آراء

غوايات

عوالم افتراضية

عماد البليك

يتجه العالم نحو تجريد الأشياء في كل شيء تقريبا. فالاقتصاد الحديث يقوم على الافتراض أكثر من كونه يعتمد على الملموسات. ويبدو ذلك جلياً فيما تدره الشبكات الافتراضية على الإنترنت من أرباح مذهلة، فتجربة كالفيسبوك على سبيل المثال وخلال سنوات وجيزة استطاعت أن تدر لأصحابها أموالا طائلة، وهناك تجربة أخرى لموقع يعرف بالحياة الثانية يقوم على «حياة معاشة» بما يشبه الواقع، تدر هي الأخرى ملايين الدولارات، وربما أكثر، ولن ننسى العبور بالعملة الافتراضية التي تشغل الناس هذه الأيام «البيتكوين»، رغم أنها لم «تشرعّن» بعد في كل الدول تقريبا.

ويعيدنا التجريد في العالم، إلى فكرة تتعلق بالخيال وقوته ودوره في تحريك المعرفة والإنتاج الحديث، فإذا كان الإنسان في العصور السابقة يعتمد في الربح والخسارة وتدوير المال على الاقتصادات المباشرة القائمة على التعامل المحسوس، فإن العصر الجديد بات يقوم على ما هو مجرد بدرجة واضحة.

فعلى سبيل المثال فإن اقتصاد الخدمات يمثل حلقة أولية يمكن أن تؤخذ كنموذج أو مثال في هذا الإطار، لكن ما هو أبعد من ذلك يتعلق بإنتاج خدمات تقوم على الافتراض، وربما تبدو كأشياء مسلية أو لتقضية الفراغ لمن يتعاملون بها، ولكنها في النهاية هي «حقيقية» في حدود ما تستفيده أطراف أخرى خارج الفئة المستهدفة.

وإذا حاولنا أن نقرب الصورة بشكل آخر، بعيدا عن الانترنت والفضاءات الافتراضية، فيمكن أن نأخذ كرة القدم كمثال والتي تحولت اليوم إلى اقتصاد واسع المجال، فهي في خلاصة تجريدها تعبر عن نوع من الترفيه والتسلية التي تحولت في النهاية إلى سياق اقتصادي معولم وقوي من حيث النفوذ والهيمنة.

خلاصة مسألة العوالم الافتراضية والاقتصاد الذي يبدو كنوع من الألعاب المسلية ليتحول إلى قيمة مالية، تشير إلى قوة الخيال البشري وقدرات الإنسان على تطوير الحياة وإبداع العديد من المحفزات لوجوده على هذا الكوكب. وهذا دأب الإنسانية منذ فجر التاريخ، فقد عبر الإنسان بعصور كان يشعل فيها النار من الحجر أو باحتكاك الحطب، ثم مر بعصور زرع فيها بأبسط الوسائل واليوم يزرع بأدق المعدات التقنية، ثم كانت عصور الصناعات الحديثة القائمة على الميكانيكا ثم جاءت الصناعات التكنولوجية الأكثر حساسية.

كل هذا السرد المتواصل في سجل الإنجاز الحضاري البشري، يتجه الآن نحو تعظيم الفائدة لهذا الاقتصاد الجديد «الافتراضي» الذي باتت فيه ليست الخدمات فحسب ما يحرك ويدوّر المال، بل ما هو أبعد من ذلك مما يمكن للخيال أن ينتجه ويساهم به، ومهما كان أفق الإنسان وقدرته على التخيل الذهني فلن يصبح بمقدوره أن يتكهن بما يمكن أن يحمله الإبداع البشري في المستقبل القريب جدا. دعك عن سنوات بعيدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق