ثقافة وفن

قراءات

الله جل جلاله (8)

محمد المنتصر حديد السراج

في معرض قراءتنا ل(سيرة الله) الكتاب الذي خطه جاك مايلز يرصد فيه سيرة الغرب من خلال تمثله وشخصنته لسيرة الله، وهذا نرجع إليه بعد حين .

ونواصل مع الأستاذ العقاد ما بدأناه في الحلقة الماضية فيما كتبه عن الله و عن الإسلام في مؤلفه (الله) …يقول: ومن صفات الله في الإسلام ما يعتبر ردا على (فكرة الله) في الفلسفة الأرسطية كما يعتبر ردا على أصحاب التأويل في الأديان الكتابية و غير الكتابية.

فالله عند أرسطو يعقل ذاته و لا يعقل ما دونها، و يتنزه عن الإرادة لأن الإرادة طلب في رأيه و الله كمال لا يطلب شيئا غير ذاته، و يجل عن علم الكليات و الجزئيات لأنه يحسبها من علم العقول البشرية، و لا يعنى بالخلق رحمة ولا قسوة …لأن الخلق أحرى أن يطلب الكمال بالسعي إليه.

و لكن الله في الإسلام (عالم الغيب و الشهادة) …و (لا يعزب عنه مثقال ذرة) وهو بكل خلق عليم (و ما كنا عن الخلق غافلين) … (وسع كل شيء علما) … (ألا له الخلق و الأمر) … (عليم بما في الصدور) .

وهو كذلك مريد و فعال لما يريد، (و قالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم و لعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان). وفي هذه الآية رد على يهود العرب بمناسبة خاصة تتعلق بالزكاة و الصدقات كما جاء في أقوال بعض المفسرين، و لكنها ترد على كل من يغلون إرادة الله على وجه من الوجوه، و لا يبعد أن يكون في يهود الجزيرة من يشير الى رواية من روايات الفلسفة الارسطية بذلك المقال.

و قد أشار القرآن الكريم الى الخلاف بين الأديان المتعددة، فجاء فيه من سورة الحج: (إن الذين آمنوا و الذين هادوا و الصابئين و النصارى و المجوس و الذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة، إن الله على كل شيء شهيد)، و أشار الى الدهريين فجاء فيه من سورة الأنعام: (و قالوا أن هي إلا حياتنا الدنيا و ما نحن بمبعوثين، و جاء فيه من سورة الجاثية: (و قالوا ما هي إلا حياتنا نموت و نحيا و ما يهلكنا إلا الدهر، و ما لهم بذلك علم إن هم إلا يظنون).

فكانت فكرة الله في الإسلام هي الفكرة المتممة لأفكار كثيرة موزعة في هذه العقائد الدينية و في المذاهب الفلسفية التي تدور عليها. و لهذا بلغت المثل الأعلى في صفات الذات الإلهية، وتضمنت تصحيحا للضمائر و تصحيحا للعقول في تقرير ما ينبغي لكمال الله، بقسطاس الإيمان و قسطاس النظر و القياس.

و من ثم كان الفكر الإنساني من وسائل الوصول الى معرفة الله في الإسلام، و إن كانت الهداية كلها من الله: (يعلم ما بين أيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) … (و ما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله).

ومجمل ما يقال في عقيدة الذات الإلهية التي جاء بها الإسلام، إن الذات الإلهية غاية ما يتصوره العقل البشري من الكمال في أشرف الصفات

فالله هو (المثل الأعلى) …وهو الواحد الصمد الذي لا يحيط به الزمان و المكان و هو محيط بالزمان و المكان وهو (الأول و الآخر و الظاهر و الباطن) … (وسع كرسيه السموات و الأرض) … (ألا إنه بكل شيء محيط).

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق