
محمد المنتصر حديد السراج
نواصل في هذه الحاشية التي جعلناها مداخلة مع (سيرة الله) التي كتبها جاك مايلز من وجهة النظر و التصور الغربية المسيحية و اليهودية تغذيها الفلسفة اليونانية الهيلينية بمدارسها المختلفة، و يتمثلها الغرب الاوربي و الاميركي في سلوكه الحضاري بسيئاته و حسناته الماثلة في التاريخ و الواقع الراهن.
في مداخلتنا نواصل مع العقاد رحمه الله وهو يكتب عن الاسلام و عقيدة التوحيد فيه، يقول: و قد جاء الإسلام بالقول الفصل في مسألة البقاء و الفناء، فالعقل لا يتصور للوجود الدائم و الوجود الفاني صورة أقرب الى الفهم من صورتهما في العقيدة الإسلامية، لأن العقل لا يتصور وجودين سرمديين، كلاهما مخلوق، أحدهما مجرد و الآخر مادة، و هذا و ذاك ليس لهما ابتداء و ليس لهما انتهاء.
و لكنه يتصور وجودا أبديا يخلق وجودا زمانيا، أو يتصور وجودا يدوم و وجودا يبتدئ و ينتهي في الزمان.
و قديما قال أفلاطون .. و أصاب فيما قال .. إن الزمان محاكاة للأبد .. لأنه مخلوق و الأبد غير مخلوق.
فبقاء المخلوقات بقاء في الزمن، و بقاء الخالق بقاء أبدي سرمدي لا يحده الماضي و الحاضر و المستقبل، لأنها كلها من حدود الحركة و الانتقال في تصور أبناء الفناء، و لا تجوز في حق الخالق السرمدي حركة و لا انتقال.
فالله (هو الحي الذي لا يموت) … (وهو الذي يحيي و يميت) … و (كل شيء هالك إلا وجهه).
و لا بقاء على الدوام إلا لمن له الدوام و منه الابتداء و إليه الانتهاء .
و قد تخيل بعض المتكلمين في الأديان أن هذا التنزيه البالغ يعزل الخالق عن المخلوقات، و يبعد المسافة بين الله و الإنسان .
و إنه لوهم في الشعور و خطأ في التفكير.
لأن الكمال ليست له حدود، و كل ما ليست له حدود فلا عازل بينه و بين موجود .. و في القرآن الكريم (ولله المشرق و المغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) … (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) .
و لا شك أن العالم كان في حاجة الى هذه العقيدة كما كان في حاجة الى العقيدة المسيحية من قبلها، و تلقى كلتيهما في أوانه المقدور … فجاء السيد المسيح بصورة جميلة للذات الإلهية … و جاء محمد عليه السلام بصورة (تامة) في العقل و الشعور … و ربما تلخصت المسيحية كلها في كلمة واحدة هي (الحب) … و ربما تلخص الإسلام في كلمة واحدة هي (الحق).
(ذلك بأن الله هو الحق) … (إنا أرسلناك بالحق بشيرا) … (فتعالى الملك الحق) … (قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق و لا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل و أضلوا كثيرا و ضلوا عن سواء السبيل).
و من ملاحظة الأوان في دعوات الأديان أن المسيحية دين (الحب) لم تأت بتشريع جديد، و أن الإسلام دين (الحق) لم يكن له مناص من التشريع … فما كان الناس عند ظهور السيد المسيح بحاجة الى الشرائع و القوانين ، لأن شرائع اليهود و قوانين الرومان كانت حسبهم في أمور المعاش كما يتطلبها ذلك الزمان ، و إنما كانت آفتهم فرط الجمود على النصوص و المراءاة بالمظاهر و الأشكال ، فكانت حاجتهم الى دين سماحة و دين إخلاص و محبة ، فبشرهم السيد المسيح بذلك الدين .
و لكن الإسلام ظهر و قد تداعى ملك الرومان و زال سلطان الشرائع الإسرائيلية، و كان ظهوره بين قبائل على الفطرة لا تترك بغير تشريع في أمور الدنيا و الدين يذعها بأحكامه في ظل الحكومة الجديدة و يوافق أطوارها كلما تغيرت مواطنها و مواطن الداخلين في الدين الجديد. والعبرة بتأسيس المبدأ في حينه، و لم يكن عن تأسيس المبدأ في ذلك الحين من محيد. و إذا بقي الإيمان بالحق فقد بقي أساس الشريعة لكل جيل، و في كل حال .
(يتبع)




