ثقافة وفن

قصة قصيرة

تغريبة ونصف دقيقة

غالية عيسى

(أنا الظِّلُ الهائلُ لدموعي)

“فيدريكو غارسيا لوركا”

انحنى الظِّلُ يقبلها، حين تعثرتْ بضوء الوطن الذي سقط على جناح الرِّيح وطار بعيداً، هكذا كان ينحني ظلها كلما دنتْ باتجاه الأرض لتحمل حقيبتها التي لم تستقر على أرض النزوح؛ لكنها بعزمٍ هذه المرة حملتْ حقيبتها وخرجتْ من خيمتها مسرعة،  تركض بقوة وهي تحدِّث نفسها :

لابدَّ أن الحق بالقطار، لن أدعهُ يمضي دوني، يجب أن أصل إلى بلدي هذا اليوم، سئمتُ هذه البلدة التي نزحتُ إليها منذُ عشر سنواتٍ، سئمتُ وحدتي وسئمتُ الغربة، يجب أن أبحث عن زوجي الحبيب بعد أن فقدتهُ في ذلك اليوم البائس حين نزح كل سكان البلدة .

صحيح أنني لا أعلم إن كان مازال على قيد الحياة بعد أن أخذهُ أولئك الجنود من باب القطار وتركوني أرحل وحيدة مع طفلي الرضيع؛ ولكني سأبحث عنه حتى الموت.

سمعتْ صفارة القطار فأسرعت راكضةً إليه، تتعثر بالضوء الخافت الذي ينعكس على وجهها الأبيض الداكن كياسمين الشام؛ فيتبعها الظل الممتد على الأرض الذي لم تعد تحتملها فقررتْ الهروب.   

أخيراً أدركتْ القطار، فصعدتْ عليه وأنفاسها تكاد تنقطع من شدة التعب، نظرتْ شزرا إلى وجوه أولئك الرجال الذين لم يحرك أحد منهم ساكناً للتنازل لها عن مقعده.

تتدحرج عيناها غضباً وتحدِّث نفسها:

يا للخيبة أين النخوة؟ يا إلهي كم أصبحتْ الأرواح خاوية!

نظرتْ إليها تلك العجوز التي كانت تجلس بجانب رجل أشعث كثيف الشعر متسخ الأظافر وسيئ الرائحة، ثم أشارتْ لها تدعوها:

ثمة حيِّزٍ ضيِّقٍ من الفراغ، تعالي اجلسي بيني وبين هذا المجنون؛ فقد اختنقت برائحته.

ضحكت “تغريبة ” وهي تجلس ما بين العجوز والرجل؛ لكن سرعان ما تحولت ضحكتها إلى ذهول،

يا إلهي رغم سوء رائحة هذا الرجل إﻵ أنني أشتم من ورائها رائحة أخرى أعرفها جيداً.

حاولتْ أن تنظر إلى وجهه؛ لكنهُ كان مستغرقاً في النظر

إلى اﻷشجار التي تتراءى له من زجاج نافذة القطار.

التصقتْ بجسده أكثر لعلها تتحسس شيئاً ما!

نعم هي تلك الحرارة التي تمزق قلبي نعم تلك الحرارة الشرقية لا تنبعث إلا من جسد زوجي الحبيب.

تجرأتْ ونادته بهدوء:

” غريب „!

التفت إليها وكأنه يسمع سيمفونية عذبة لامست قلبهُ من فردوس الماضي، التقت أعينهم؛ عيناها عسليتان مُتعبتان مازال يتقاطر من بريقهما رحيق شهد ودفء نجوم، وعيناه سوداوان منهكتان مهزومتان تنتظران بزوغ اللحظة اﻷخيرة من الحياة. تعانقتْ أعينهما وقلبيهما وروحيهما، كانت تتفحص وجهه المتهالك وتنظر لساعتها.  كم تود لو يصل القطار الآن ليعودا إلى منزلهما القديم، لتضمهُ إلى صدرها وتعانقهُ بحرارة تلك السنيين، وذاك الحب الذي لم يخمد في قلبها يوماً. يقفز الحب سعادةً من عينيها وكأنها عثرتْ على الحياة من جديد؛ لكن شيئاً واحداً كان يؤرقها؛ كيف ستخبرهُ عن وفاة طفلهما الرضيع الذي لم يتحمل الجوع وعناء السفر عند النزوح؛ ففارق الحياة قبل وصول القطار؟ أما هو فقد كان ينظر إليها بحزن وانكسار، يضطرب بداخله الفرح، الذي لم يعد من مكان لهُ في عالمه المتدثر بالخيبات والخذلان، يضحك بسخرية وهو يحدِّث نفسه:

كم أحبك أيتها الجميلة؛ ولكن ماذا ستجدين من رجل أشعث متسخ وبلا روح، وماذا لو أخبرتك أن أولئك الجنود قد أفقدوني رجولتي إثر التعذيب في معتقلاتهم الظالمة!؟

تتساقط الدموع من عينيه وهو يلفظ آهٍ ثقيلة: يا لسخرية الحياة، لماذا وجدتكِ اﻵن، يا ويح قلبي، لماذا تصر الحياة على تعذيبي، لماذا ذهبتِ الآن للبحث عني، فأنا لم أعد ذلك الرجل الممتلئ بالحياة، أنا لم أعد سوى ذلك الظِّل الهائل لدموعي، أنا رجل ينتظر بفارغ الصبر بزوغ اللحظة الأخيرة من حياته.    

لم تنزل “تغريبة” عينيها من عيني حبيبها، فقط كانت تفكر كيف ستعيدهُ كما كان، ما الملابس التي ستشتريها له، وبأيِّ طريقةٍ ستهذب له شعره وأظافره، وبأيِّ العطور ستغرقهُ؟

كل ذلك سيكون لاحقاً لأن أول شيء سأقومُ به هو معانقته رغم اتساخه ورغم تلك الرائحة النتنة سأعانقهُ أولاً، سأستنشق أنفاسهُ الشرقية التي تمتزج بعذوبة شاعر ورقة رسامٍ فنان وشجيٌّ موسيقيٍّ حالمٍ، سأضمهُ بين ذراعي ليعلم مدى شوقي وحاجتي إليه.

قاطع تفكيرها صوت قائد القطار يخبر المسافرين أنه تبقت فقط دقيقة على وصولهم.

ازدادت ضربات قلب “تغريبة” واشتدت فرحتها وهي تنظر إلى زوجها الحبيب وتنظر إلى معالم وطنها الذي بدأت مكنوناته تتراءى لها من زجاج نافذة القطار: ” آهٍ كم اشتقتُ إليكما”!

مدٍت يدها باستحياءٍ إلى يد “غريب” وأمسكتها بقوة، حدثتهُ بثقةٍ وهي تنظر بشوق إلى عينيه: أعدك أنني سأمسك بيدك هذه حتى الموت.

لكنها نصف دقيقة جاء من خلالها قطارٌ مُسرعٌ من الجهة المقابلة بفعل اللامبالاة وعدم المسؤولية والدِّقة التي تفشى وباؤها في تلك البلاد.

اصطدم القطاران، تطايرت اﻷحلام، اُنتزعت اليدان من بعضهما وتصاعد الدخان.

نيران تعبث بالحياة هنا، أنين المحترقين، أصوات تستغيث ولا صوت ” لغريب “

وها هي تغريبة تصارع سكرات الموت، نظرتْ إلى عجلات ذلك القطار التي كانت مازالت تدور بفعل قوة الصدمة، ورددت بسخرية:

“القطار الذي سقط في العيون اليابسة

مازالت عجلاتهُ تدور؛ لكنهُ مقلوب وظهره انكسر”

نظرتْ إلى تلك اللوحة الواقفة هناك، مكتوب عليها:

(مرحباً بكم في أرض الوطن)

ابتسمتْ وهي تلفظ أنفاسها اﻷخيرة:

سحقاً لهذا الوطن

سرق مني الحياة مرتين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق