ثقافة وفن

“الأركانة” … للأشعري رغم الانتقادات

المتأمل لتجربة الوزير المغربي محمد الأشعري في الكتابة الشعرية يلاحظ أنه أخلص للموقف السياسي إخلاصا بلغ حد التضحية لكنه لم يضح بالتشكيل الشعري لصالح ذلك الموقف السياسي أو الاجتماعي.

تتجدد قصة الأديب المغربي محمد الأشعري مع الشعر، بعد مسيرة عقود من الإصدارات الشعرية، إضافة إلى الروايات، ليتوج مساره مع القوافي العربية بجائزة “الأركانة” التي يقدمها بيت الشعر في المملكة بالتعاون مع وزارة الثقافة.

رغم المسار الإبداعي المتميز للأشعري، رافق الإعلان عن الجائزة انتقادات من طرف بعض الشعراء الذين تساءلوا عن معيار منحها له، لوجود أقلام شعرية أجدر بنيلها وفق قولهم.

اقرأ أيضا”الأركانة” شجرة فريدة تنبت جنوب المغرب شبيهة بشجرة الزيتون، غير أنها أكثر فائدة صحيا وتجميلا وأغلى اقتصادا، مما جعلها تحظى بقيمة رمزية كبيرة وجعل بيت الشعر يقدم سنويا جائزة بهذا الاسم، وقد حظي بهذا التشريف هذا العام الأديب محمد الأشعري.

الأركانة

تستمد الجائزة المغربية “الأركانة” -التي انطلقت منذ 18 سنة- تميزها من امتدادها خارج المملكة والعالم العربي، فقد سبق أن نالها الصيني “بيي داو” والإسباني “أنطونيو غامونيدا” والفرنسي “إيف بونفوا” والأميركي “تشارلز سيميك” فضلا عن الشعراء العرب، وأبرزهم “محمود درويش، سعدي يوسف”.

وفي مقابلته مع الجزيرة نت، قال الشاعر عبد السلام المساوي، الذي كان ضمن أعضاء لجنة التحكيم التي منحت جائزة الأركانة، إن المداولات جرت بشكل سلس، لأن الاقتراح كان بالإجماع للقيمة الإبداعية الرفيعة التي يحظى بها الأشعري مغربيا وعربيا.

وأضاف المساوي: تم بسط تجليات التميز الفني في شعر الأشعري، من خلال استمرار قصيدته وفية لما يوسع أفق الحرية في الكتابة وبالكتابة، باعتبار هذه الحرية مقاومة باللغة، بما جعل الانحياز إلى هذا الأفق، في منجزه النصي، ذا وجوه عديدة، منها التصدي بطرائق مختلفة للتقليد ولتضييق الحياة، والارتقاء باللغة إلى صفائها الشعري، وتمكين الجسد من حصته الحرة في بناء اللغة وفي بناء المعنى، وتهيئة الكلمة الشعرية لأن تقتات مجهول الجسد، احتفاء به وبالحياة، وانتصارا للحرية التي يمنحها المعنى.

ومن خصائص شعر الأشعري أيضا أن انحياز قصيدته إلى المعنى تحقق بالابتعاد عن المباشر وبالتجاوب الذي أقامته بين الشعر واللوحة والمعمار والسينما، فقد نهضت قصيدته على محاورات صامتة بين الكلمة والرسم وفنون أخرى، وعلى تفاعلات حيوية بين الشعري والسردي، عبر دينامية هذا البناء النصي، كان المعنى الشعري يتخلق، في منجز الأشعري، منصتا لنبض الحياة ومتغيراتها، برؤية حداثية تنتصر للقيم وللإنسان وللفكر الحر.

من جانبه، أكد الدكتور ماء العينين النعمة علي الأستاذ بجامعة ابن زهر في أكادير، في تصريح للجزيرة نت، أن الجائزة تبين مكانة الأشعري الأدبية الكبيرة التي أهلته للحصول عليها، والتي تثبت أننا أمام أديب متميز أسهم بدور كبير في تطوير الشعر المغربي وازدهاره منذ أكثر من 3 عقود، ولم يتوقف عن الإنتاج والإبداع. وكان في كل ديوان يضيف جديدا وتميزا للقصيدة الشعرية النثرية المعاصرة بطريقة فنية بليغة ومعبرة. كما يبين الفوز كذلك مكانة الشعر المغربي وأهميته في عالم الأدب.

الأشعري الأديب

ولد الأشعري سنة 1951 بمدينة زرهون (شمال) ودرس في كلية الحقوق قبل أن يشتغل بالصحافة، حيث رأس تحرير عدد من الصحف، كما انخرط في العمل السياسي، وتولى رئاسة اتحاد كتاب المغرب عام 1989 لعدة سنوات، ثم عين لاحقا وزيرا للثقافة سنة 1998 في حكومة عبد الرحمن اليوسفي.

ومن أبرز دواوينه الشعرية “صهيل الخيل الجريحة، عينان بسعة الحلم، سيرة المطر، حكايات صخرية، قصائد نائية، جمرة قرب عش الكلمات”.

انتقادات التتويج

منح جائزة الأركانة العالمية للأشعري أثار ملاحظات وانتقادات من طرف بعض الشعراء الذين تساءلوا عن معيار منحها له، باعتبار وجود أقلام شعرية أجدر بنيلها، مثل عبد الكريم الطبال، أو أجانب، كالشاعر السوري أدونيس.

وذهبت أصوات أخرى في عدة تدوينات، على مواقع التواصل الاجتماعي، إلى انتقاد لجنة التحكيم التي اختارت المتوجين بجائزة الأركانة العالمية للشعر، إذ يجب ألا تكون مؤلفة من مجموعة من الأصدقاء على حد قولهم. من جانبه قال الأديب عبد السلام المساوي للجزيرة نت “متى كان الإعلان عن جائزة في أي بلد من العالم ولم تقم ضجة؟” ولابد أن تكون هناك ردود فعل تجاه الفائزين بجوائز الشعر وغيره من الفنون.

وهذا الأمر طبيعي جدا -وفق الدكتور المساوي- ففي مسألة الفنون تتفاوت الأذواق والتلقيات والخلفيات، دون استبعاد الشعور بالغبن لدى الكثيرين ممن يرون أحقيتهم بالفوز أو شعور مناصريهم بذلك، فحتى لما أعلن عن فوز الشاعر الراحل محمود درويش بالأركانة، لم نعدم ظهور بعض الأصوات المحتجة من هنا وهناك، رغم القيمة الشعرية الرفيعة التي يحظى بها شعر درويش لدى الكثيرين، وكل له تبريراته وخلفياته، وهذا هو منطق الجوائز.

الدكتور ماء العينين النعمة، بدوره صرح للجزيرة بأنه “لا يخلو حصول المبدع أو الشاعر على أي جائزة من انتقادات. لأن كل طرف يعبر عن وجهة نظره ويدلي بما يثبت صحة ما يدعي ويدافع عنه. خاصة من قبل عدد من المبدعين والشعراء المغاربة الذين اعتبروا أن هناك من الشعراء من يستحقونها إما لأن لهم سبق تاريخي في كتابة الشعر أو لأن لهم إنتاج كثير ومتين، أو لأن لهم تميز في التعبير عن كثير من الظواهر في الواقع التي أغنت الشعر المغربي، أو لأن هناك شعراء أولى بها من غيرهم”.

هذه الانتقادات والملاحظات ووجهات النظر المختلفة -وفق النعمة- التي رافقت فوز الأشعري بهذه الجائزة تعتبر انتصارا للشعر المغربي وإسهاما في رقيه وازدهاره. لأن كل طرف عبّر عما أحس به وخالجه غيرة منه على الجائزة وعلى الإبداع الشعري. واستشهد على ذلك بأدلة عزز بها رأيه. وهذه تعتبر ظاهرة إيجابية وفعالة تخدم الشعر والشعراء.

تجربته الشعرية

المتأمل لتجربة الأشعري في الكتابة الشعرية، حسب الشاعر المساوي، يجده واحدا من قلائل أخلصوا للموقف السياسي إخلاصا بلغ حد التضحية، لكنهم لم يضحوا بالتشكيل الشعري لصالح ذلك الموقف السياسي أو الاجتماعي

ووعي الأشعري الحاد بشرط جماليات القول الشعري يعد سندا أمتن لصلابة الموقف الاجتماعي والسياسي، بل زاده ذلك الوعي الجمالي مصداقية أخرى، لا تتأتى -عادة- لمن يسلم عنانه لكف المؤثرات الوقتية، فباستثناء بعض القصائد المنتمية لديوانه الأول “صهيل الخيل الجريحة” الصادر سنة 1978، التي طغى فيها صوت المناضل المحرض على صوت المبدع الرائي، فإن التجارب التي تلت ذلك تكشف عن شاعر مسكون بهاجس التشكيل الشعري والرؤية العميقة التي تدمج الجزئي الناتئ في خضم اللغة الشعرية والرؤية الشاملة، دونما تخل عن صوت الذات الخاص في حواره الممتد مع مختلف أشكال الوجود، وأصناف الكائنات المادية والرمزية.

إن قارئا جيدا لقصيدة الأشعري لا بد أن يعاني مما عاناه الشاعر عند كتابتها، فهي لا تقترح قراءة سهلة في طقوس عادية. كما لا يكفي هذا القارئ تمكنه من أدوات البلاغة لكي يصل إلى “تنزيل” حمولتها، وإنما عليه أن يتقوى عليها بالمعرفة والاستعداد، أي أن يساهم في كتابتها مرة أخرى، لعله يصل إلى أصقاع الرؤى التي تشي بها أبعادها.

ويرى الدكتور النعمة أن الأشعري من الشعراء المغاربة الذين راكموا تجربة شعرية طويلة وغنية منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، وظل يثري القصيدة النثرية ويزيدها ألقا وتوهجا وإشعاعا وإبداعا من خلال قصائده المتعددة والمعبرة المنشورة بدواوينه الشعرية مثل “عينان بسعة الحلم، يومية النار والسفر، سيرة المطر، مائيات، سرير لعزلة السنبلة، حكايات صخرية، قصائد نائية، أجنحة بيضاء في قدميها، يباب لا يقتل أحدا” وغيرها من الدواوين. وتميزت تلك الدواوين، وفق ماء العينين، في مجملها بالتعبير عن الوجود والحب والحياة والحرية والمقاومة والإنسان والقيم والطبيعة والتحرر بلغة عربية رصينة، وكانت بذلك صورة معبرة عما نعيشه ونسعى لتحقيقه وتجسيده في واقعنا المضطرب والمتناقض، من خلال ما أبدعه وخطه بأنامله في متنه الشعري المتنوع الذي لم يتوقف منذ أكثر من 3 عقود، ومازال يبدع من خلاله ويعبر دون كلل أو يأس أو ملل، وتلك سمة من سمات الشاعر المبدع المتوهج.

ردود الأشعري

رغم الانتقادات، فالأشعري ليس متطفلا على الشعر، ولديه تراكم شعري، فقد عبر في مناسبات عدة عن سعادته بالجائزة التي اعتبرها التفاتة لتجربته، وهو نوع من الإنصات للمنجز الشعري المغربي. لأن هذا الإنجاز منذ جيل الرواد مرورا بجيل السبعينيات، إلى الأجيال اللاحقة، له تجربة خاصة تتسم بتعدد الأصوات والتجارب، وبمحاولات في بناء علاقة خاصة باللغة العربية، في المغرب الذي شكلت فيه الأمازيغية والعامية المنابع الشعرية الأساسية.

ورغم تراجع الحضور الشعري في الساحة الثقافية، يرى الأشعري أن الشعر كان دائما وسيظل ممارسة هامشية، فالشعر لا يريد أن ينخرط في العادي والمبتذل والسائد، فعندما يحس بنوع من المحاصرة، ينتبذ مكانا قصيا، ويمارس عمله الأساس الذي 

يعتبره عملا على اللغة والخيال المشترك، وإيقاظ الإحساس بالجمال.

(٭عن الجزيرة نت)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق