سياسة

وداعا منصور خالد مهندس النجاحات (2)

قرنق توماس ضل

المهم ان منصور خالد كان مباشرا و حادا و مؤلما و فصيحا و منطقيا في وصف هذه النخب بالفشل بل و بإدمانه في سفر من الحقائق المتماسكة مما زاد في ايغار صدورهم فيطلقون عليه بعض الاقلام المتقاصرة ينتاشونه بكتابات باهته و لزجة على شاكلة انه ايضا من هذه النخبة الفاشلة وهو لم يقل غير ذلك او يعايرونه انه كان مايويا رغم ان مايو كلها ان لم ابالغ كانت نجاحات منصور خالد في الشباب و  الرياضة (كاس امم افريقيا الطلائع و مراكز الشباب و حملات التطوع و محو الامية )و في الخارجية(استقرار و تطور العلاقات الدولية من كل الاقطاب ) و في التربية و التعليم( تأسيس الجامعات و مراكز البحث )  فمعظم النجاحات في هذه الوزارات ارتبطت باسم فقيدنا الكبير لم يجد رفقاءه الغيارى و الحيارى و مدمني الفشل سوى فعل ما يجيدونه على الدوام اغتيال الشخصية و التنميط اي اختلاق الصورة النمطية عبر كمية من الاكاذيب و الافتراءات (المخابرات و المايوية و الترفع الخ ) و بثها في الذاكرة الجمعية و غناءها كالأناشيد ليل نهار و لكن منصور خالد كان جبلا و بذله الفكري و السياسي و العام موثق يماثله في ذلك الاستاذ محمود محمد طه المثقف و المفكر المغتال في مقابل الفشل النخبوي العام ..

ثم يكتب الدكتور منصور خالد سفره النادر على الاطلاق في سياق عنوانه الباتع  #جنوب السودان في المخيلة العربية و في كتابه هذا فند الكثير من التخاليط و التصورات الخاطئة و المركبة تركيبا اعلاميا في المخيلة العربية عن جنوب السودان و المتراوحة بين نظريات المؤامرة و احلام البوابات الاسلامية لأفريقيا و مصدات المطامع الاسرائيلية و الخطورة على المد العربي و الادعاءات الاستعمارية و ما شابه كل ذلك من الخزعبلات المحشوة حشوا حثيثا في المخيلة العربية (و بعض السودانية في زعمي  ) و ذلك برافعة من بعض  النزوع النخبوي السوداني لانكار هوياتها و ذواتها و وجوهها  في المرايات الانسانية التي اتجهت تستقطب التيارات السياسية و القومية و الاسلامية في الشرق الاوسط و المنطقة العربية و هي تيارات كانت مرتكزاتها دعائية بامتياز و تحاول تركيبها في الحالة السودانية المتميزة بتنوعه و تعدده الانساني و الثقافي و الديني الذاخر فتم في خضم ذلك نسج الكثير من المرويات الخرافية عن حقيقة جنوب السودان الذي كان يصارع على الدوام صراعا وجوديا في الحفاظ على شخصيته و هويته .. نجح منصور خالد في تفنيد كل هذه التخاليط بالحقيقة التاريخية و المعرفة الموسوعية و فضح الجهل المريع الذي عشعش المخيلة العربية و اعاد الاعتبار التاريخي لجنوب السودان و يعتبر هذا من الكتابات الوطنية و السياسية و المعرفية النادرة  الغنية بالمعلومة و الحقيقة الساطعة عن جنوب السودان و المتعامية عنها بفعل النزعات النخبوية الباكرة في تغيير السمات التاريخية و الجغرافية و الاجتماعية المشتركة الحقيقية الماثلة بين المجموعات السكانية السودانية في اتجاه سمات افتراضية متوهمة غارقة في الالتباس فالتوت كل اعناق الحقائق عن الجنوب ووصلت بتلك الصورة الشائهة للمخيلة العربية …كان جهدا عظيما من الفقيد الكبير و أي جهد .

و اما كتاب منصور خالد اللاحق الذي صدر بالعربية و الانجليزية #سنواتالحربوطموحاتالسلامقصةبلدين فهو يوضح كيف كان الفقيد الكبير مهتما و لصيقا بمعضلة السياسة السودانية الكأداء المتمثلة في مشكلة جنوب السودان الفاضحة لفشل النخبة المركزية المتنفذة على مدار الحكم الوطني المتراوح بين الديمقراطيات و الانقلابات و هو كتاب قيم و استثنائي يؤكد قدرات منصور خالد الهائلة في التوثيق و الاستقصاء و تحكيم الامانة الوطنية و العلمية فقد كتب بصدق و بمسؤولية رفقة التاريخ المأزوم بالخيبات و اهدار فرص البناء الوطني و نقض المواثيق و العهود فقد تسببت  قلة الهمة و شح الحساسية الوطنية و السياسة المظهرية الطافحة ان تكون قصة السودان هي قصة بلدين فسنوات الحرب هي سنوات اطول حرب اهلية في العالم و طموحات السلام هي سلسلة المؤتمرات و الاتفاقيات و المعاهدات التي جرت بغرض السلام و الوحدة و البناء الوطني في جوبا في الاربعينات و في الخرطوم في الستينات في مؤتمر المائدة المستديرة و في السبعينات في اتفاقية اديس ابابا و في ايام الديمقراطية الثالثة في شكدم و كوكادام و الميرغني قرنق في الثمانينات  و اسمرا  ابوجا و مشاكوس و نيفاشا في سنين الانقاذ التسعينات و الألفيات الخ اما قصة البلدين هي حال السودان منذ الاستقلال لضعف المبادرة السياسية و هي ايضا رؤية فقيدنا الكبير التي كانت نبوءة ايضا لتوقعه اذا استمر الفشل المعتاد ان ينفصل الجنوب و تصبح دولة وهذا ما حدث لاحقا عندما اجري الاستفتاء ضمن استحقاقات اتفاقية نيفاشا للسلام الشامل و هي اتفاقية كانت قد صممت لأجل وحدة في نظام علماني او وحدة كونفدرالية او انفصال بإحسان يسمى تقرير المصير في حال فشل الجميع ففشل الجميع و انفصل جنوب السودان معلنا استقلاله و بقيت القصة قصة بلدين و هي قصة حزينة و مأساوية جسدت تخاليط الاعتداد الزائف بالدين و العرق و الاتجاه الخ مما ادي الى  متلازمة ادمان الفشل التي يقول عليها دائما منصور خالد  فتكاثرت الزعازع و تناقصت الاوتاد و انشطرت البلاد الكبيرة  و هي الدولة العظيمة التي حكمتها اقزام فانتهت الى دولتين فاشلتين لا يسمع فيهما لأمثال منصور خالد ..

ثم كتب فقيدنا سفره القيم و الهم هو الهم و الأسى كذلك كتب  #تكاثر الزعازع وتناقص الاوتاد  و هو كتابه الذي اجتمعت له  بصيرة المؤرخ و روح الوطني الغيور المشفق و استشعار السياسي المحنك و رؤية رجل الدولة الخبير و القريب من مطابخ القرارات الدولية و المحلية فقد رأي قرب انهيار الاتحاد السوداني التاريخي لخص تضاعيف كتابه من معلومات و مسارات سياسية و مدلهمات وطنية في عنوان كتابه المائز تكاثر الزعازع و تناقص الاوتاد عندما رأي عدم التزام الاطراف بما تواثقوا عليه في اتفاقية السلام الشامل الشهيرة باتفاقية نيفاشا و هو الذي الذي شهد ذات المآلات في المائدة المستديرة و في اتفاقية اديس ابابا و ها هو الان يشهد نفس قلة الهمة و ضمور الحس الوطني و الاستخفاف بمآلات عدم الالتزام و نقض العهود و للحقيقة و التاريخ فان الفقيد الكبير كان من مهندسي النجاح في الاتفاقيتين اديس ابابا و نيفاشا في مسؤولية وطنية تحمد له تطرق في مقالاته هذه (الكتاب مجموعة مقالات ) لشماليي الحركة و مآلهم بعد ذهاب الجنوب الى حال سبيله في جسارة و شجاعة منقطعة النظير بعد قضى سنين بذله السياسي و الفكري في التحذير من متلازمة ادمان الفشل هذه عبر قرابة الاربعة عقود يحذر من مغبة اهدار الفرص التي توفرت في كل عقد لإعلاء القيمة الوطنية و تمتين عناصر الاتحاد السوداني و لكن هيهات فهذه البلاد لا تتبين حتى ضحى الغد و هو غد ضنين على السودان الذي اصبح سودانيين فاشلين كما توقع و تنبأ به الفقيد الكبير ……

و عند القول بان منصور خالد هو مهندس النجاحات فذلك لا يعني فقط نجاحه الاداري و التنفيذي اللافت و المتميز في الشباب و الخارجية و التعليم و ليس فقط نجاحه الاممي في المنظمات الدولية في اليونسكو و غيرها و لا نجاحه كأستاذ جامعي في اعرق الجامعات الغربية  و لا فقط ركونه وراء اكثر الاتفاقيات مساهمة في اسكات البندقية و تطبيع السلام في اديس و نيفاشا و غيرها لكننا نعني ايضا هذا النجاح الفكري الكبير المتمثل في هذه المكتبة الهائلة المبذولة للأجيال يضطلعون فيها عن كيف كانت بلادهم تساس عبر اربعة عقود و كيف كانت السياسة و السياسيين و كيف استمر الفشل كل هذه السنين و لماذا و من من …

جعل يكتب ويكتب فترك للناس مكتبة هائلة حتى كتب سيرته الذاتية التي هي   من اصداراته الملحمية التي اسماها شذرات من وهوا مشعلي سيرة ذاتية ليقتحم ادبا رفيعا يحتاج للشجعان و هو ادب و مضمار يتحاشاه جيله و القليلين في التاريخ السوداني هم من تجاسروا على كتابة سيرتهم دون ازياد على راسهم رائد تعليم المرأة بابكر بدري و يفوق منصور خالد الجميع ان سيرته التي اصدرها في اربعة مجلدات اجزاء انها كانت تحفة بريعة و بديعة من الادب و الفكر و الفلسفة و التاريخ و السياسة و الاجتماع..

ولئن يفتئد بعض الاقلام المتقاصرة عما وصل اليه الفقيد الكبير من مكانة علمية و سياسية منتجة و ايجابية يسودون الصحف بكتابات تقودها الحسد و الغيرة و ربما الجهل بأقدار الناس يتنمرون بأناشيد محفوظة نسجها خصومه السياسيين حين اعياهم بلوغ تمكنه في الادارة و السياسية و المعرفة و فوق كل ذلك الوطنية..

الوطنية التي جعلت همه العام قضايا الحرب و السلام تقفى اثرها حتى انضم الى الحركة الشعبية لتحرير السودان في اختراق تاريخي لتقاليد التعاطي مع المشكل السوداني المحصورة في حركات التمرد على المركز قوامها الجنوبيين فكان بثقله السياسي و الاكاديمي و الاممي هو و مجموعة من الشماليين و لعل الحمل الاعلامي عليهم كان سببه هذا الاختيار الذي عرى مصدات النخب الكلاسيكية  ثم  قضايا الحوكمة و التنمية و قضايا النخب السياسية و لم يكن هما سلبيا بل كان هما منتجا يجترح الحلول و يستدعي الاعتبار كل مرة في عصف للذهن البصير رهيب  لذلك لم يختفي جنوب السودان قط من كل انتاجه الكتابي و لا اسهامه التنفيذي و لا اداءه السياسي و لم يتوانى على طول الخط من نقد عقلية النخب الحاكمة و لم يسكت يوما عن نصرة الاستاذ محمود محمد طه في مقابل قلة همة الساسة النخبويين لاجد بعد يسير اضطلاع ان الاستاذ محمود محمد طه كان المقابل الملتزم المتسق الموضوعي لتخاليط بعض  النخب المركزية …

هذا لان الاستاذ #محمودمحمدطه كان (و ارجو ان يسمح لي و يعزرني المتابع لهذا المقال لتكرار السياقات التي تتقاطع فيها سيرة الدكتور منصور و الاستاذ المهندس محمود محمد طة كل مرة ) اول من دخل السجن سجينا سياسيا لانه  كان يكتب المنشورات المعارضة للوجود الاستعماري و يقوم بتوزيعها و نشرها حتى اعتقل و سجن في حين كان اقرانه يكاتبون المستعمر او يتزلفون الطائفية او ينتهزون المشاعر الدينية و هو بعد ذلك كان من المنادين بجمهورية سودانية مستقلة عن مصر و بريطانيا بل قد كان من اول المنادين بالفدرالية و الاشتراكية حفاظا على الوحدة الوطنية و قد ذهب بعيدا فضضي ذلك بان وضع اسس دستور السودان(ورد فيه ما يشبه لاحقا الشكل الاداري الذي توصلت اليه الحركة الشعبية من الهرم الاداري الذي يبدا من البوما و البايام و المحافظة ثم الولاية ثم المركز مع مؤسساتها التمثيلية و التنفيذية و الحركية )  متقدما في ذلك على الكثير من رفقاءه السياسيين في ذلك الزمان من الاربعينات و الخمسينات رفقاءه الدعائيين المتنقلين بين موائد البيوتات و ولائم الاستعمار يغلبون التآمر على الحقائق حتى ينولوا تمكنهم السياسي  …الذين كانت تستهويهم الخطابة و النزوع الاقليمي و الانتماء للافتراض ..

كان محمود محمود طه واضحا و مباشرا و منتجا في تصديه للتهاويم التي يصدرها التيارات الاسلامية المتشكلة و التي لم تكن تعنيها الموضوع الوطني و التيارات الوطنية الانتهازية الاخرى المتحالفة مع الطائفية و حاضنتهم او بالأحرى حديقتهم الخلفية كمثل خريجي المعهد العلمي فنكر عليهم دعوتهم الخيالية و الانتهازية و الغريبة على الهم الوطني الذي سموه الدستور الاسلامي فكان الاستاذ يقول ان دستورنا هذا الفيدرالي و الاشتراكي هو الاسلامي لكن اكثر الناس لا يعلمون …

تصدى الاستاذ للمراهقة السياسية السائدة منذ الخمسينات ( صياغته لاسس دستور السودان )و في الستينات ساجل عن حقوق العمل و تساوي الاجور بغض النظر عن الجندر (سباقا في ذلك ) و العرق و الدين و الاتجاه و الغيارى من رفقاءه يجادلون و يحيلون المشهد السياسي الى فوضى بما اسموه الدستور الاسلامي و في السبعينات نصح النميري بان لا يستمع لحلفائه الجدد حسن الترابي و الصادق المهدي فيما يخص مساعيهم لتغيير دستور السودان لما في ذلك خطر محدق بوحدة السودان  و في الثمانينات كتب  هذا او الطوفان منشوره الذي رفض فيه قوانين النميري في سبتمبر التي  اسماها قوانين الشريعة حاجج بفكره  العميق  و علمه الغزير  و رايه السديد و دينه السليم رافضا اللوثة التي اصابت الجميع حينها على راسهم النميري ففجروا في تشويه صورته و تلطيخ صفحته البيضاء بالأكاذيب و الافتراءات حتى اغتاله النميري بايعاز من كل اليمين المتاح حينها الاخوان و حزب الامة و الوهابيين السلفية فقد كانوا كلهم حلفاء النميري حينها لانهم و كانت اطراف سياط الاستاذ التي تفضح تكلسهم تصلهم فيتأبطون به شرا حتى حظوا به بأمر الدكتاتور و اعدموه في واحدة من مهازل التاريخ السياسي  السوداني و قاموا في الحاح سقيم على التعتيم على سيرته الوطنية و الفكرية الناصعة السيرة التي تشعرهم بالعار و لو تواروا خلف المرافعات اللزجة او لاكوا اناشيدهم النمطية عن الاستاذ عندها اضطلع منصور خالد بالمهمة المقابلة و هي الانتصار للأستاذ و لفكره و لسهمه الوطني و هو الذي بح صوته و هو يقول في الناس الحرية لنا و لسوانا …

يكتب عنه في شخصه و يكتب عنه في فكره و يكتب عنه في  راءيه السياسي و يكتب عنه فيما تعرض له من غيرة و حسد و اغتيال فينصره و  ينفض الغبار عن شمائله و فضائله و ينسمه مكانته التي تجب و يجب…

ينطبع لدى المتابعين ان منصور خالد يحترف فقط الكتابة ذات الطابع السياسي و التاريخي و التوثيقي  و لكن الفقيد الكبير ضليع في الكتابة الادبية و الفنية و الفلسفية بل هو من الموسوعيين في تلك المضامير تشهد له كتاباته عن الفن التشكيلي و عن فن الغناء خاصة غناء الحقيبة و عن مآثر رموز الاعلام و التعليم و الغناء و الشعر و الادب و الثقافة و التصوف  في السودان …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق