدع الكثير من الروايات، بالشرق الغرائبي كثيراً لأنه يتوافق مع عوالمه الأدبية الغرائبية، مثل روايته «آزيادي» عن قصة بطله البحار الوسيم «عارف أفندي»، الذي أحب فتاة تركية مسلمة ثم فقدها، وهي الرواية التي استوحاها من تجربته الخاصة في عشق امرأة شركسية. وببراعة استطاع الكاتب أن يمازج في روايته الأولى بين عناصر السيرة الذاتية والعناصر المتخيّلة داخل حبكة روائية. كما كتب روايات أخرى مثل «راراهو»، و«رواية فارس»، و«شقيقي إيڤ». أثناء عودته من إحدى البلاد في عام 1876 أصبح بيير لوتي مذهولاً بالإسلام كما قال، ولعله واجه الصعوبات الكثيرة في رحلته.. وبوصف مثير لكل تلك العوائق من ظروف طبيعية قاهرة، سجل الرحالة والروائي والمستكشف الفرنسي الرومانسي بيير لوتي أثناء سفره إلى مدينتي فاس ومكناس في قلب المغرب، قبل أكثر من مئة عام، عوالم ظلت في ذاكرته حتى نهاية حياته. كان لوتي في التاسعة والثلاثين من عمره عندما شارك في مهمة فرنسية في أبريل ومايو عام 1889، وبدعوة من السفير المعين جول باتينوتر لتسجيل وقائع الرحلة، فعل لوتي في الواقع أكثر من ذلك بكثير عندما كتب مأثرته «في المغرب».  كان لوتي بالفعل كاتباً ذائع الصيت – سيتم انتخابه لعضوية الأكاديمية الفرنسية المرموقة في عام 1891 – حيث كان مراقباً فريداً لوصف كل ما يراه. كتب أن المغرب الذي اكتشفه كان «لا قطارات ولا سيارات ولا طرق» فيه، بل كان مغرباً يأمل أن يظل بعيداً عن كل هذه التطورات الحديثة. وجد لوتي لأول مرة تقارباً مع العالم الإسلامي في رحلة إلى الجزائر، عندما كان ضابطاً في البحرية الفرنسية في 1869. واعترف بأن لديه دائماً الشعور بأن «روحه نصف عربية». كان قد كتب تسعة كتب بحلول الوقت الذي دخل فيه إلى المغرب، ثلاثة منها نشأت كلياً أو جزئياً من تجاربه في الأراضي الإسلامية في تركيا والسنغال والجزائر. وفي رحلته النهائية، عاد إلى منزله المتحف، وراح يمضي وقت فراغه في تلك الغرف التي زينها على الطريقة الشرقية، يتذكر ويكتب من وحي رحلاته وأهمها إلى المغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق