سياسة

السودان يُعبّد طريق الخروج من محنته بالإصلاح … فمتى يحين دور لبنان؟

خالد أبو شقرا

يُشكّل السودان المثال الحي الأقرب إلى الواقع، لما يمكن للإصلاحات أن تفعله بالدول المأزومة. العبَر التي يمكن استخلاصها من تدفّق المساعدات وشطب جزء من الديون وإعادة هيكلتها وعقد مؤتمرات الدعم كثيرة، أهمها أمران: لا إنقاذ من دون تغييرات سياسية واقتصادية جوهرية، وأن الخروج من المأزق ممكن أن يكون بفترة قياسية.

الفوارق بين لبنان ودولة السودان كثيرة أيضاً، فالأخيرة توصلت في حزيران 2020 إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي تعهدت بموجبه بإنجاز مجموعة من الإصلاحات خلال مهلة عام، مقابل وعد “الصندوق” بفتح أبواب التمويل والاستثمار الدوليين في القطاعات الإنتاجية والبنى التحتية، وخلق فرص العمل للمواطنين بمجرد اكتمالها. فيما فشل لبنان بعد 17 جلسة مع ممثلي “الصندوق” في الاتفاق على البديهيات، وعلقت الجلسات بعد آب 2020. ألغى السودان دعم الوقود، وخفض قيمة عملته، وأقر قانون مكافحة الفساد، في حين يستمر لبنان بدعم المحروقات بأكثر من 2 مليار دولار، يهرّب 35 في المئة منها إلى الخارج، وفقدت عملته أكثر من 80 في المئة من قيمتها، ولا يزال يتمسك بسعر صرف رسمي يبلغ 1515 ليرة مقابل الدولار، ولم يعين بعد الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد. بدأ السودان العمل على إصلاح بيئة الاستثمار، وأعد ونشر قوائم حصر لجميع الشركات المملوكة من الدولة، وتعهد بإصدار مراسيم ضمان الملكية وإجراء الرقابة الشفافة على جميع مؤسسات الدولة، فيما لبنان يعجز عن إصدار رقم موحد، وهناك استحالة في الوصول إلى المعلومات ولم ينجز قانون الشراء العام. عدل السودان قانون مصرفه المركزي لتكريس استقلاليته وإنشاء نظام مصرفي فعال يتماشى مع أولويات الدولة ومصلحة المواطنين برأسمال متكامل، ولبنان عاجز منذ أكثر من سنة عن المباشرة بالتدقيق الجنائي في “المركزي” رغم رفع السرية المصرفية. تعهدت حكومة السودان بدعم الأسر السودانية في المرحلة الانتقالية، فيما لبنان يتخبط في بطاقته التمويلية “التمويهية”، وعجزه عن تقديم العون لـ 800 ألف عائلة أصبحت بحاجة إلى المساعدة الفورية.

السودان يتوقع إسقاط ديون خارجية بقيمة 60 مليار دولار

السودان يسدد متأخرات البنك الدولي … ما هي الخطوة التالية؟

بالفعل، بدأت في اليومين الماضيين تتكشف في مؤتمر باريس نتائج إيفاء السودان بكل الشروط اللازمة للانضمام إلى “مبادرة دعم الدول المثقلة بالديون”. فشطبت فرنسا 5 مليارات دولار من ديونه، ومنحته قرضاً بـ 1.5 مليار دولار. وأعلنت السعودية عن منحة بقيمة 20 مليون دولار. وتعهدت ألمانيا بتقديم المزيد من المساعدات، بعدما كانت أعطت السودان في مؤتمر برلين العام 2020 ما يقارب 1.8 مليار دولار، مضافة إلى 1.15 مليار كانت قد منحتها الولايات المتحدة للسودان لتسوية ديونه. أمّا في لبنان فان “المسؤولين ما زالوا يضيعون الفرصة تلو الأخرى منذ باريس واحد في العام 2001، مروراً بمؤتمر سيدر في العام 2018، ووصولاً إلى تفويت فرص الاتفاق مع صندوق النقد الدولي”، يقول الخبير الاقتصادي د. أنيس أبو دياب. فـ”مشهدية الأمس في فرنسا تعيدنا إلى واقع لبنان قبل نحو 20 عاماً حين كان يعاني من عجز في ميزان المدفوعات، واحتياطي عملات أجنبية أقل من مليار دولار وغيرها الكثير من المؤشرات السلبية. وقتذاك تعهد لبنان بالإصلاح وأعاد “السمفونية” نفسها عند كل حاجة للمساعدة ولكنه لم يحقق شيئاً يذكر، وتحديداً في مجال الكهرباء”. وللأسف فان هذه السلطة السياسية تمعن بحسب أبو دياب “بنحر اللبنانيين لأنها لا ترغب بالإصلاح خوفاً على مواقعها. فالإصلاح يؤدي إلى تراجع الدويلة وتقوية الدولة، وهو ما ليس من مصلحة أحد من الطبقة الحاكمة”. وبرأي أبو دياب “لو باشر لبنان بالإصلاحات قبل 18 شهراً، لكنا بدأنا اليوم نخرج من الأزمة ونحقق نمواً اقتصاديا بين 2 و3 في المئة. وما يساعدنا ويميزنا عن بقية الدول التي تعاني من الأزمات، هو وجود طاقة اغترابية تحوّل ما لا يقل عن 7 مليارات دولار سنوياً إلى الداخل اللبناني”.

خلافاً لشكل الدين العام اللبناني الذي بمعظمه داخلي، يعتبر دين السودان البالغ حوالى 60 مليار دولار خارجياً بنسبة 100 في المئة”، يقول الخبير الاقتصادي فادي جواد. فنادي باريس يحمل 19 ملياراً، وتحمل الدول خارج هذا النادي، وفي مقدمها الكويت، ما يقارب 19 ملياراً (الكويت وحدها تحمل ديناً بقيمة 10 مليارات دولار على السودان) وهناك 4.9 مليارات كديون تجارية، و4.6 مليارات تحملها مؤسسات دولية. وعلى الرغم من أن معالجة الديون الخارجية تعتبر أصعب بكثير، وتتطلب شروطاً أقسى من معالجة الديون الداخلية كحالة لبنان، فان “ما حدث في السودان في الفترة القريبة الماضية هو صفقة سياسية برضى أميركي، أكثر منها اقتصادية”، برأي جواد. فـ”أخرج السودان من لائحة العقوبات، وأدخل عليه صندوق النقد والبنك الدوليين لمساعدته على الخروج من أزمته الاقتصادية وتذويب ديونه، تمهيداً للوصول إلى تحقيق إيرادات كبيرة والاستفادة من ثرواته ومواده الأولية. هذا التطور يأتي بعد صراع جيوسياسي على السودان لعبت فيه تركيا في الفترة الماضية دوراً أساسياً”. وبحسب جواد فان “الصوت السياسي هو المُرجِح دائماً في معالجة أزمات الدول الفقيرة ومنها لبنان. من هنا وعلى غرار السودان، فان قبول لبنان القرارات الدولية وموافقته على تسوية ملفات مهمة مثل النفط والغاز والصراع مع إسرائيل، والحياد تساعده على الخروج من أزمته، وتذلل العقبات فيما خص معالجة الدين وتوفير التمويل”.

التأثير الكبير للخروج من الملفات الاقليمية الضاغطة على الوضع الاقتصادي، لا ينفي ضرورة الإصلاح الداخلي. فهذان الخطان يجب ان يسيرا بشكل متوازٍ لكي يخرج لبنان من أزمته، والسودان يبقى خير دليل على ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق