سياسة

وداعا منصور خالد مهندس النجاحات (١)

قرنق توماس ضل

تحركت كتابة الفقيد الكبير الدكتور منصور خالد حول قضايا محورية و جوهرية تمثلت في قضايا الحرب و السلام و قضايا الحوكمة و قضايا الفكر و الراي حيث  كان لافتا بشكل حيوي حضور الاستاذ محمود محمد طه في معظم اصدارات  الدكتور منصور خالد و كنت أتسأل عن قيمة هذا الحضور فلا تمر كتابة للفقيد الكبير الا و كان الاهداء ل(الاستاذ) او كان الموضوع هو  (الاستاذ) او كان الاستدلال هو (الاستاذ )دون اللجلجة و الالتواء المعتاد في معظم الكتابات التي تتناول الاستاذ محمود محمد طه و التي  يحمي بعض الكتاب فيها انفسهم عادة في كتابة صورية عن الاختلاف معه و شي كثير من اللكننة و  لكن منصور خالد كان مباشرا و شجاعا حين يتحدث عن الاستاذ محتفيا بآرائه و منتصرا لافكاره و مشيدا بمواقفه الوطنية و متناولا بتقدير كبير اتساق انساق حياته و استقامته و نظافة يده حتى  اضطلعت مؤخرا على كثير من اسهام محمود محمد طه الوطني المبذول في الاسافير و الموثق من افكاره و تفاكيره المستنيرة عن تجديد الفكر الاسلامي اذا جاز المصطلح و تصديه الشجاع للهوس و التطرف و الاستهانة بمقادير الوطن و لحسن الحظ غالب الاعمال الفكرية و السياسية للأستاذ موثقة توثيق دقيق في ميزة نادرة لم تكن تتوفر الا للقليلين من ابناء جيله الذين لم يكن التوثيق المكتوب و المسجل و التصويري من اهتمامهم الا القليل ..

فاستحق احتفاء فقيدنا الكبير به فحظي بجزء غير قليل في كتاب منصور خالد الأول (#حوارمعالصفوة) ينافح عن الاستاذ في خضم اتهامه بالردة و يلقم القضاء الذين فشلوا اخلاقيا حجرا من المعرفة العميقة بالفقه و التبحر الموسوعي في اصول الدين و الشريعة كان منصور خالد على طول الخط مدافعا شرسا عن الاستاذ لا يتلجلج و لا يتحجج بحجج النخب الفاشلة و الحاسدة بالضرورة التي تدافع متحايلة عن الاستاذ ثم تقتل دفاعها غير المبدئي باللكننة و المعمعة..

كان الاستاذ حاضرا في كتاب منصور خالد ( #لاخيرفيناانلم_نقلها ) و هي الكتابة المائزة و الناقدة لانحراف العشرية الاخيرة للنميري في اتجاه السمسرة العالمية و الفساد الاقتصادي و اليمين المتطرف و خروج المشاريع التنموية الكبرى من العمل وذلك في عقابيل تحالفه المريب مع حسن الترابي و الصادق المهدي و انفتاح المشهد العام على السلفية الوهابية القادمة من الخليج و اهتزاز السلم العام الذي كان عماده اتفاقية اديس ابابا كان النميرى قد بدى كمن يخرب غزله و كان الاستاذ محمود محمد طه له من الناصحين بان لا يقع في فخ الهوس و ان لا يستجيب لمن لا يعرفون للوطن شعبا و حدود (عقيدة الاخوان التي عمادها العالمية ) فكان الاستاذ بذلك تجسيدا للوطنية و هدفا للفوضويين المخربين و مثالا ايقونة لكتابات منصور خالد …

و في كتاب الفقيد الكبير ( #السودانوالنفق_المظلم )  كان منصور خالد شجاعا كعادته في الجهر برايه بعد ان غادر النظام و قطع شعرة الثمانية اعوام التي كان فيها رمزا من رموزه و هي الفترة المحسوبة عليه في صراعات الحسد و اغتيال الشخصية مع النخب التي وصفهم لاحقا بإدمان الفشل و كأن رهط منتقديه  كلهم دون استثناء  لم يكونوا جزء من هذا النظام للمفارقة و للمصادفة كان الاستاذ محمود محمد طه  ممن كانوا يلمزون ايضا  بدعمه لمايو و للمصادفة ايضا ان يكون الاستاذ و منصور خالد قد اشتركا في رؤية و التنبيه للنفق المظلم الذي كان يسير اليه نظام النميري و بالتالي السودان كله حشرا ما بعده حشر و لم يتبين الناس رجاحة اراء الاستاذ و منصور الا بعد ان انقلب النميري على الجميع و كاد ان يفتك بالكل لولا ثورة الشعب في ابريل التي اقتلعت نظامه و لكن بعد ان قتل في جبن عظيم الشيخ الاستاذ محمود محمد طه و عاد الجنوب الى الحرب و ترك للعملية السياسية المازومة مسمار جحا الذي هو  قوانين سبتمبر…

أما كتابه( #الفجرالكاذبالنميريوتحريف_الشريعة) فقد تجلى منصور خالد في تشريح الحالة السودانية الملتاثة و اعادة  تصوير الحرج التاريخ المتمثل في النسخة السياسية المتاسلمة الشائهة التي سماها الفجر الكاذب و تحريف الشريعة فكانت من الملاحم الفكرية الناقدة للإسلام السياسي الذي اوعز للنميري ليكون اماما و اميرا للمؤمنين و كتبوا له اوصاف الجنون التي اسموها الشريعة فأذلوا بها الشعب السوداني  حتى انفجر في مارس ابريل و اطاح بالطاغية و هنا ايضا اي في معرض تحريف الشريعة التقت افكار الاستاذ محمود محمد طه الناقدة للإسلام السياسي مع ما توصل الفقيد الكبير و الذي اسماه تحريف الشريعة في موسوعية و معرفة متناهية بالشرع و التشريع و القانون و برافعة وطنية شاهدة و شاخصة افصحت عن كيف تم تحريف الشريعة و كيف تحالفت الاصولية مع الوصولية فشوهت الدين و مزقت الوحدة الوطنية و هدمت روافع الدولة المدنية كانت كتابة الفقيد الكبير عارفة و معرفية و كانت ايضا فاضحة لهوس المتاجرة بالدين الذي انتظم المشهد العام ..

اما في  كتابه ( #هذااوالطوفان)  فهذا العنوان كان عنوان المنشور الذي اصطاد به الاسلام السياسي  الاستاذ محمود محمد طه بعد ناظرهم و ساجلهم و انتصر عليهم في ساحات الرأي الحر و الفكر السديد و انتصر عليهم برجاحة المنطق و الاتساق و الاستقامة منذ الخمسينات(اسس الدستور السوداني ) و الستينات (حقوق العمل المتساوي و محكمة الردة و احداث طرد الحزب الشيوعي من البرلمان )و السبعينات( محكمة بورتسودان و احداث ام درمان و الابيض و الاقاليم ) اصطادوه في بداية الثمانينات و هم متوارين خلف الطاغية و محاكمه الهزلية و قضاته الذين فشلوا اخلاقيا بحسب وصف الاستاذ نفسه و المنشور كان ملخصه الرأي و الفكر و الوطنية و الوحدة و ضرورة الحفاظ عليهم  و الانتصار لهم و لم يكن من اشاراته و مضامينه شيء من الردة و مخالفة اصول الدين كما راج في اعلام الجماعة المتاسلمة المصاحب لمهزلة اعدام الاستاذ محمود محمد طه(المحاكمة مبذولة في الاسافير صوت و صورة و تفريغ و في منصة  اليوتيوب لحسن الحظ  ).

و قد ابان الدكتور منصور في كتابته عن المنشور هذا او الطوفان في تفكيك المنشور الى اجزاءه الفكرية و السياسية و الوطنية التي كانت تعبر عن بصيرة الاستاذ النافذة و فكره المستنير و وطنيته التي فاقت ما لدى رفقاءه الحاسدين فقد كانت وطنية فداء و افتداء حتى تحرك الشعب (بعد اقل من ثلاثة شهور فقط من اعدامه واطاحت بالطاغية ) فقد كان الاستاذ شجاعا في الصدع بالرأي السديد في الدين و في السياسة و في الوطنية في وقت جبن فيه الكثيرين من المثقفين و النخب السياسية فقد قال على الملا بان قوانين النميري قد شوهت الدين و هددت وحدة البلاد و هدمت اسس الوطنية السودانية كان موقفا جليلا و تاريخيا هز اركان النظام و محفلة التغييب و التدجين التي انتظمت البلاد فهبوا يتآمرون يتحججون بالمنشور هذا او الطوفان و يزيدون عليه الاكاذيب و الافتراءات على شاكلة الردة و ما شابه  حتى خلقوا الصورة النمطية التي اغتالوا به الاستاذ معنويا في مخيلة العامة ثم شنقوه في عار تاريخي ذميم ..نجح منصور خالد في اعادة تقديم هذا او الطوفان في سداده و نباهته و استشرافه فقد تحقق لاحقا كل ما ورد في المنشور فيما يشبه النبؤءة

اما في كتاب الدكتور منصور خالد  #النخبةالسودانيةوادمانالفشل  الذي يعتبر سفرا من اسفار التاريخ السوداني الحديث في تشويق و ابانة ناصعة المنطق و اللغة و المعرفة و التوثيق الدقيق من بطون ما توفر له من موثوق المراجع و من حضور المعاصرة و المعاشرة فالمعروف ان منصور خالد كان رقما فاعلا و مراقبا و مشاركا في اكثر منعطفات التاريخ السوداني ما بعد الاستقلال فهو في بدايات سني عمله العام اشتغل سكرتيرا صحفيا لصالح مكتب رئيس وزراء السودان السيد عبدالله خليل عن حزب الامة و خليل هو الذي سلم الحكومة لقائد الجيش حينها الفريق ابراهيم عبود في ردة فعل لبعض المؤامرات السياسية داخل حزبه و من الحزب المنافس حينها الاتحادي الوطني و هنا يمكن ان نقول ان منصور خالد خالد كان شاهدا على العصر من داخل المطبخ السياسي شاهدا على اولى ملامح الفشل الذي اصبح ادمانا  بحسب وصفه لدى النخب السياسية السودانية فقد اجهضوا الديمقراطية الوليدة بايديهم لا بايد العمران و تسلم الجنرال ابراهيم عبود حكم  البلاد يسحق العملية السياسية ينكل بالجميع يسجن من يسجن و ينفي من ينفي و يتعاون مع من يتعاون و يمعن في احراق الجنوب وثق منصور خالد لكل ذلك الفشل مصادما العقلية المتعامية و الارتكان لذاكرة السمك فكان فضحا و احراجا كبيرا لكثير من رموز ذلك الزمان ثم تناول الفرصة التالية التي توفرت لذات النخب في اكتوبر ثورة الشعب التي سرقتها  ذات الاحزاب الذين جعلوا يتماحكون في صراعاتهم الازلية الفطيرة و زادوا عليها الهوس و التطرف الديني و المزايدة به و من ثم  الغيرة و الحسد و الانتقام و التشفي كل ذلك على ملأ المنابر السياسية يبثثون ذات الفشل في كل مناحي الحياة فوهبوا البلاد الى جنرال اخر هو النميري الذي بدا حليفا للشيوعيين و القوميين ثم انقلب عليهم ثم تحالف لاحقا مع الاسلاميين  و ذات الاحزاب التقليدية الطائفية  في رحلة طويلة من القتل و الفساد و الاستبداد و التحالف و التعارض يشترك فيها كل تلك الاحزاب بنخبها التي ادمنت الفشل انهار الاقتصاد و هم غرقى في المرابحات و انهار النظام القضائي و هم يكبرون و ينصبون الصنم اماما و اميرا للمؤمنين و عاد الجنوب الى الحرب و هم يهتفون ضد اسرائيل و الماسونية الخ من صنوف الفشل الذي نعتهم بها  الفقيد الكبير و كان مقتل الاستاذ محمود محمد طه الادانة الكبرى للجميع (هنا كان منصور خالد جزءا من النظام في الثمانية اعوام الاولى و معارضا شرسا في الثمانية اعوام الاخيرة )  و حين  خلى لهم الجو مرة اخرى  اي للنخب ذاتها (هم معمرون )عندما ثارت جماهير  الشعب في ابريل و دكوا حصون الطاغية و اسقطوا نظامه فاذا بهم يعودون اي الاحزاب و النخب الفاشلة المعمرة  الى سدة الحكم في غفلة من الثوار و تعود دائرتهم الجهنمية المعتادة الصراعات القديمة و المزايدات بالدين و الوطنية و اهدروا فرص البناء الوطني واحدة تلو الاخرى (هنا كان منصور خالد مراقبا و منضما حديثا للحركة الشعبية لتحرير السودان ) حتى اجهز جنرال آخر  متأسلم على الديمقراطية الثالثة بترتيب من المرشد الاعلى حسن الترابي و فرقته (الفرع الاسلاموي من النخبة و هو فرع نشط في المزايدة على العملية السياسية بالدين منذ الستينات  حتى نجحوا في انقلاب البشير بعد تمكنهم اقتصاديا اثناء انقلاب النميري ) جثم البشير و الترابي و فرقتيهما على صدر الشعب السوداني في فترة فاشلة و ممعنة في الفشل قرابة الثلاثين عاما و ذهبت الفروع النخبوية الاخرى تعارض و تحارب و تتحالف كيفما اتفق مع النظام تمارس ذات الفشل( نفس النخب بذات الشخوص فهم معمرون ) ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق