آراء

كوكاسيات

سحر الصورة الصحفية

عبد العزيز كوكاس

اهتم رولان بارث بالصورة في إطار تحليله للأنساق الثقافية والرمزية التي تحكم المجتمع المعاصر، وتناول فوتوغرافيا الإشهار، فوتوغرافيا الموضة فوتوغرافيا الصحافة والفوتوغرافيا الفنية. إذ بالنسبة إليه لا تعتبر الصورة الفوتوغرافية مجر جرد لدوال تقريرية بل علينا أن نبحث عن المدلولات الإيحائية للوصول إلى النسق الإيديولوجي الكامن خلف الصورة والذي يسميه “الأسطورة”.

إن الصورة الصحافية ليست مجرد تكسير لخطية الكتابة الصحافية، أو أيقونة تزيينية لمنح المتلقي فسحة لاستخدام حواس أخرى لإحياء الكلمات، فالصورة إرسالية، نسق من الدوال والمدلولات التي تخفي معاني إيحائية في ظل سياقات ثقافية واجتماعية معينة.. “الصورة الصحافية ” إضافة جديدة، إبدال آخر لمجال معالجة الخبر الصحفي، حيث تنوب الصورة الذكية عن إسهاب اللغة، بُعد ترميزي يثبت اللحظات الجارحة بعدسة ماكرة، حين تتحول الصورة من مجرد ديكور تزييني أو حلية نضعها على جيد نص المقال إلى متن أساسي ملئ بالسحر يحفز الحواس على اليقظة والبحث خارج إطار الصورة عن المتضمنات المجتمعية والثقافية الموجودة خلف الألوان والأشكال والملامح، يحمل دلالات ورموزا تحفز المتلقي على المشاركة في إنتاج الدلالة، إشارة مركزة من مظاهر الحياة اليومية تنقلها عين ذكية إلى بؤرة المستقبل، وتصبح اللغة حاشية على متن الصورة، تعاليق ساخرة من مرارة الصورة المنغمسة في وحل معاناتنا، تركيز شديد على الملامح والهيئات والوجوه وأبعاد إيحاءاتها، فتنة الدال وغبطته حيث يصبح الإيجاز أبلغ، لأن الصورة لوحدها تفيض بالمعنى، تورط القارئ في مأزق القلق والخوف والضحك المر لاستهجان اختلالات تدبير الشأن العام، أو نقد انحرافات في سلوك المواطنين، وبعبارة أخرى فالصورة الصحافية؛ تحاور إحساسنا بفظاعة المتوحش فينا، لكي نناضل معا من أجل أن يصبح واقعنا أكثر إنسانية.

المواطن العربي قارئ أعمى، فهو حديث عهد بالثقافة البصرية، فالشفاهي هو الذي يحكم ثقافتنا (خذ العلم من أفواه الرجال، العلم في الصدور لا في السطور).. لكن التطور التكنولوجي اليوم فرض بقوة سلطة الصورة، التي تحيل على أزمنة عديدة، وتثبت اللحظة المنفلتة من أسر الزمن، حيث يتداخل المكتوب الخطي والصورة التي يقال عادة إنها تكثف دلالة ألف كلمة في فوتوغرافيا الصحافة، لقد كانت صورة واحدة كافية لتستقطب اهتمام أحد أكبر نقاد ومفكري القرن العشرين بكتاب مركز حول “الغرفة المضيئة”، لنستمتع بقراءة بارث لإحدى صور بداية القرن العشرين:

“ها هي عائلة زنجية أمريكية صورها فان درزي سنة 1923.. الستوديوم فيها واضح: أهتم و أنا متعاطف، كذات ثقافية صالحة, بما تقوله الصورة ( إنها صورة جيدة): لأنها تعبر عن الاحترامية، والعائلية والمحافظة، والتزيي بزي الأحد و الأعياد, و عن جهد في الترقي المجتمعي قصد التحلي بصفات الرجل الأبيض (جهد مؤثر بقدر ما هو ساذج). تهمني الفرجة ولا (تخزني). ما يخزني هو الحزام العريض للأخت (أو البنت) ساعداها المتشابكان خلف ظهرها، كتلميذة، ولا سيما حذاؤها ذو السيور، لماذا يؤثر في زي عتيق عفى عليه الزمن؟ أعني: إلى أي تاريخ يعيدني؟ هذا السنان يحرك في تعاطفا شديدا يكاد يكون حنانا”. لا تنحصر القراءة في بعد الدلالات التي تحملها الصورة الفوتوغرافية، بل ما تستدعيه فينا، تلك الأبعاد الإيحائية العميقة التي تثير فينا أساطيرنا الخاصة، محكياتنا وذاكرتنا الفردية والجماعية، إنه سحر الصورة بامتياز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق