ثقافة وفن

الأبعاد الجمالية في التراث الإسلامي من منظور المستشرقين (1)

د. عزالدين معميش

يعتبر عدد كبير من الباحثين الغربيين أن المجال التراثي الإسلامي مليء بالإيحاءات الفنية والجمالية، توزعت بين اللغة والهندسة النباتية والزخرفة والعمارة والبستنة… وغيرها. لكن الملاحظ هو جنوح عديد الدراسات نحو حصر الإبداع الجمالي في التراث الصوفي؛ بناء على قناعة نابعة مما يعرف عندهم أن الإبداع الفني لم يكن في المجال الإسلامي سوى بإشراق الروح؛ وقد تجسدت خصوصا في الشعر، وطرق الشفاء والتداوي، والحرف اليدوية المتنوعة، وقد تطورت المملكة الأولى في نظرهم في رحاب الحب الإلهي وانتقلت من فن الشعر إلى تجسيد التغني والعشق في لمسات معمارية جمالية على الأرض؛ تمثّلت في الانسجام بين الممالك الثلاث؛ حيث التغني بالأشجار النادرة وقدرتها على الشفاء وارتباطها بسكنى ومقام السالك، ليكون في ملكوت بديع يضاعف جرعات حبه لمعبوده.

هذا الإيحاء الإبداعي الجمالي منتشر في الكثير من مناحي التراث الإسلامي؛ سواء تعلق بالظاهرة الجمالية في لغة القرآن أو في الخط العربي الذي كتبت به المصاحف العثمانية أو في العمارة الإسلامية ومظاهرها المتنوعة في كل بيئة من البيئات المتعددة في العالم الإسلامي.

لكن قناعة المستشرقين تنحصر في أن المسار الذي يسلكه المريد الصوفي والمحكوم برؤية أخلاقية وقيمية؛ هي التي فسحت المجال للمسات فنية جمالية شفافة؛ إنسانية في صميمها، تجلّت خصوصا في ثلاثية الأبعاد المؤسسة على المقامات والأحوال.

 وهذه الورقة قراءة نقدية مفتوحة في “دفاتر المستشرقين” الذين تتبعوا ودرسوا فكرة ثلاثية الأبعاد الصوفية وآثارها الفنية والمعمارية؛ منهم “روبرت ديفز” و”ريتشارد بيرتون” و”هايدن” صاحب “قاموس التاريخ” الذي ينقل عن مؤرخين غربيين قولهم إن المعماريين المحمدين القادمين من الساحل الإفريقي هم الذين جاؤوا بفكرة “الدرجات المتعاقبة” إلى إسبانيا في القرن التاسع[1]، ويقصد بالدرجات المتعاقبة المسالك الروحية التي يمر بها السالك والصادرة عن تصور معماري فني.

وهو الكتاب الذي يعد شبيها في نمطه بكتاب العالم الباكستاني”إدريس شاه”؛ من حيث الطابع المعلوماتي الموسوعي الشامل، ومن حيث الإحاطة بظاهرة التصوف وتأثيراتها في الدين والحياة والإنسان، ممزوجا بمشاهد ثرية ومتنوعة حول تجليات الظاهرة الصوفية؛ شرقا وغربا وعبر الأزمنة، بما يولّد لدى المتلقي والقارئ من جميع المستويات صورة واضحة وفنية مدعومة بزخم معرفي غني من الأفكار والأسماء والعلاقات والرموز والحكايات والدلالات. وبذلك نرصد التطور الحاصل في بنية المعرفة الجمالية الإسلامية بعد مسيرة قرون، وقيمتها التطبيقية في الفن القديم والمعاصر، متلمسين الجذور والآثار والرصيد المستفاد، مناقشين بعض الشبه الحداثية التي ترهن الجمال بالحداثة؛ فالحداثة معمار جمالي يلبس الكون كما قال الفيلسوف “هايدغر”[2] ومن سلك طريقه، مستكثرين على الحضارة الإسلامية الإبداع الفني والجمالي الذي أصبح يوثق لعقلية التحضّر اليوم.

ولا يسعنا في هذا البحث إلاّ محاولة استقصاء وقراءة ما جاء في “دفاتر المستشرقين” الذين تتبعوا ودرسوا فكرة ثلاثية الأبعاد الصوفية وغيرها من الأبعاد الجمالية الإسلامية وآثارها الفنية والمعمارية، انطلاقات رؤية نقدية لحصر البعد والمجالي في السياق الصوفي.

أولا: الجذور الفكرية للجمال في التراث الإسلامي

هناك مبدأ مشهور يحكم الصوفية عموما في نظر جل المستشرقين؛ هو البحث المستمر عن الكمال المؤدي إلى العرفان التام؛ باعتبارهم أهل عطش إلى الحقيقة؛ حيث الغوص في البحار بحثا عن الكنوز؛ يقول بشر الحافي: “الصوفي هو من صفا قلبه لله”[3]، ويقول معروف الكرخي عن التصوف: “هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في أيدي الخلائق”[4]؛ فلذلك اُعتُبر بأنه تجربة روحية سعيا للوصول إلى الله، قد تسفر عن تأملات عقلية أو رؤى فنية بالغة العمق أو كمال ديني وخلقي شديد التعلق بالأصول.

 من هنا انبثق مفهوم السير من الحسي إلى المجرد؛ حيث التجرد التام من العلائق الدنيوية للوصول إلى مقامات العارفين؛ وهذه الرحلة تستغرق وقتا وجهدا وأطوارا. وقد عدّ بعض الباحثين التصوف فاعلية تقوم بها حاسة كونية متعالية؛ فهو كالفن لا وجود له من دون عاطفة جامحة؛ لأن الفن ينبع من أعماق النفس؛ ويتحوّل عبر الخيال الخلاق إلى واقعة شعرية أو لمسة معمارية أو صورة معبّرة؛ فهو ارتقاء نحو الأسمى والأجمل في النفس.

 ولكي لا نقع في التعميم المفرط؛ لابد لنا هنا أن نؤكد وجود اختلافات فكرية ومعرفية ومنهجية بين مجموعة الاتجاهات الصوفية؛ رغم انقياد معظمهم وتحاكمهم إلى المبدأ الذي سقناه؛ وهو البحث عن الكمال؛ فهذه الرغبة لم تلزم طريقا واحدا عبر الزمن الصوفي؛ بل شهدت تناقضات كبيرة بين الاتجاهات الصوفية في طريق العرفان، لذلك اختلفت مقاربات تحديد مصطلح التصوف ذاته حسب المنهل المعرفي؛ فمنهم من يعتبره “حب المطلق”[5] كي يميّزه عن طقوس الزهد الأخرى ويجعل من هذه الصفة الميزة الرئيسة بين التصوف الحقيقي والتصوف المزيّف؛ لأن حب الإله يجعل المريد يتحمّل كل الآلام والمصائب؛ بل ويتلذّد بها، وهو الحب الذي يمكّن قلب المحب من الوصل والاتصال بالحبيب.

 وهذه الصفة لم تلبث أن انقلبت بعدا ونمطا لماهية الشخصية الصوفية وبُعدا في بنية نظرية المعرفة الصوفية؛ فالخبرة الصوفية كما فسّرها أصحاب الحب المطلق على ثلاثة أنماط[6]:

النمط الأول؛ البحث المتواصل عن الله؛ ويرمز له بصورة طريق يجب على السائح أن يسلكه صعودا؛ واصطلح عليه بطريق التدرج أو الارتقاء أو معراج الروح.

 الثاني؛ ما يعبّر عنه بتربية النفس بالابتلاءات وتنقيتها بأنواع الكلام.

الثالث؛ إشارات اقتُبست من الحب الإنساني؛ عُبّر بها عن لوعة المحب وشوقه إلى التوحّد. وذاك ما أنتج خليطا من المذاهب؛ تأرجحت بين وحدة ابن عربي وحلولية الحلاج.

 على أننا في هذه الدراسة نَفصِل بين نمطين:

• صوفية اللاحدود.

• صوفية استبطان الذات.

 فقد كان التأسيس الفكري للنمط الأول خليطا بين الأفلاطونية ومصادر خارجية أخرى؛ كالنصوص الدينية الفيدانتية الهندوسية؛ وخاصة فلسفة “شان كرا”؛ حيث تلتقي مع وحدة الوجود الصوفية في تعريفهم الإله؛ بأنه وجود كل الوجود[7]، وأحيانا بأنه العدم[8]؛ لأنه لا يمكن وصفه من خلال أيّ نوع من التفكير المحدود؛ فالذات الإلهية لا متناهية وبلا زمان وبلا مكان؛ وذاك هو الوجود المطلق.

 وقد كان هذا النمط ولا يزال موضع هجوم من جمهور المسلمين؛ لاعتبارات عقدية ومعرفية تتعلق بمنهج البحث عن الحقيقة ذاتها؛ حيث تم الخلط ما بين عالم الشهود وعالم الغيب؛ مع أن العقل كأداة للمعرفة يؤكد هذا التمايز والانفصال.

أما النمط الثاني والذي ستنصب دراستنا عليه؛ وهو علاقة استبطان الذات في التصوف؛ وهي العلاقة التي تكون بين الإنسان وبين الله؛ وهي علاقة خالق بمخلوق؛ أساسها حب ولهفة العبد لحبيبه وسيّده، وهذا النمط عرف أيضا باتجاه “الإرادية”؛ من حيث سلوك الصوفي الطريق الذي يوصِل إلى “التخلّق بصفات الله”، واستمداد إرادته من إرادة الله استمدادا كليا لا اعتماد على أحد سواه.

 وفي ظلال هذا الاتجاه تشكّلت العقلية العملية لدى الصوفية؛ بحيث انبثقت المقامات والأبعاد والأحوال والمراتب. وقد جعل الصوفي الكبير الهجويري (توفي465ﻫ) مقامين للوصول إلى مرتبة المشاهدة؛ الأول: القرب، والثاني؛ التبجيل؛ ويقصد بالقرب الدوام على الطاعات والقربات؛ حيث يبتغي التقرب إلى الله بالأفعال. بينما يقوم التبجيل على التأمل والتفكّر والتدبّر وقوة التضرع: “ففرق بين مَن يتفكّر في الأفعال، وبين من تحَيّر في الجلال؛ فواحد من هذين يكون رديف الخلّة، والآخر قرين المحبّة”[9].

 وقد كان لجهود الجهويري مُضافة إلى ما قام به أبو القاسم المحاسبي الأثر المهم في إعادة التصوّف إلى سيرته الأولى والتخلص مما علق به من بدع وشوائب أبعدته عن هدفه السامي المتمثل أساسا في التزكية النفسية المثلى؛ وهي نبراس التجربة الصوفية كلها، ولعل أهم ما يشتركان فيه الربط بين الشريعة والحقيقة؛ حيث بيّنا أن الشريعة دون الحقيقة ليست إلاّ رياء، وأن الحقيقة دون الشريعة ليست إلاّ نفاقا.

 وقد تطوّرت مراحل الطريق عند الصوفية لتصل إلى مرحلة من النضج اتضحت فيها المقامات والأبعاد والتجليات. ففي باب المقامات؛ تأتي التوبة كمقام أول يمر به العارف الصوفي، ويقوم مفهومه على جانب عملي مهم؛ وهو الإقلاع عن الذنب وعن كل ما يتعلّق بالدنيا، لذلك فهو بوابة العرفان ومفتتح الطريق. وقد برع المتصوفة في التمهيد لهذا المقام؛ واستعيرت أبلغ العبارات والأساليب في ذم الدنيا والحط منها والترغيب في الآخرة، واستثيرت الحاسة الشعرية لترسم مملكة فنية في توبة العارف الصوفي؛ ومن بين ما قيل في هذا المجال في التوبة؛ ما جاء في المثنوي: “التوبة دابة عجيبة، تقفز في لحظة من أدنى موضع إلى السماء”[10].

 لقد اعتُبر التعلق بالدنيا عند الصوفية من أكبر أسباب صوارف القلوب، وتشويش الأفكار، ومعكر صفاء ونقاء السرائر والخواطر، وقد شُبّهت الدنيا ببيت الخلاء الذي لا يطلبه المرء إلاّ في حالات الضرورة[11].

 لذا كان المقام الثاني والذي يأتي بعد التوبة؛ مقام الورع، بُغية البُعد قدر المستطاع والمُكنة عن مرحلة ما قبل التوبة، وسد الأبواب بإحكام لدخول الفتنة مجددا، وعليه فرّ المريدون من المدن واستقروا بالبراري[12]، أو اخترعوا لأنفسهم أحياء وفق أنماط معمارية خاصة تتيح للصوفي الخلوة والتبتل وتفصله عن العالم الخارجي، وتلبس السترة على أهله وآل بيته[13]، وهذا ما نجده في الأحياء الدمشقية القديمة ومناطق من الفسطاط في مصر، وكان للإرادة والعزيمة المستنبتة من عمق الذات الأثر في الخيال الواسع الذي مكّن الصوفية من تشييد هذه المدائن الجديدة الاستثنائية.

 بل إن الخروج إلى البراري زهداً وورعاً كان في غاية التناسق مع ما هو موجود داخل هذه المدن الاستثنائية؛ من حيث آلية استبطان الذات والكشف، فقد أصبحت في قناعة الصوفية كل زهرة في البراري لدى العارف الزاهد لسانا يسبّح بحمد الله، وكل ورقة فيها أو في نويرها بمثابة كتاب يمكن للمرء أن يقرأ حكمة الله فيه؛ فالله قد وضع آياته في الآفاق وفي النفس البشرية، وما على الإنسان إلاّ أن يتعرف عليها، وذاك سبيل العارفين؛ فزهرة الزنبق تسبّح للّه في صمت بعشرة ألسنة، والبنفسج يجلس متواضعا في ثوبه الصوفي ذي اللون الأزرق القاتم؛ واضعا رأسه على رُكبة التأمّل، والسواسن الحمراء ذات النقط السوداء في القلب يمكن أن تنمو في الفؤاد المحترق لدى المحبـوب، أو يمكن أن تذكّر الصوفي بقلوب المنافقين السوداء، والنرجس ينظر بعينيه الرطبة المشدوهة إلى الخالق، أو يجعل المحب يفكّر في عيني المحب الناعستين، كما أن العيسلان المجعّد القاتم يشبه تجاعيد المحبوب المفارَق من الأهل والآل[14].

 وهكذا فإن الفضاء الطبيعي المفتوح لم يكن لدى الصوفي هربا من الحياة، أو تعبيرا عن الفشل الاجتماعي وعدم المكنة على مقاومة الفتنة المدينية، بل الذات المحبة الشاعرة هي التي سعت لهذا الملكوت، لتجوب في بدائعه وتُحوّله عبر الخيال الخلاق إلى جنات مصطفة منتصبة أمام البيوت التي شيّدوها وفقا لشخصيتهم المعمارية الاستثنائية، والتي تثير فيهم التسبيح بعمق وذوبان لخالق هذا الجمال ومن ذات شفافة مليئة بالحب لكل مظاهر الوجود؛

 يشرح ذلك المفكر امبرتو إيكو بقوله: “يعد الإنسانُ جزءًا من كلّ، نُطلق نحن عليه اسم”الكون”، وهو جزء محدود في الزمن والمكان، إلاّ أننا نراه يضع نفسه وأفكاره ومشاعره موضع التجريب؛ كأشياء منفصلة عن الآخرين من بني جنسه، وهو ما يهبط به إلى نوع من الخداع البصري لوعيه، وهذا الخداع أو التوهّم ليس سوى نوع من أنواع السجون بالنسبة إلينا؛ حيث يقلص وجودنا إلى رغبات شخصية وقدر محدود من الحب لعدد محدود من الأشخاص الأكثر قربا منه. وتتلخص مهمتنا في تحرير أنفسنا من هذا السجن عن طريق توسيع دائرة حبنا حتى نحتضن كل الكائنات الحيّة ومجمل مظاهر الطبيعة في جمالها الفتّان”[15].

 إن هذا التناغم الخلاق بين الذات الباطنة للصوفي والطبيعة الغناء لم يُحصر في الفيافي والقفار والبراري والغابات؛ بل نقله الصوفي معه أينما حلّ وارتحل، وأدت تأملاته ومبثوثاته في محاكاة هذا الجمال إلى تأثر قطاعات واسعة من المجتمعات الإسلامية به وبالتصاميم الخيالية التي صوّرها الزهاد من الصوفية، ثم نقلت هذه التصاميم من التصور إلى التطبيق؛ في الدور والمنازل والأحياء التي سكنها هؤلاء العارفون؛ بل انعكس ذلك أيضا على زخرفة المساجد؛ ولذا كان القرن الرابع والخامس والسادس انعكاسا لشخصية الأبعاد الصوفية في التفكير ونمط الحياة؛ حتى أن معمار الآستانة وقونية وغيرهما من البلاد التركية المتأثرة بعرفانية جلال الدين الرومي تعد تجسيدا لنمط التأمل العرفاني الصوفي الناتج عن بُعد ومقام الورع.

ويذكر المستشرقون استخلاصا من مصادر الفن الإسلامي أن المسجد الكبير في وسط مدينة “قونيا” وأمثاله في الأندلس؛ يحاط بها في الغالب العديد من المساجد الصغيرة والمدارس؛ وإلى جانبها البلاط الرائع ذي اللون الأزرق الفاتح والأخضر في قبّة ذلك البناء المزخرف؛ فمن المثلثات التركية والمغربية على شكل خمسة في أربعة؛ والتي تحمل اسم النبي محمد، صلى الله عليه وسلّم، والخلفاء الأربعة وأسماء أنبياء آخرين ترتفع قاعدة القبّة، تتخلّلها النوافذ؛ مزيّنة بآيات من القرآن بخط كوفي منقوط شديد التعقيد، والقبّة ذاتها مغطّاة بنجوم متشابكة في مهارة مرسومة بقطع البلاط ذات اللون التركوازي الأخضر واللون الأزرق والأسود والأبيض؛ حيث تشكّل كل واحدة منها نموذجا منفردا بذاته، غير أنها مرتبطة بالقطع الأخرى بطريقة تفوق كل وصف، وقمة القبّة مفتوحة كي ينعكس شكل السماء وشكل النجوم باللّيل في حوض الماء الصغير الموجود في وسط المدرسة[16].

وهنا لا تكتمل الصورة دون المرور على المقام الثالث لدى الصوفية وهو “التوكّل” وصلته الفكرية بالموضوع المطروح للنقاش والتحليل. فمع التوبة ثم الورع الذي جعل الصوفية يقيمون في أحياء خاصة ووفق أنماط خاصة، وكذا خروجهم إلى البراري والفيافي للتأمل والتسبيح والاستغفار، وزهدا في دنيا هي عندهم مزبلة يتكالب عليها الكلاب، فإنهم لم يكِلون أمرهم إلى الله دون تقديم الأسباب وتحصيل الطرق المؤدية إلى استغنائهم عن مد اليد وطلب العون من الخلق؛ كما قال الشبلي: “الصوفي منقطع عن الخلق، متصل بالحق”[17]، بل أخذوا بمفهوم التوكل القرآني في الكد وطلب الكسب والاجتهاد وترك النتائج لمسيّر الأحوال والأسباب، وعليه فقد ابتكروا في مجال الطب العلاج بالأعشاب، وفي القوت أصناف من النبات لم تكن معروفة على عهدهم، ثم انتبهوا إلى الفخار والحرف اليدوية المختلفة التي نسجت أبهى السجاد وأجمل أنواع الأفرشة من الخيوط المستخرجة من النبات.

 ولعل في هذا المقام تأكيدا للفكرة التي آمن بها المتصوفة من أن الزهد والورع المؤديين إلى التطهّر والتجرّد من الدنيا؛ لا يعنيان المفارقة والاعتزال التام؛ بل المعنى يكمن في ضرورة التمييز بين الحقيقة والجوهر؛ وأيضا إمكانية الجمع بين ضرورات الجسد المادية ومتطلّبات الروح وتطلعاتها الأخلاقية: “فليس الرجل الذي يعرف تفريق الدنيا فيُفرِّقها؛ وإنما الرجل الذي يعرف كيف يمسكها فيُمسكها”[18].

 وهكذا فإنهم يعتبرون الصوفي الحق لا يصير كاملا إلاّ بعد خروجه من مقام الزهد والتطهر من الدنيا إلى مقام البقاء والتمكين في واقع العالم الإنساني المعيش، وهنا يُفرّق بين الرهبنة والزهد في مغزى قصة وقعت بين الصوفي أحمد بن الحواري (توفي 230ﻫ) وبين أحد رهبان النصارى المنقطعين؛ حين سأل ابن الحواري ذلك الراهب: “أما كان يستقيم أن تذهب معنا، هاهنا، في الأرض وتجيء، وتمنع نفسك الشهوات؟ فردّ الراهب: هيهات!هذا الذي تصف أنت قوّة؛ وأنا في ضعف”[19] وهو نص مهم يثبت ابن الحواري الصوفي من خلاله أهمية وقيمة الزهد والتطهر والتجرّد من الدنيا، واعتراف في الآن نفسه بقيمة النزول إلى العالم والعيش في وسطه. ومن هنا برز ما يصطلح عليه بـ”مشكلة المسؤولية الإنسانية”[20] عند الصوفية ومفكري الإسلام عموما، وتمظهر اتجاه الإرادية داخل الإطار الصوفي من خلال مقام التوكل؛ حيث الكد والاجتهاد في تحصيل سبل المعيشة لتحقيق الكفاف؛ والذي به فقط يتحقق الاستغناء عن الخلق..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق