سياسة

أحداث القدس: لماذا جاء التصعيد في هذا التوقيت …؟ وهل تقف المنطقة على حافة حرب إقليمية؟

عبد العالي الطاهري

عقب الأحداث التي تعيشها عاصمة فلسطين الأبدية،القدس المحتلة،للأسبوع الثاني على التوالي  ومعها قطاع غزة، جاءت العديد ن التحليلات من خبراء في العلوم السياسية والعلاقات الدولية لتطرح العديد من القراءات لما يجري في البقعة الأكثر توترا في منطقة الشرق الأوسط، كما   علّقت العديد من الصحف العربية على المواجهات الجارية في الأراضي الفلسطينية وقطاع غزة على خلفية أحداث العنف التي تجري في حي الشيخ جراح بالقدس الشرقية واقتحام القوات الإسرائيلية للمسجد الأقصى وقيام الفصائل الفلسطينية في غزة بقصف بلدات إسرائيلية بالصواريخ وقصف إسرائيل أهدافا في غزة بالطائرات، ما خلَّف العشرات من الشهداء، خاصة في صفوف الأطفال والنساء، ومئات الجرحى من المدنيين.

إلى ذلك، حذَّر العديد من كبار الإعلاميين والكُتاب، من أن المنطقة تقف على حافة حرب إقليمية في ظل تبادل القصف بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية في غزة.

واعتبر آخرون أن “الانتفاضة” الحالية كشفت للدول العربية التي طبَّعت علاقاتها مع إسرائيل أنها “واهمة” وأن الأحداث الأخيرة عرّضت اتفاقات السلام مع إسرائيل إلى “الموت الحتمي”.

وفي المقابل، دافع كُتاب إماراتيون عن “الخطوة التاريخية” التي اتخذتها الإمارات بتوقيع معاهدة سلام مع إسرائيل وأن بلادهم لم تتخلَّ يوما عن القضية الفلسطينية وأنها أرادت “إرساء سلام حقيقي في المنطقة يعود ثماره على الجميع”.

«المقاومة الشعبية. الخطة القتالية العملياتية»

يقول عبد الباري عطوان، رئيس تحرير “رأي اليوم” الإلكترونية اللندنية، إن “فصائل المقاومة… باتت تتبنى خطة قتالية عملياتية جديدة عنوانها الرئيسي استخدام صواريخ ‘السجيل’ المزودة برؤوس متفجرة، ذات قدرة تدميرية عالية جدا، وبكثافة ضخمة، ومزودة بأجهزة تضليل متطوّرة، قادرة على تجاوز القبب الحديديّة والوصول إلى أهدافها بدقّةٍ مُتناهية”.

ويرى أن “المشهد الجديد ما زال في بداياته، والمُواجهة الكُبرى ربما باتت وشيكة، فنحن على أبواب انتفاضة مسلحة قد تستمر أشهرا، انتفاضة على غِرار الانتفاضة المسلحة الثانية، مع فارق أساسي أنها مدعومة بالصواريخ وليس بالحجارة والأسلحة الفردية فقط، وقد تفتح الأبواب أمام انتقالها، أي الصواريخ، من قطاع غزة إلى الضفة الغربيّة، وهُنا مقتل الدولة العبريّة الحقيقيّ وبَدء العدّ التنازليّ لنهايتها”.

وتقول جريدة “القدس” الفلسطينية: “المقدسيون الذين يواجهون شرطة قوات الاحتلال منذ بداية الشهر الفضيل، إنما يعيدون بذلك الاعتبار للمقاومة الشعبية التي تتغنى بها كافة الفصائل والقوى الفلسطينية، دون أن يتم تجسيد ذلك على أرض الواقع، فجاء المقدسيون ليقولوا كلمتهم بعد أن ملوا الانتظار من قياداتهم الذين لم يحركوا ساكنا ويتغنون بالأقوال وبيانات الشجب والاستنكار التي لا تنفع مع احتلال استيطاني غاشم”.

وتضيف الجريدة في إحدى افتتاحياتها: “المطلوب حاليا بعد ما قدمه ويقدمه المقدسيون الذين توحدوا في ساحات المواجهة مع قوات الاحتلال، أن تستفيد كافة القوى والفصائل وكذلك السلطة الفلسطينية من هذه التجربة عميقة الدلالات والعبر وتُجاوز مرحلة إلغاء الانتخابات، والعمل على وضع استراتيجية عمل موحدة عمادها المقاومة الشعبية التي هي السبيل المتاح حاليا لمواجهة غطرسة دولة الاحتلال وجرائمها بحق شعبنا وأرضنا ومقدساتنا ومنازلنا”.

ويرى عمر حلمي الغول في “الحياة الجديدة” الفلسطينية، أن “هبة القدس العظيمة… حملت دلالات وأبعادا سياسية وقانونية وكفاحية عدة، أهمها: أولا أكدت للقاصي والداني في العالم كله، أن القدس لأبنائها الفلسطينيين العرب، وهي عاصمة دولتهم الأبدية، وأن المساس بها وبهويتها وتاريخها ومستقبلها يهدد بعواقب غير محمودة، ولا يمكن إلاَّ أن تكون للشعب الفلسطيني”.

«مشاريع التطبيع. هل هي بداية النهاية؟»

وانتقد محمد سليم قلالة في “الشروق” الجزائرية الدول العربية التي طبّعت علاقتها مع إسرائيل، قائلا إنَّ أحداث القدس الأخيرة “كشفت للمُطَبِّعين المتحالفين مع مغتصب الأرض والعرض أنهم واهمون في مسعاهم، صغار في مواقفهم، غير قادرين على أن يصدحوا بكلمة حق لنصرة أقدس مقدسات شعوبهم”.

ويضيف: “إنه زمنُ بداية انتصار الشعب الفلسطيني على عدوه الغاشم وليس أبدا زمن الهزيمة والانكسار. لقد انتصرت قوة الموقف هذه المرة على موقف القوة في القدس الشريف، والأهم من ذلك كشفت محدودية ووهم مشروع المُطبِّعين”.

ويقول رشيد حسن في “الدستور” الأردنية: “إن روعة أهلنا الثائرين في القدس والأقصى… تتجلى في رفض الخطاب العربي- الإسلامي الرسمي القائم على التنديد والاستنكار فقط، ودعوتهم الصريحة للأشقاء بوقف التطبيع وقطع العلاقات مع العدو”.

ويرى أن “انتفاضة القدس المجيدة وضعت الدول العربية أمام مأزق خطير، ووضعت الأمة كلها أمام حقيقة الحقائق هي: إما الوقوف مع القدس والأقصى والحفاظ على هويتهما العربية- الإسلامية وإنقاذهما من التهويد، وإما الاستمرار في التطبيع وتصديق الرواية الصهيونية القائمة على الإفك والكذب والتزوير”.

ويضيف: “طريقان لا ثالث لهما، فإما أن نكون أو لا نكون”.

وفي الجريدة نفسها، يقول فارس الحباشنة: “المواجهات الأخيرة عرضت كل اتفاقيات السلام إلى الموت الحتمي وإعلان دفنها، وأسقطت وعرت كل محاولات ومشاريع التطبيع مع إسرائيل”.

«موقف الإمارات وحروب الشتائم»

وفي “البيان” الإماراتية، دافعت رئيسة التحرير منى بوسمرة عن موقف بلادها في توقيع معاهدة سلام مع إسرائيل.

وقالت: “ما تسعى إليه الإمارات من خلال معاهدة السلام مع إسرائيل، جاء في مسار واضح وجلي للجميع، يتطلع إلى إرساء سلام حقيقي في المنطقة تعود ثماره على الجميع، دولا وشعوبا، وفي مقدمتهم الشعب الفلسطيني الشقيق، الذي أوقفت المعاهدة، ضمن أولى نتائجها الإيجابية، مشروع ضم إسرائيل لأراضيه”.

وأضافت: “كانت الإمارات في خطوتها التاريخية هذه، تضع في أولويات رؤيتها ضمان فتح الطرق أمام استعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه كاملة غير منقوصة وفق ما نصت عليه الشرائع الدولية، وبما يحقق حل الدولتين، وينهي حالة الصراع الطويلة التي أنهكت المنطقة وشعوبها، وأخَّرت تنميتها وازدهارها”.

وقالت الكاتبة: “تدرك الإمارات أن العمل الجاد والمخلص وحده القادر على نصرة الحقوق العادلة، وأن استنفاد الطاقات في غير ذلك من الصراعات الجانبية وحروب الشتائم، لا تثمر إلا أسباب القطيعة والتفرقة، عربيا، وضياع الجهود، واستغلال معاناة الشعوب لحسابات ضيقة وأجندات مشبوهة”.

وأضافت أن هذا “هو ما تبتعد عنه الإمارات في نهج إيجابي يصبو إلى مواقف موحدة وواقعية لتحقيق الأهداف المنشودة في ترسيخ دعائم قوية لاستقرار المنطقة، تعود بنتائج وتأثيرات إيجابية لصالح الجميع في سلام دائم يعيد الحقوق إلى أصحابها وينهي حالة الصراع الطويلة التي دفعت المنطقة كلفتها باهظا».

التصعيد في القدس.. ضغط وإحراج لشركاء إسرائيل الجدد في المنطقة

التصعيد في القدس الشرقية، يشكل عبئا على علاقات إسرائيل بالعالم العربي وخاصة شركائها الجدد والساسة الذين يسعون للتطبيع وإقامة علاقات مع إسرائيل يتعرضون للضغط، فيما تستغل تركيا وإيران التوتر لتحقيق أهداف ومصالح إقليمية.

التوتر والتصعيد الأخير في القدس الشرقية أسعد أنقرة وطهران، فالاشتباكات التي أدت إلى مجابهة عسكرية مفتوحة بين إسرائيل وحركة حماس، يصب في مصلحة من يتربع على أعلى هرم السلطة في تركيا وإيران، أصحاب الشعارات الطنانة.

حين وقَّعت الإمارات في آب/ أغسطس الماضي ومن بعدها البحرين والسودان والمغرب، اتفاقيات «سلام» مع إسرائيل، تعرضت لانتقادات وإدانة بأشد العبارات من قبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران آية الله علي خامنئي، في حين التزمت معظم الدول العربية الصمت أو لم تقم بإدانة هذه الخطوة بشدة كما فعلت أنقرة وطهران التي وصفته «بالخيانة».

وبعد التطورات الأخيرة والاشتباكات في القدس، قال خامنئي، وحسب وكالة الأنباء الإيرانية “إنسا” إن أي عملية تطبيع مع إسرائيل هي “طعنة في ظهر الفلسطينيين”، في حين وصف المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، ما يحدث في تغريدة بـ “العدوان الإسرائيلي الذي لا ينتهي”. فمن خلال هكذا تصريحات يمكن الحصول على التأييد الشعبي في الشارع العربي. وفي هذا السياق تقول سينزيه بيانكو، الباحثة لدى معهد “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية” في سياسات دول الخليج، “ستحاول تركيا وإيران الحصول على رصيد سياسي مما يحدث، لمهاجمة خصومها الإقليميين الذين يتعاملون مع إسرائيل».

فرصة «سانحة» لتركيا وإيران!

ومن الواضح أن ما يحدث يخدم أهدفا أخرى: إذ يحاول أردوغان وخامنئي جعل بلديهما قوة إقليمية رائدة جديدة في الشرق الأوسط، ومن أجل ذلك يستغلان الوضع الراهن للسعودية الدولة السنية الأكثر أهمية في العالم العربي، والتي حسنت علاقاتها مع إسرائيل بتكتم ولكن بنجاح. وبهذا تفسح السعودية المجال لكل هؤلاء الذين يحاولون ترسيخ أنفسهم كقوى رائدة جديدة في المنطقة من خلال انتهاجهم سياسة معاكسة أي بمعارضة إسرائيل أو حتى معاداتها.

وهكذا يصبح الوضع أصعب بالنسبة للإمارات والدول الثلاث الأخرى التي تريد بعد عقود من العداء، إقامة علاقات والسلام مع إسرائيل والاستفادة من ذلك اقتصاديا أيضا. وتوضح ذلك كرستين مولر، سكرتيرة وزارة الخارجية سابقا وكبيرة الباحثين في الجمعية الألمانية للسياسات الخارجية، في حوار مع DW، بقولها “هناك الأمر يتعلق بمواضيع أخرى، مثل العلاقات الاقتصادية وبناء تحالف مشترك ضد إيران، فالاتفاق ليس له أي علاقة بالصراع الفلسطيني- الإسرائيلي”.

وبما أن العلاقات الجديدة مع إسرائيل لا تحظى بالتأييد لدى جزء من شعوب تلك الدول والدول العربية الأخرى، فقد حاول حكامها تبرير توقيعهم للاتفاقيات مع إسرائيل، بمحاولة نزع فتيل الصراع في الشرق الأوسط، وهكذا قال ولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بمناسبة توقيعه على اتفاقية التطبيع، إنه تحدث هاتفيا مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، واتفق معهما على وقف إسرائيل اقتطاع أجزاء جديدة من الأراضي الفلسطينية.

في المقابل صادف “يوم القدس” لهذه السنة، والذي تحتفل فيه إسرائيل بسيطرتها على القدس الشرقية في حرب حزيران عام 1967، هذه الأحداث المؤلمة وكان من الواضح أنه مناسبة لمزيد من التصعيد. والمشكلة الأساسية حسب كرستين مولر “أن منظمات المستوطنين الراديكالية تستغل هذا اليوم بتنظيم مسيرات احتجاجية تجوب الأحياء العربية في القدس الشرقية بهدف الاستفزاز، وقد تم التصعيد هذه المرة ويمكن أن يؤدي لاندلاع حريق».

الشركاء الجدد لإسرائيل في حرج!

وفي عواصم الدول الشريكة الجديدة لإسرائيل، ينبغي على المرء أن يدرك آثار التوتر الأخير، في ضوء المزاج العام المؤيد للفلسطينيين في تلك الدول أيضا والضغوط التي تتعرض لها حكوماتها بسبب ذلك، ويجب النظر بقلق ليس إلى التعليقات المعادية لإسرائيل في مواقع التواصل الاجتماعي، بل وإلى التعليقات في وسائل الإعلام الموجهة إلى العالم العربي بأسره، فمثلا كتبت صحيفة “العربي الجديد” التي يمولها قطريون، لقد “سقطت كل الأوهام” ووصفت بشكل غير مباشر كل “الذين يجعلون التطبيع مع العدو واجبا” بالخائن، وهذا الكلام موجه لهؤلاء الذين وقعوا اتفاقيات مع إسرائيل بدفع من ترامب إلى جانب إغراءات اقتصادية.

ولهذا سارعت هذه الدول إلى التحرك، حيث أدان وزير الخارجية الإماراتي اقتحام الشرطة الإسرائيلية للمسجد الأقصى، وطالب إسرائيل بوقف التصعيد، في حين وصف وزير الخارجية السوداني تصرف إسرائيل بالقمعي، كما أعرب المغرب عن قلقه “العميق” من التصعيد والعنف.

عواقب محتملة.. ومصالح إسرائيل في خطر

على الحكومة الإسرائيلية الآن تهدئة الوضع في القدس الشرقية، حسب رأي الباحثة السياسية، كرستين مولر، التي تقول إذا استمر التوتر ستتعرض مصالح إسرائيل للخطر ومنها “مساعي التطبيع مع العالم العربي”.

لكن ما مدى إمكانية انعكاس ذلك على إسرائيل ومصالحها؟ الخبيرة في العلاقات الدولية سينزيه بيانكو، تجيب على ذلك بأن مصالح الإمارات مع إسرائيل استراتيجية أكثر منها تكتيكية، و”يعني ذلك أنه ليس من المحتمل تراجع عملية التطبيع”. ولكن بيانكو ترى أنه وارد جدا تجميد المشاريع القائمة مادام التوتر شديدا، وهي تعني بذلك أن “الإمارات تبقى يقظة للوضع والمزاج العام في الشارع العربي، ولكنها لن تترك ذلك يملي عليها سياستها الإقليمية”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق