خارج الحدود

صورة الإسلام في ألمانيا… رهاب الاِسلام “إسلاموفوبيا” (1)

مفاهيم متباينة وخيارات سياسية للتعامل

هاينر بيليفيلد   Heiner Bielefeldt

تقديم وعرض حامد فضل الله – برلين (أوراق ألمانية)

البحث الذي أستعرضه الآن، يحتوي في الأساس على 32 صفحة، بقلم البروفيسور هاينر بيليفيلد المدير السابق للمعهد الالماني لحقوق الاِنسان في برلين (2003 2009) ورئيس قسم حقوق الإنسان وسياسة حقوق الإنسان في جامعة إرلانجن- نورنبرغ، حاليا. لقد قمتُ بترجمة هذا البحث، بمشاركة فادية فضة، ونُشر على حلقتين في مجلة المستقبل العربي (أكتوبر 2008)، ومجلة إضافات، المجلة العربية لعلم الاجتماع (صيف وخريف 2008).

بسبب صعود التيار اليميني المتطرف خاصة “حزب البديل لألمانيا”، وتفاقم عدد اللاجئين بعد عام 2015 والتفرقة العنصرية والركود الاقتصادي نتيجة وباء الكورونا، وتأثيره على المهمشين وفي مقدمتهم اللاجئين وكذلك الشغب والعنف والتعدي على الشرطة، وعلى الأماكن العامة، وأماكن العبادة اليهودية، الذي صاحب المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين، بسبب الحرب الاِسرائيلية الوحشية، التي تحصد أرواح المواطنين العزل وغالبيتهم من النساء والأطفال في قطاع غزة ومناطق أخرى من فلسطين، فهي لا تخدم قضيتنا، بل تفقدنا احترام وتأييد كثرة من المتعاطفين مع قضية الشعب الفلسطيني العادلة، وتجعلنا في مصاف معاداة السامية، الذي يمارسه اليمين الألماني المتطرف. أن حق التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي علناً مكفول دستورياً ويمارس فعلياً. وكذلك بسبب الصورة السلبية للإسلام والمسلمين نتيجة للنشاطات الارهابية، التي تتم باسم الاِسلام، أقدم هذه المادة البحثية الهامة، بصورة مكثفة جدا، دون أن تخل، بالنقاط الأساسية. أن المجتمع الألماني ككل وخاصة المسلمين منهم، مطالبون بنقاش موضوعي وبتقديم إجابات عن الموضوعات الشائكة والتغلب على الصورة النمطية. والبحث يتضمن أفكارا عديدة، تميز بين النقد المشروع في مجتمع حر، وبين الأقوال المهينة التي تسعى إلى إقصاء الآخر.   

إلى بيليفيلد

I صورة الإسلام في ألمانيا

حول التعامل العلني مع الخوف من الإسلام 

تظهر استطلاعات الرأي من ألمانيا وجود تحفظ شديد تجاه الإسلام يسود غالبية السكان. وكما يبدو ازدادت وتيرته في السنوات الأخيرة بشكل واضح. ويبدو أن كثيراً من الناس يقرن الإسلام بالأصولية والميل إلى استخدام العنف واضطهاد المرأة. في نفس الوقت نجد أناساً كثيرين من خلفية أسرية إسلامية – وبغض النظر، عن التزامهم الديني أو عدمه- يشكون من التمييز والإقصاء الناجمين بشكل عام عن الصورة السلبية للإسلام… وتمثل نتائج استطلاعات الرأي هذه في حقيقتها تحدياً كبيراً أمام سياسة الاندماج.

إن البحث يتقصى أسباب عدم الارتياح المنتشر تجاه الإسلام ويذكر معايير للتعامل المناسب مع المخاوف القائمة. 

إن فهم أي مجتمع لذاته ينعكس بشكل عام في مسلماته وبكيفية تعامله مع الأقليات، وفي هذه الحالة مع الأقليات المسلمة، مما يضع وعي التنوير هنا على المحك أيضا. إذ أن المسألة تتعلق بالعمل على إبراز ثقافة الحوار المستهدي بالحرية وحقوق الإنسان وقطع الطريق عن تلك التصورات التي يتحجر فيها ادعاء التنوير ويتحول إلى الإقصاء ونوع من الاستقطاب الثقافي التصارعي.

•انتشار الارتياب من الاسلام 

هناك أسباب مركبة ومعقدة تقف خلف تصاعد التحفظ ضد المسلمين في السنوات الأخيرة: فعلى نطاق محلي تتشابك مشكلة بناء المساجد مع مشاعر الخوف من الدخيل الغريب، والتي غالباً ما تكون نتيجة للتحريض والاستغلال السياسي، وفي المناطق والأحياء المنهارة التي تعاني من ضغط اجتماعي بخاصة. إن مشاكل الاندماج داخل المدارس وفي الأحياء ومع الجيران وفي العمل، تفاقم من أسباب التحفظ الراهن إزاء الأشخاص من أصول مهاجرة. الريبة إزاء الإسلام موجودة بوجه عام في كل التيارات السياسية وبين مختلف أوساط المجتمع. وترتفع كذلك وتيرة التصريحات الرسمية للكنائس المسيحية عما كنا نشهده في السابق، بأخذها مواقف ناقدة للإسلام.  

II عناصر لحوار ثقافيّ تنويريّ 

ليس مفيداً ومن غير المعقول أو اللائق الحكم على التصريحات المتحفظة أو الناقدة، وكذلك المعبرة عن مخاوف تجاه الإسلام على أنها عموماً باطلة. فلا بد من التعامل مع التحفظات والمخاوف القائمة بعناية فائقة للتمكن من كشف أسبابها الكامنة وتجاوز التصورات والتوضيحات النمطية، والتصدي لما يراد من إساءات. ويطرح بيليفليد ثلاثة جوانب للتعامل المناسب مع رُهاب الاِسلام: 

(1) التخلي عن التوضيحات أحادية العلة وخاصة تلك التي تعالج عوامل ثقافية أو دينية فقط.

(2) التغلب على تصورات عن جوهر الإسلام مفصولة عن سياقها الزمني. 

(3) استيعاب التنوير على أنه جزء من عملية تعليمية مجتمعية شاملة لا تزال غير منجزة.

١) عن ضرورة تحليل تعقيدات الأسباب الكامنة. 

كون النقاش الحاصل حيال الاندماج في هذا البلد يتركز بشكل قوي على الإسلام، فهذا من ناحية أمر مفهوم، بسبب ما شهده المجتمع الألماني خلال العقود القليلة من تحولات عميقة جاءت مع المهاجرين وصارت ظاهرة للعيان، مثل ارتداء الحجاب أو بناء الجوامع والمآذن. إلا أن التركيز في مناقشة مواضيع الاندماج وحصرها بالإسلام فقط، يخفي في طياته خطر ترسيخ الأحكام المسبقة وبأن المشاكل المتنوعة للاندماج ومتطلباته لا بد وأنها تقع في المقام الأول على عاتق (الآخر) الغريب ديناً وثقافةً، بينما يتم في نفس الوقت إغفال دور العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

لا يمكن النظر إلى تمركز العائلات المهاجرة في أحياء معينة من برلين- نويكولن أو في دوزبورغ – ماركسلو وإلى مشاكل الاندماج في تلك الأحياء ومدارسها على أن هذه المشاكل نابعة من دين أو ثقافة (الآخر المختلف) أو بتفسيرها برغبة الآخر في الانغلاق الديني الثقافي وبناء مجتمع منعزل خاص به. في أغلب الظن لهذا علاقة بإيجار العقارات في تلك المناطق السكنية. 

ما يراد هنا قوله: إن الأخذ بالعوامل الاجتماعية والاقتصادية بعين الاعتبار، لا يعني إغفال العوامل الثقافية والدينية عند التطرق لكل نواحي المعضلات.

وهكذا فإن العيش في مجتمع عصري ليبرالي بإمكانه أن يؤدي من جانب إلى انفتاح في التركيبة العائلية لدى المهاجرين والمهاجرات – عندما يفسح المجال للفتيات والنساء لأخذ فرص التعليم المتاحة كمدخل للتحرر من نموذج الأدوار التقليدية المتوارثة. 

هذا ما ينطبق أيضاً على دراسة وتحليل الإرهاب الإسلاموي و دائرة مؤيديه.. إن أي توصيف منطقي للإرهاب الإسلامويّ وما يحيط به لا يمكن حصره في فقرات معينة مأخوذة من مصادر الإسلام. فلكي تكتمل الصورة لا بد من أخذ العوامل السياسية والاجتماعية في البلدان ذات الطابع الإسلامي بعين الاعتبار. ومن هذه العوامل: الخيبة التي نشأت بعد فشل سياسات التنمية الاقتصادية، والانطباع بأن الدول الغربية تنتهج سياسة مزدوجة المعايير في الشرق الأوسط؛ وكذلك انعدام الآمال لدى عدد كبير من الشباب. 

٢) تجاوز النظرة التعميمية إلى الإسلام 

إن من الخطأ الادعاء في النقاش المعلن بعدم وجود استعداد للنظر إلى الإسلام بحيادية. فمن ضرورة التفريق بين الإسلام والإسلاموية والإرهاب إلى وجوب عدم ربط الغالبية العظمى من المسلمين بالتطرف الديني أو بالإرهاب. 

عند متابعة النقاش الإعلامي بشأن الإسلام يخرج المرء حقاً بانطباع أن التمييز يحصل في الغالب بين المفاهيم مثل الإسلام، والإسلاموية والإرهاب.

 وبما أن الإسلام نفسه يُقرن في كثير من الأحيان في وسائل الإعلام بمواقف ضد الليبرالية وتطبيقاتها العملية، يصبح على الليبراليين المسلمات والمسلمين هنا أن يواجهوا دائماً، عدم الاعتراف بليبراليتهم أو التشكيك بمصداقية هويتهم الإسلامية. أن حياة المسلمين في ألمانيا لا تتحرك بالطبع ما بين قطبي الليبرالية والاصولية أيضاً. فهنا توجد – وبشكل أساسي لا يختلف عن واقع أغلبية الناس – حالة من التنوع في أنماط الحياة والمواقف في السياسة والمجتمع والدين.  فإلى جانب المسلمين الملتزمين هناك غير المتدينين من خلفية إسلامية، أو من تعتمد ممارستهم الدينية ومشاركتهم في الأعياد الدينية على ظروفهم الحياتية، وممارستهم هذه تهدف إلى تقوية اللحمة العائلية. أخيراً وليس آخراً: قد يتأرجح هذا المعيار- قل أو كثر – بعامل السن .

إن التنوع في الرؤى والمواقف الجوهرية وأنماط العيش ينسحب أيضاً على الجوانب التي جرى الحديث عن نماذج عنها مسبقاً. 

صورة الإسلام في ألمانيا متنوعة، وتياراته مختلفة، وكذا التنوع في المواقف وأنماط حياة المسلمين القاطنين فيها، وكذا، وقبل كل شيء، عن الحضور الإسلامي غير المحاط بالمشاكل في هذا المجتمع في معظم الحالات اليومية؛ إنها كلها تفتح الأعين على قناعة عادية، لكنها تمثل في نفس الوقت الشرط الأساسي لكل أشكال التنوير: القناعة التي ترى الناس كعناصر نشطة، وفيما يخص مواقفهم وممارساتهم الدينية أيضا. فالناس ليسوا فقط “أتباع” دين سمتهم الانقياد، بل يتغيرون ويتطورون في شخصيتهم الدينية وهوياتهم، سواء أكان هذا عبر صراع واع، أو – وهذا كثير الحصول- عبر ما يتعلمونه من تجارب الحياة اليومية.

•التنوير قضية تعليمية لا تنتهي

تعتبر ألمانيا نفسها بلداً قائماً على التنوير الداعم لثقافته العامة، ثقافة جدل حيوية، متنوعة الآراء والقناعات وأنماط الحياة، تسعى إلى التخلص التدريجي من بنية العائلة الأبوية، وهي دولة القانون والمؤسسات، وتعمل على مواجهة الماضي الديكتاتوري، والاشتراكية القومية (النازية) البربرية بخاصة. ولمثل مكتسبات التنوير هذه قيمتها، وكذا لصيانتها والدفاع عنها ضد نزعات التآكل الممكنة لأجزاء من المجتمع. ولا تتحقق إمكانية الدفاع عن التنوير إلا بذهنية التنوير مما يعني بالسعي الجاد من أجل التحليل الدقيق، في نقد التعميم النمطي وفي الاستعداد للجدل التواصليّ ومقارعة الحجة بالحجة. 

لا يمكن إغفال أن مفهوم التنوير في المساهمات الجدالية العديدة المتعلقة بالتعامل مع الأقليات المسلمة يأخذ دائماً بعداً حاداً لصراع عدواني ثقافي. وإن الإصرار على الدقة وتنوع الخطاب لا يجد هنا الاحترام الكافي. فمن يراعي الأصول المهنية – علمية أو صحفية – يسقط بسرعة في حلبة الشك بمواصلته التعلق بأوهام التنوع الثقافي المنصرم. ومع تزايد الاستقطاب في الجدال فإن الاستناد على التنوير كثيراً ما يخدم هدف فضح الحساسيات المكتسبة  في التعامل مع الأقليات الدينية – الثقافية على اعتبار أنها محظورات مزعومة لدى ما يعرف بالصواب السياسيّ، وتمهيد الطريق لاستدلال استفزازيّ فج لا يتورع عن التلاعب العلني بالمشاعر الدفينة. إن التنوير الذي يدعي دقة التحليل ويرى نفسه معفياً من الحرص على الأمانة المهنية، وفي التعامل المنصف مع الأقليات بخاصة، لا يجمعه إطلاقاً أي تقليد تنويري إنساني يقوم على حقوق الإنسان، وكذلك المعايير ومؤسسات دولة القانون الديمقراطية . 

إن من يستخدم التنوير كفاصل في الصراع الثقافي ضد المسلمين ويجعل منه حجة للتعالي والانعزال الفكري يتناقض مع التنوير ذاته. 

إن حصر التنوير كإرث للغرب فقط والدفاع عنه ضد التهديدات القادمة من الخارج لا غير، إنما هو امتهان لجوهر التنوير، الذي حدده الفيلسوف كانت في مقالته الشهيرة “التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه بحق نفسه”. 

III الحد الصعب بين نقد الإسلام و رُهاب الإسلام   

1 حول مفهوم رُهاب الإسلام

يمكن للتحفظات والمخاوف حيال الإسلام أن تتصلب من موقف تعميمي قائم على الرفض العنصري لأناس أولي خلفية إسلامية، إلى موقف أصبح منذ بضع سنين يُعرف بمفهوم الرُهاب الإسلامي. ويبدو أن هذا المفهوم قد فرض نفسه تدريجياً في نطاق الأدبيات الألمانية أيضا. وليس المقصود من وراء ذلك المخاوف العامة من الإسلام – مثلما توحي هذه الكلمة خطأ – وإنما المواقف النمطية السلبية إزاء الإسلام ومعتنقيه الحقيقيين أو المفترضين. يمكن أن يظهر رهاب الاسلام في انتقاصات وإهانات شفهية وتمييز بنيوي أو في اعتداءات على الناس بخلفية إسلامية أيضاً.

2- أداة حول فرض آليات الرقابة؟

لقد واجه مفهوم رهاب الإسلام شكوكاً قوية بعض الشيء – في سياق الصور الكاريكاتورية عن النبي محمد. إذ نشرت الصحيفة الفرنسية الأسبوعية ” شارلي هبدو ” في آذار/مارس 2006 خطاباً مفتوحاً لاثني عشر كاتباً وكاتبة يحذرون فيه من تقييد حرية الرأي بحجة مكافحة الرهبة من الإسلام. وورد في الخطاب ما يلي: نرفض أن نترك روحنا (اتجاهنا) – النقدية خوفاً من اتهامنا بمعاداة الإسلام. إنه مفهوم بائس أن نخلط بين نقد الإسلام وبين السمات التي تلحق بالمؤمنين به. كما حذر البعض في ألمانيا من مفهوم رهاب الإسلام الذي وصفه بسام طيبي (أكاديمي ألماني من أصل سوري/ المترجم) كسلاح يستخدمه الإخوان المسلمون في حرب دعائية للإسلام السياسي ضد أوروبا والغرب..

إن التحذيرات من سوء استعمال مصطلح رهاب الإسلام – وهذا ما ترينا إياه الأمثلة القليلة المعروضة – هي في الواقع في محلها. فإساءة استخدام مصطلح ما، مهما كانت درجة تلك الإساءة، ليست بالضرورة سبباً كافياً للكف عن استخدام ذلك المصطلح. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق