آراء

كوكاسيات

مأزق الديمقراطية الداخلية

عبد العزيز كوكاس

يبدو الحديث عن الديمقراطية داخل الأحزاب السياسية مبحثا جديدا وليد النصف الثاني من القرن الماضي حتى في الدول التي أرست تقاليد راسخة في المجال الديمقراطي، وتشير الباحثة البريطانية “بيبا نوريس” إلى أن الديمقراطية الداخلية للأحزاب لم تكن من أولويات المجتمع الدولي: “يمكن تفسير هذا الإهمال فيما يتعلق بالحياة الداخلية للأحزاب السياسية من خلال حقيقة أنه وفقًا للنظرية الليبرالية، تم الاعتراف بالأحزاب السياسية منذ فترة طويلة على أنها منظمات خاصة يجب أن يكون لها الحق في التنافس بحرية في السوق. والتحكم الذاتي في هياكلها وتنظيماتها الداخلية. ثم اعتُبر أي تشريع للدولة أو أي تدخل خارجي من قبل الهيئات الدولية ضارًا، لأنه يشوه أو يقضي على المنافسة داخل الأحزاب التعددية”.

هذا يعني أن مفهوم الديمقراطية الداخلية مفهوم حديث برغم قدم الظاهرة الحزبية فيها، وفي العالم العربي، تعكس كتابات رواد الحركة الوطنية وعيا متقدما بالتنظيم الداخلي للحزب، إلا أن بُعد الديمقراطية الداخلية كان أبعد ما يكون عن مجال اهتمامهم تنظيرا وممارسة، بحكم حداثة التنظيم الحزبي ذاته والسياق الثقافي والاجتماعي الذي ظهرت فيه الأحزاب السياسية، والظرف التاريخي المرتبط بقضية تحرير الوطن من يد المستعمر والصراع على السلطة في مرحلة الاستقلال..

إن الانشقاقات التي عرفتها الأحزاب السياسية تعكس خللا في التنظيم الديمقراطي للحزب السياسي العربي، وافتقاده إلى آليات تدبير الصراع والتنافس الداخلي وفق قواعد متواطئ عليها، مبنية على المشاركة والمواطنة الحزبية والحق في الانتخاب والتصويت والتمثيل والارتقاء في مناصب المسؤولية داخل الحزب أو خارجه على قدم المساواة ومشاركة النساء والشباب وضمان تمثيلية الجهات والأقليات في كافة أجهزة التنظيم الحزبي، وهي أمور ستبدأ في الظهور بشكل انفجاري منذ أواسط التسعينيات، مع سياق الانفتاح الديمقراطي العام وتطور الوعي المواطناتي..

يشير مفهوم “الديمقراطية الداخلية” إلى درجة مشاركة مختلف أعضاء الحزب السياسي في صناعة القرار وتداول السلطة، وتغذية التنافس الداخلي الذي يتيح لمختلف أطر الحزب الفرصة لتطوير قدراتهم وتجريب مهاراتهم، وتمكن الحزب من تقديم مرشحين أكثر كفاءة وإبداع برامج سياسية أرقى جودة، وبشكل أوسع تسمح قواعد الديمقراطية الداخلية في كسر احتكار القيادات لمناصب المسؤولية واستفرادها بصناعة القرار دون إشراك باقي أعضاء الحزب.

ما نفتقده في تنظيماتنا الحزبية العربية اليوم هو تصلب الشريان الحزبي وغياب الديمقراطية الداخلية التي تجعل القوانين هي الحكَم في جميع المنازعات من حيث ضبطها لآليات العمل الداخلي للحزب ومعايير الانتخاب للمناصب والمسؤوليات القيادية، بشكل يراعي تكافؤ الفرص والتمثيل النسوي والشبابي وتمثيل الأقليات ومختلف الجهات الترابية في مراكز قيادة الحزب، فالممارسة التنظيمية للحزب العربي لا تشيع قيم الاختلاف والتنوع والتعدد والتنافس الديمقراطي، وبهذا المعنى فإن الأحزاب العربية لا تغذي الثقة في قدرة الأعضاء على التصويت الحر وترسيخ قيم المشاركة في صياغة القرارات والمواقف وتساهم في استقلال القرار الحزبي، وهو ما ينعكس على غياب الديمقراطية الداخلية التي تسمح بتمتين علاقة العضو الحزبي بالمؤسسات التنظيمية للحزب بسبب إحساسه بامتلاك مواطنة حزبية غير منقوصة بغض النظر عن الجنس أو النوع أو الموقع الاجتماعي..

بعد عقود من استفراد الزعماء التاريخيين الأبديين بالقيادة عبر ترسيخ عقلية القطيع والانتخاب بالتصويت أو الرفع على الأكتاف، والترشيح الوحيد والتوافقات بين القياديين “الكبار” والكولسة وغياب القدرة على التنافس من خلال صناديق الاقتراع الشفافة والتصويت الحر، والميل إلى تأبيد الزعامات وخلق التوافقات الإقصائية ومناهضة الأصوات المغايرة وتزكية الإجماع… أخذ سؤال الديمقراطية الداخلية اليوم يطرح نفسه بإلحاح داخل وخارج التنظيمات الحزبية التي بدأت تتحرر تدريجيا مع إكراهات الشرعيات التاريخية والسياق الثقافي والاجتماعي الذي احتضن نشأة الأحزاب السياسية، وزاد من حدة هذا المطلب، تطور الوعي المجتمعي واتساع مساحات التعبير وتحرر الألسن وانتشار التعليم..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق