ثقافة وفن

عن “الواقع الأبدي”

عماد البليك

ماذا تعني “الواقعية”؟.. افهم ما هو الواقع كما نعيشه ونحسه.. ولكن لطفا.. ان الواقع بمعناه المفهوم لنا هو واقع الحواس والادراك المباشر .. لاننا صناديق بها هذه النوافذ الخمس في حين ان العالم خارج الصندوق متشكل من المرئي واللامرئي. والاشكال ان الصندوق يتعامل مع المدركات الحسية فقط عبر نوافذه. لهذا فالواقع الحقيقي لا يكون الا بتكامل الجانبين المرئي واللامرئي..

الاشكال ان الحواس دائما قاصرة عن إدراك ما وراء الواقع.. اي الجانب المكمل للواقع لهذا نصاب بالحزن والاحباط ونفقد معنى الحياة!

والانسان يتحرر أو يكون انسانا عندما يعرف كيف يفهم واقعه من خلال المرئي واللامرئي من خلال تدريب الصندوق على رؤية المناطق التي لا تراها النوافذ الخمس.. ان تطل على الجهات الغائبة.. قيل ان الحواس الخمس تعيق بل تمنع إدراك حقيقة ما يعرف بـ “الواقع الأبدي”.. وهو ذلك الفضاء الحقيقي الذي نعيش فيه.. انه معقد ومتشابك ولا يتضح إلا بالمعرفة وتكامل عميق بين الذات وما وراء المحسوسات.. تعميق الخيال والروح والانسانوية التي تسكنا..

يقولون ان الانسان يسكن عالما آخر غير حقيقته.. ان رحلة الحياة هي الاكتشاف الذي يمكنا من اختراق الحواجز لكي نصل إلى عالما الحقيقي.. واقعنا الآني محدود وضيق في حين أن “الواقع الأبدي” عميق وجميل وفيه السعادة، لا تعذبوا أنفسكم كثيرا وأخرجوا من صناديقكم.

ان التكيف الأولي لنا كمخلوقات يقوم على إدراك “الواقع الأبدي”. أي العالم الحقيقي الذي يجب أن نسكنه ونتعايش معه. وهذا واضح عند الطفل في لهثه الخاص لإدراك الاشياء بل التماهي معها بطريقة قد لا نفهمها “نحن الكبار”..

الاساس في نماء الانسان ووجوده في “الواقع” وتحرير نوافذه الخمس، هو إدراك طبيعي وفطري.. يولد معه. هو خاصية الطبيعة التي تمنحها له دون مقابل.. كما تمنحه كيف يتنفس أو يهضم الطعام أو يتبول.. أو تعلم قلبه كيف ينبض.

الاساس ان الفطري والطبيعي فينا اننا كاملين وعارفين ومدربين على التعايش مع “الواقع الابدي”.. لكننا ندخل عالم الواقع المحدد والضيق الذي ابتكره الكبار.. عالم الريبة والظنون والقسوة .. لتغلفنا الأنا وتقلق وجودنا..

ما هي الأنا؟ إنها باختصار ذلك الانكفاء على الداخل.. الاحساس بان الصندوق الذي نعيش فيه “بدننا” بما يحتويه من إدراك ومعلومات ومعارف وغيرها.. هو الحقيقة الكلية والكاملة.. لهذا نكابر ونمارس الادعاء والغرور ونفقد الطريق إلى الحكمة وفي النهاية نفقد علاقتنا السامية مع العالم الحقيقي..

“الواقع الأبدي” وبهذا بدلا من أن نكون بشرا انسانيين كما هي حقيقتنا الأولى ننحدر لنصبح مجرد صناديق متحركة ليس لها سوى وظائف بيولوجية بحتة..

ان ادراكنا الطبيعي والفطري هو الذي يجب علينا ان نرد له الاعتبار.. لكي نكون نحن.. بمعنى ان نعود إلى نظام التكيف الأولي لنا.

قال المتنبي:

“وَأخو الجَهالَةِ في الشّقاوَةِ يَنعَمُ”

وتلك هي حقيقة الأنا.. الانسان يظن أنه في عالم حقيقته لان الجهل حجاب.. يحرمك من الاختراق والتحرر من الصندوق الذي تسكنه..

إن الأنا يجب أن تكون خيّرة وعارفة وليست شريرة، ذلك لكي تنطلق بحرية نحو هدفها وتتماهي مع العالمين المرئي واللامرئي.. عالمي (الغيب والشهادة) كما يردا في التراث الديني. ولا يكون كمال الانسان الا بتكامل هذه العالمين..

فالواقع عند “الانسان” هو صورة التمازج بين هاتين الصورتين.. ما بين ما تراه وما لا تراه. لكن إذا كان الجهل قال الانسان لنفسه انه يرى كل شيء. لأنه يعيش أسير الصندوق.. بل فرح بحاله.. فـ “كل حزب بما لديهم فرحون”.. إن الفرح ليس دليل عافية في كل الأحوال.. وقد يكون علامة خطر..

قيل إن اللذة هي التي تمنحنا السعادة.. لذة كل شيء.. الأكل والنوم والشرب والجنس والسرور والبهجة التي نعيشها لاي سبب كان.. لكن اللذة التي خلقنا لأجلها.. لا تكون كاملة إلا بأن نعيشها في “الواقع الأبدي” وليس في عالم “الواقع المغلق”.. الذي ينتهي بالصندوق واليه.. وكلما درب الانسان نفسه على التحرر والانعتاق ومفارقة الثوابت وتكسير الحواجز.. استطاع أن يكتشف أن اللذة الكبرى هي التي لم يصلها بعد.. وأن الشقاء الحقيقي هو الجهالة..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق