ثقافة وفن

قراءات

الله جل جلاله (9)

محمد المنتصر حديد السراج

نواصل في هذه الحاشية التي جعلناها مداخلة مع (سيرة الله) التي كتبها جاك مايلز من وجهة النظر و التصور الغربية المسيحية و اليهودية تغذيها الفلسفة اليونانية الهيلينية بمدارسها المختلفة، و يتمثلها الغرب الاوربي و الاميركي في سلوكه الحضاري بسيئاته و حسناته الماثلة في التاريخ و الواقع الراهن.

في مداخلتنا نواصل مع العقاد رحمه الله وهو يكتب عن الاسلام و عقيدة التوحيد فيه، يقول: و قد جاء الإسلام بالقول الفصل في مسألة البقاء و الفناء، فالعقل لا يتصور للوجود الدائم و الوجود الفاني صورة أقرب الى الفهم من صورتهما في العقيدة الإسلامية، لأن العقل لا يتصور وجودين سرمديين، كلاهما مخلوق، أحدهما مجرد و الآخر مادة، و هذا و ذاك ليس لهما ابتداء و ليس لهما انتهاء.

و لكنه يتصور وجودا أبديا يخلق وجودا زمانيا، أو يتصور وجودا يدوم و وجودا يبتدئ و ينتهي في الزمان.

و قديما قال أفلاطون .. و أصاب فيما قال .. إن الزمان محاكاة للأبد .. لأنه مخلوق و الأبد غير مخلوق.

فبقاء المخلوقات بقاء في الزمن، و بقاء الخالق بقاء أبدي سرمدي لا يحده الماضي و الحاضر و المستقبل، لأنها كلها من حدود الحركة و الانتقال في تصور أبناء الفناء، و لا تجوز في حق الخالق السرمدي حركة و لا انتقال.

فالله (هو الحي الذي لا يموت) … (وهو الذي يحيي و يميت) … و (كل شيء هالك إلا وجهه).

و لا بقاء على الدوام إلا لمن له الدوام  و منه الابتداء و إليه الانتهاء .

و قد تخيل بعض المتكلمين في الأديان أن هذا التنزيه البالغ يعزل الخالق عن المخلوقات، و يبعد المسافة بين الله و الإنسان .

و إنه لوهم في الشعور و خطأ في التفكير.

لأن الكمال ليست له حدود، و كل ما ليست له حدود فلا عازل بينه و بين موجود .. و في القرآن الكريم (ولله المشرق و المغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) … (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) .

و لا شك أن العالم كان في حاجة الى هذه العقيدة كما كان في حاجة الى العقيدة المسيحية من قبلها، و تلقى كلتيهما في أوانه المقدور … فجاء السيد المسيح بصورة جميلة للذات الإلهية … و جاء محمد عليه السلام بصورة (تامة) في العقل و الشعور … و ربما تلخصت المسيحية كلها في كلمة واحدة هي (الحب) … و ربما تلخص الإسلام في كلمة واحدة هي (الحق).

(ذلك بأن الله هو الحق) … (إنا أرسلناك بالحق بشيرا) … (فتعالى الملك الحق) … (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق و لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل و أضلوا كثيرا و ضلوا عن سواء السبيل).

و من ملاحظة الأوان في دعوات الأديان أن المسيحية دين (الحب) لم تأت بتشريع جديد، و أن الإسلام دين (الحق) لم يكن له مناص من التشريع … فما كان الناس عند ظهور السيد المسيح  بحاجة الى الشرائع و القوانين ، لأن شرائع اليهود و قوانين الرومان كانت حسبهم في أمور المعاش كما يتطلبها ذلك الزمان ، و إنما كانت آفتهم فرط الجمود على النصوص و المراءاة بالمظاهر و الأشكال ، فكانت حاجتهم الى دين سماحة و دين إخلاص و محبة ، فبشرهم السيد المسيح بذلك الدين .

و لكن الإسلام ظهر و قد تداعى ملك الرومان و زال سلطان الشرائع الإسرائيلية، و كان ظهوره بين قبائل على الفطرة لا تترك بغير تشريع في أمور الدنيا و الدين يذعها بأحكامه في ظل الحكومة الجديدة و يوافق أطوارها كلما تغيرت مواطنها و مواطن الداخلين في الدين الجديد. والعبرة بتأسيس المبدأ في حينه، و لم يكن عن تأسيس المبدأ في ذلك الحين من محيد. و إذا بقي الإيمان بالحق فقد بقي أساس الشريعة لكل جيل، و في كل حال .

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق