سلايدرسياسة

سفينة بَوْح

أطفال في القيادة!

هيثم الفضل

رغم أن زخم التغيير وآفاق الإستنارة الجمعية التي صنعتها ثورة ديسمبر المجيدة بكل ما فيها من إنجازات وإخفاقات ، قد عمَّت جذوتها كل الناس بكافة أعمارهم وقُدراتهم وتوجُّهاتهم ، إلا أن أمر (تقنين) وتنظيم مسيرة الفاعلين فيها من أبناءنا في لجان المقاومة وغيرها من المؤسسات الثورية ، أصبح واجباً ضرورياً ومُلِّحاً ، وذلك حتى تتوافق فعالياتها مع روح القانون والأعراف التي تستهدف المصلحة العامة ، فما حدث من تداعيات سلبية عبر الوقائع المؤسفة التي حدثت قبل أيام في اعتصام مستشفى التميُّز والتي توجَّتها مأساة اغتيال الطفل حسن عبد الله البالغ من العمر ستة عشر عاماً ، فيه إشارات كبيرة إلى أن (تجويد) الضوابط التي تحكم تنظيمات لجان المقاومة وإدارة مهامها باتت مطلب عاجل ، وأن وجود استشاريين وذوي خبرات يوجِّهون ويرشدون أبناءنا نحو تبَّني الطُرق والأساليب الصحيحة في توزيع الأدوار وتحديد المهام وتخطيط الفعاليات بما يوفِّر أكبر قدر ممكن من السلامة و الأمن لأعضاء اللجان ، هو بالتأكيد أقصر طريق لتحقيق المطالب بأقل قدر من الخسائر والمخاطر.

ورغم إيماننا التام بدور صغار السن في الثورة ومساهمتهم الفاعلة التي ولَّدتها قناعاتهم الراسخة بأنهم يسعون وراء الحصول على حقوقهم المشروعة ، إلا أن مشاركة أطفال دون الثامنة العشرة في مثل تلك الفعاليات التي تحوم حولها المخاطر من كافة الاتجاهات المُعادية للثورة ، سيظل مرهوناً بخبرة وحكمة القيادات الراشدة في لجان المقاومة عبر تحديد أدوار الناشطين  ، فضلاً عن وضع الشروط التي تؤهِّل الشباب للانخراط في التنظيمات الهيكلية لفرعيات العمل بلجان المقاومة بما فيها العُمر والمؤهلات والخبرات المتوفِّرة ، فتحديد أعمار الناشطين وقصر أدوارهم ومهامهم في ما يناسب أعمارهم وتأهيلهم ، مع التركيز على وجودهم ضمن خبرات راشدة  وقادرة على التوجيه والسيطرة على الانفعالات المُضرة بالقضية والمُهدِّدة للسلامة والأمن العام ، هو جوهر ما يمكن أن نُطلق عليه (التأمين الثوري) ضد مؤامرات الفلول والطامعين.

لقد أقرَّت معظم القوانين والأعراف الدولية شروطاً خاصة في مجال (استثمار) طاقات الأطفال فيما يفيدهم ويفيد المجتمع ، وفق قواعد كثيرة أهمها تأمين سلامتهم وأداء حقوقهم المنصوص عليها في كافة الدساتير ، فضلاً عن منع استغلالهم أو حتى إيكال المهام لهم دون إرشاد أو وجود احتياطات تضمن عدم تعرضهم للمخاطر ، ومن هذا المنطلق فإن رؤساء وقيادات لجان المقاومة في الأحياء المختلفة مسئولين مسئولية مباشرة عن سلامة الثوار الذين هم في سن الطفولة ، وذلك عن طريق إبعادهم عن المواقع المتقدمة في مختلف دوائر المسئوليات ، وتكليفهم على قدر قدراتهم وخبراتهم المحدودة في إدارة الأزمات  ، اللهم تقبَّل الشهيد حسن عبد الله البالغ من العمر ستة عشر عاماً ، والمُعرَّف عبر البيانات التي نعتهُ بأنهُ (أحد قيادات لجان مقاومة العشرة).

افتح صفحة جديدة وانتظر!

ما زال قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو يُصرُ على اجترار مرارات الماضي، رغم أن كل مؤشرات النجاة من عواقب الماضي تدفع الجميع بما فيهم القائد حميدتي إلى عدم الإرتكان إلى اجتراره دون تضحية الإدلاء بشهادات وإجابات شافية وناجعة قادرة على تعديل (الثوابت) التي بُنيَّت في عقول الناس بالشواهد والإثباتات وربما أيضاً الشائعات، وقادرة أيضاً أن تُمثِّل (شفاءاً) ناجعاً للجراح النازفة والأحزان المُتدِّفقة في قلوب العامة وأفئدة أُسر الشهداء والجرحى والمفقودين.

فالحصافة والحكمة والدبلوماسية كأدوات للسلامة والخروج من الأزمات ، كانت أوجب ما يمكن أن يتبعهُ القائد حميدتي كلما  ثارت حولهُ الشكوك أو تناوشتهُ الاتهامات أو أرهقتهُ العداوات (أو كما قال) ، فقد عجب معظم المراقبون المتخصصون في الشأن السياسي الحالي ، من ذلك الخطاب العاطفي الذي ألقاه القائد حميدتي في حفل تأبين أحد شهداء الحركة الشعبية ، والذي أكثر واستزاد فيه من استعطاف العامة وبثهُم شكواه المتعلِّقة بكثرة الاتهامات واستهدافه بالشائعات ، ومحاولة تشويه صورتهُ أمام الشعب السوداني ، وفي ذات الوقت لم يبذل في ذلك الخطاب جهداً في الإدلاء بدليلٍ واحد حتى وإن كان ضعيفاً ليدافع به عن نفسه ، وفي ذات الصياغ ظل يُكرِّر مرةً تلو الأخرى أنهُ كان السبب وراء نجاح الثورة ، مُتناسياً أن الثورات لا يجب أن تُنسب فضيلة إنجازها إلا للشعوب والأمم ، وفقاً لقاعدة أن كل مافي السودان من خيرات وسوءات ستظل مآلاته ملكاً للشعب السوداني بما في ذلك الجيش وقوات الدعم السريع (إن صح فعلاً وقولاً وقانوناً  ودستوراً) أنها جزءٌ لا يتجزأ من الجيش السوداني) ، وأن الشعب السوداني عندما تُحكى قصة نضالهِ وتضحياته واضطلاعه بأعباء ثورة ديسمبر المجيدة وإنجازها ، لا يمكن أن تُبتدر روايتها إلا من وحي نضالاتهِ في كرري وأم دبيكرات وأكتوبر وأبريل ، فثورة ديسمبر كانت ثمرة لنضالات الشعب السوداني التي بدأت تحارب نظام الإنقاذ البائد منذ انقلاب 89 وقبل ذلك بعقود تحت طائلة استهداف رسوخ نظام ديموقراطي دائم ومتواتر ومُحصَّن ضد الانقلابات العسكرية وغيرها من أشكال الحكم الشمولي.

على القائد حميدتي وغيرهُ من الذين تدورُ حولهم الشُبهات والاتهامات في قضايا وطنية وإنسانية وسياسية كثيرة لا حصر لها ، أن يوقِنوا أن (أجدى) سبيل للنجاة من العواقب المعنوية والمادية والقانونية والسياسية هو الإنحناء للعاصفة ثم الصمت والامتناع عن اجترار ذكريات الماضي المرير ، عليهم أن يتركوا الكلمة للقانون والقضاء واللجان المتخصِّصة التي في نهاية الأمر عاجلاً أم آجلاً ستُدلي بدلوها وتُبريء من تشاء وتُجرِّم من تشاء ، فتوجيه الرأي العام لن يُجدي طالما كان الأمر بيد القضاء والعدالة التي نفترض أنها الآن على أعتاب دخولها حظيرة النزاهة والانحياز للقيَّم والأخلاقيات المهنية ، عليهم إن كانوا بالفعل مخلصين للوطن والشعب أن يفتحوا (صفحتهم) الجديدة ويعملوا بجد من أجل إخراج البلاد من مأزقها الحالي ، وأن يتركوا (صفحة الماضي) للتاريخ والعدالة التي لا مناص سيعلو صوتها فوق صوت الظُلم والاستبداد ، هكذا وعد رب العباد ، وهذا ما جرت عليه قوانين الطبيعة وسُنة الكون.

مُشكلات وهمية

لو تم ربط تطبيق القانون وتحقيق العدالة بـ (مظهرية) القيِّم الأخلاقية والعاطفية للمجتمع ، لما تم التوافُق على إرساء القانون وفقاً لمبدأ المساواة وعمومية المصلحة عبر فرض الجزاء العادل للخارجين عن تعليماته ، فعلى سبيل المتاجرة بالأحداث لصالح دعم الباطل ، إعتاد فلول النظام البائد على إجادة التعامل مع منهج (كلمة حقٍ أُريد بها باطل) ، فأبدعوا كعادتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي في بث رسائل مشوَّهة عن موضوع استلام لجنة إزالة التمكين للقصر الذي تقيم فيه أسرة (المُتعَّدي على حقوق الشعب السوداني) علي عثمان محمد طه ، تستهدف في المقام الأول استعطاف الرأي العام الذي (تشبَّع) بما فيه الكفاية من الشواهد والإثباتات والوقائع التي تفيد أن أمثال علي عثمان محمد طه (متورِّطين) بما لا يدع مجالاً للشك في نهب أموال الدولة وحقوق الشعب ، عبر الكثير من المنافذ التي لا يمثِّل فيها هذا القصر المُسترد ، مثقال ذرة مما ارتكبوه من آثام في حق هذا الوطن وهذا الشعب الصبور المغلوب على أمره ، فالشعب السوداني وإن أصابتهُ الظنون  في بعض أعمال وإجراءات لجنة إزالة التمكين ، فلن يكون بأية حالٍ من الأحوال (تورُّط) على عثمان محمد طه في التغوُّل على الحق العام واحداً من تلك الظنون ، فالرجُل وبلا دخول في التفاصيل كان يوماً ما  مسئولاً عن كل شيء في إمبراطورية الفساد الكيزاني، ومن وجهة نظري كان الأحرى أن يُحاسب ويُساءل عن كل ملفات الفساد في عهد جبروته ونفوذه وإن كانت من صُنع أخرين غيرهُ من جحافل المتعَّدين على المال العام في ذلك العهد البائس.

أما الصورة العاطفية التي حاول الفلول رسمها عبر إظهار أسرة علي عثمان محمد طه في وضع مأساوي يستدعي الشفقة ، فلا تفسير لها غير كونها مُجرَّد (خدعة) تُستخدم ضمن مجموعة من الأسلحة التي تُحارب بها لجنة إزالة التمكين ،  وللحقيقة فإن تطبيق العدالة ومبدأ إنزال العقاب على المُتعدين سيظل (منظراً) مؤلماً على كافة المستويات ، فمن الذي لا يتألَّم ويحزن لو أُعدم قاتل أو سُجن سارق أو تم القصاص من مُعتدٍ ، لكن هل تُبرِّر أحزاننا وآلامنا اندفاعنا للتأثير على الرأي العام مُستهدفين دعمهُ تعطيل تطبيق القانون ومنع إرساء العدالة وإرجاع الحقوق إلى أهلها ، والتشهير بمسودة القانون والمؤسسة العدلية التي تُمثِّلها لجنة إزالة التمكين ؟.

على المُتباكين في ما أصاب أسرة علي عثمان محمد طه من (مشكلات وهمية) جرّاء تطبيق العدالة واسترداد مال الشعب السوداني بعد استوثاق جهات التحقيق من شراء جهاز الأمن والمخابرات التابع للنظام البائد للمبنى ومن ثم التنازل عنه لصالح المذكور ، أن يستصحبوا معهم صوراً أخرى لا تخلوا من الحزن ولا تنتمي لمنظومة القيِّم والأخلاق السودانية الأصيلة لعشرات الآلاف من السودانيين البُسطاء الذين شُرِّدوا من وظائفهم و طُردوا من منازلهم الحكومية التي استحقوها بدرجاتهم الوظيفية باللوائح والقوانين ، تحت طائلة قانون النظام العام وإرساء دعائم فقه التمكين السياسي للنظام الإنقاذي البائد ، والذي كان علي عثمان محمد طه أحد عرَّابيه والمهندس الرئيسي لخطته الرامية لمنح (الحياة) حكراً بلا استثناء للموالين والمُطبلين وأرباب الفساد ، ومنعها عن أصحاب الحق الأصيل من شرفاء هذا الوطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق