ثقافة وفن

خلف الجسر … لا شيء!

مجموعة قصصية للأستاذة تسنيم طه

بدر الدين العتاق

خلف الجسر، مجموعة قصصية للأستاذة الناشئة / تسنيم طه، طبعة أولى من دار حروف منثورة بالقاهرة لعام: 2021 م، واقعة في تسعين ورقة من القطع المتوسط، وهذه المجموعة القصصية فازت بالجائزة الثانية في مسابقة ما، ومكوَّنة من عشرة قصص، وتتلخص حول التاريخ والبحث والخيال / الكاتبة لم تقل بذلك ولكن الكتاب قال به / وقليل من الواقع لا الواقعية.

أنا لا أقدر أن أصف المجموعة القصصية كالمجموعة الشمسية فأقول:

الصباح الباهي لونك

وضاحة يا فجر المشارق

غابة الأبنوس عيونك

فأنت لا تجد الربط أيها القارئ الكريم بين المقدمة اعلاه وأبيات الشعر لكاتبها وبين هذه الورقة المقدَّمة بين يديك ولكنك واجد أنَّ سمتاً ما يحاول أن يوقعك في القناعة بجودة النصوص المجموعة في الكتاب ” خلف الجسر ” فمتى ما تبينتها لم تجد شيئاً ذا بال، لأنَّ الخلط بين التداعيات أو الخيالات أو المواقف أو التمنيات أو الأحداث أو الفكرة لهي مزيج من كل تلك المجموعة التي لا رابط لها ولا بها سوى اسم صاحبها أوقل: لعلك لا تجد الشيء الذي يغنيك من غيره من الكتب وأعني المتعة والتشويق والفائدة والإحساس الدفَّاق بين سطور الكلمات .

دعني أيها القارئ العزيز أتبين بوضوح ما فيها من لغو ومن غلو ومن ولوغ، وآخر الأمر هذا فصدي الذي فصدته فيها، وأكثر ما أزعجني فيها كل تلك المسميات أعلاه وخصوصاً التواريخ المؤرخة لأحداث وأغلبها غير دقيق ولم أستطع عليها صبراً لجملة المغالطات التي بها من ناحية التاريخ إذ لم أتبين بالضبط هل هي قصص أم فلسفات فكرية أم هي لا هذا ولا ذاك أم هي بين هذا وذاك؟ لكن ما أقدر أن أقوله بأنَّ المجموعة القصصية ليست بقصص ولا هم يحزنون بقدر ما هي محاولة فطيرة تستدعى التؤدة والمكوث بدراسة أفكار الناس لا نقلها نقلاً كسيحاً من أمهات الكتب ونفائسها وذخائرها إذ كان الهم الأول في هذا الكتاب مما رأيت هو العجلة في التبشير به وقديماً قالت العرب: إنَّما الذَّلة العجلة، لذي أعرضت عنها كما يعرض الجهام عن الطخا فلات منفع.

مراجعة النصوص:

بصورة عامة وسريعة وحتى يستبين لي ضحى الغد من تصنيفها قصصاً أم حكايا أم أدباً أديباً، أترك التعليق والحكم لمن هم أقدر وأفهم مني بهذا المجال وإلى ذلك الحين لكم أن تقرأوا هذا التعليق أو تضربوا به عرض الحائط لا أبالي فهذا فصدي الذي فصدته كما قلت.

ذكرت الكاتبة من ص 3: [كردفان 1822 / الدفتردار بصدد إعداد حملة نحو شندي وانتقامه من المك نمر] -بدون ترتيب – ما هي العلاقة التاريخية بين التاريخ (1822 م) وبين كردفان؟

كرفان في غرب السودان وشندي في فيما يمكن أن نقول بشمال السودان وبينما / بصدد إعداد حملة / ذاك يعني أنَّه لم يعد الحملة بعد وهو التوقيت – التاريخ الدقيق لدخول الدفترادر السودان – الذي ذكرته الكاتبة حين أنّه دخل السودان في هذا الوقت ولم يخرج من شندي إلا بعد مدة من الزمن لبعد المسافة الكبير بين شندي وكردفال – كردفان – مما يعني أنَّ الدفتردار ما زال في مصر لم يأت بعد! وهنا الخلط واضح في التدقيق التاريخي بين الحدث وتأريخه.

الأدق من ذلك حين اقتبست الكاتبة النص من الإنترنت بدون معالجة هي أنَّ إعداد الحملة كان في سنة 1820 م، وليس سنة: 1822 م! والإثنين خطأ! لأنَّ المحرقة سبقت الحملة بأكثر من عام، راجع كتاب: ” كاتب الشونة ” الذي يشير إلى ذلك.

جاء في ص 5: [بصق في وجهه، رغم أنَّه كان قد مات من الضربة الأولى] وهنا مبالغة مرفوضة في التركيب للمعنى! فكيف يبصق الميت؟ ثم من ص 7: [شعرت كأنَّ فراشات تدغدغ معدتي] كيف تُدغدغ المعدة من الفراشات؟  قال أبو الشمقمق يهجو بشاراً:

هلللينه هلللينه هلللينه  هلللينه هلللينه هلللينه

  إنَّ بشار بن برد     تيس أعمى في سفينة

ثم ص 7: [مسح سيدي على أذناي] وهذا خطأ! والصواب: على أذني، لسبقها حرف الجر ” على “

الاقتباس من الشاعر الإثيوبي:

آه من الظلم الذي قلب الفيافي إلى قفار!

هو اقتباس خطأ! من القائل والناقل / ضعف الطالب والمطلوب /، لأنَّ القفار والفيافي هنَّ اسمان لعين واحدة وهي الصحراء، ولا تقل لي أراد إشباع المعنى فلن أرد عليك.

ثم ص 9: [أرض هجرة الصحابة الأولى إلى الحبشة مدينة مصوَّع] وهذا تجنى التاريخ على كتابة القصص في المخيلة السودانية إذ تبعد بلا ريب عن كل الفهوم المرجوة من بنية النص وعموده الفقري آن الكتابة حين تشحذ التفكير اتجاه التاريخ لا اتجاه النص والقيمة الفنية والمغزى فيضرب الكاتب بنفسه عرض حائط الأديب اللقب الذي نسله من كتابة الأدب أدماناً ولن تفلحوا إذاً أبداً.

متى كانت هجرة الصحابة رضوان الله عليهم إلى مصوَّع؟ هذه القضية التاريخية شائكة ولم يثبتها الدكتور / حسن الفاتح قريب الله في كتابه: ” السودان دار الهجرتين ” ولا الدكتور المرحوم / عبد الله الطيب في كتابه: ” الهجرة النبوية وما وراءها من نبأ! ” فكيف هان على الكاتبة تخطي الرقاب لأن تكون الهجرة لمصوَّع؟ هذا محل مراجعة وتدقيق ليس موضعه من التفصيل ههنا.

هاك من ص 11: [تتحسر مسبقاً على زخم زكريات حياة بأكملها] وهذا خطأ لغوي وحرفي! والصواب أن تقول: ماضي، مثلاً أو ما شابه، وأمَّا الحرفي „ زكريات ” والصواب: ذكريات، وأستبعد جداً أن يكون خطأ طباعياً والله أعلم لأنَّ الكتاب مليء بمثلها وحدث عن البحر ولا حرج .

قالت ص 12: [جنوب البحر الأحمر بين عامي: 1821 م – 1885 م، قبل اندلاع الثورة المهدية] وهذا خطأ أيضاً! تريد سيطرة العثمانيين لسواحل البحر الأحمر في ذلك التاريخ، وفات عليها أنَّ الثورة المهدية اندلعت سنة: 1881 م، إبَّان السيطرة المذكورة بالتحديد بين عامي: 1517 م – 1801 م، ما لم يكون القصد بالنية غير مكتوب، ولك أن تنظر لبعد التاريخين من بعضهما ولا أدري ما تقصد من ذلكم.

ثم جاء ص 14: [ثم يتوقف أكثر مع العطبراوي وأغنية ” أنا سوداني ” التي مثَّلت شعار استقلال السودان عن الاستعمار الإنجليزي عام: 1956 م] وهذه غير صحيحة! والصحيح هو: إنَّ شعار استقلال السودان كانت أغنية ” اليوم نرفع راية استقلالنا ” والتي غناها الفنان / محمد وردي، وشاعرها تلميذ البروفيسور / عبد الله الطيب، الأستاذ / عبد الواحد عبد الله، فالتراجع في موضعها إن شاء الله.

أمَّا ص 21: [حيث دارت معركة كرن أثناء حملة شرق أفريقيا في الحرب العالمية الثانية] وهنا خلط بين الأحداث! إذ لم تكن معركة ” كرن ” بإثيوبيا ذات علاقة مع الحرب العالمية الثانية كحرب عالمية في أفريقيا حيث توهم العبارة من الإشارة، ومن الأجود فصل التاريخين والحدثين حال تدوين الأحداث ذات الصلة للتفريق، إذ كانت معركة ” كرن ” من قبيل التنافس السياسي الاستعماري على شرق أفريقيا بين إيطاليا وبريطانيا وليس ذات رحى عالمية كما هو الحال بالنسبة لاستعمار السودان من قبل بريطانيا من قبل، فالتراجع في مكانها أيضاً إن شاء الله .

خروج سريع:

يمكن للكاتبة أن تنجح في مجال الميولات الفكرية والفلسفية وما إلى ذلك لكنها أغلب الظن بعيدة كل البعد عن التأليف في باب الرواية والقصص من باب التخصص فيها وغالباً ما ستموت هذه الكتابات ” ستموت في العشرين” بطريقة سريرية ولا أرجو لها ذلك.

أمَّا بعد

أيها القارئ العزيز، خبرني بالله عليك حالما وجدت غير ما وجدت أنا في تصفحي للتسعين ورقة – استغفر الله العظيم – للثلاثين ورقة إذ لم أقدر على المواصلة لتشعب الاتجاهات المكتوبة بين القصة والتاريخ والفلسفة والثقافة الغربية التي يزخر بها الكتاب، خبرني غير ما وصلت إليه أنا وأكن ممتناً لك بكل تأكيد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق