ثقافة وفن

في حوار مع الشاعر والكاتب والناقد الإسباني خوسيه ساريا

بحر البرهان أنطولوجيا معاصرة للشعر الأندلسي والمغربي

شاعر وكاتب وناقد أدبي إسباني يعتبر من أبرز الكتاب الإسبان الذين كتبوا وساهموا في تجسير العلاقات الثقافية بين إسبانيا والمغرب من خلال عدد من المؤلفات القيمة التي تقارب خمسة وعشرين كتابا في الشعر والسرد إضافة إلى المقالات التي نشرت له في كبريات الصحف والمجلات الإسبانية، ترجمت أعماله إلى الإيطالية والفرنسية والعربية والإنجليزية والرومانية والروسية وأدرج شعره في أكثر من خمسين من المختارات الشعرية وطنيا ودوليا ونشرت أشعاره في مجلات متخصصة بالمكسيك وإيطاليا والأرجنتين وإسرائيل ورومانيا والبرتغال وإنجلترا ولبنان وقطر وغيرها

كما أنه يشغل منصب مدير دار نشر مجلة poeticas والمجلة الرقمية Hispanismo del Magreb وعضو في هيئة تحرير فب عدد من لمجلات الأدبية البارزة بشبه الجزيرة الإيبيرية ك Dos Orillas ومجلة Penélope

حاصل على شهادة جامعية في الاقتصاد ودراسات الأعمال من جامعة مالقة وماجستير في إدارة الأعمال من كلية الأعمال بجامعة رأي خوان كارلوس بمدريد، كما أنه أكاديمي ومراسل بالأكاديمية الملكية بقرطبة، والأمين العام لجمعية كُتّاب الأندلس، وعضو مؤسس لنادي أصدقاء المغرب المشكل في البرلمان الإسباني ومندوب العلاقات المتوسطية بين الثقافات العربية والأمين العام للجمعية الدولية للتضامن الإنساني.

ضيف هذا الحوار الاستثنائي ولأول مرة في جريدة عربية ودولية نستضيف الكاتب والشاعر والناقد الإسباني خوسيه ساريا والذي سيتحدث لنا عن كتاب بحر البرهان أنطولوجيا معاصرة للشعر الأندلسي والمغربي المعاصر (ثنائية اللغة)، والذين يعتبر مشروع ثقافي وأدبي مشترك لكتاب الضفتين بدأ من حقبة الأندلس إلى يومنا هذا.

حاوره عبد الحي كريط

< ماهي الأسباب التي دفعتك الى تأليف هذا الكتاب؟ وما سبب تسمية كتابك ببحر البرهان؟

> منذ أكثر من خمسة عشر عامًا كنت على اتصال وثيق بالكتاب المغاربة الذين ينفذون أعمالهم الأدبية مباشرة باللغة الإسبانية كلغة مشتركة ومركبة.

وهذا حدث وظاهرة أدبية غير معروفة في إسبانيا وقد لفتت انتباهي منذ البداية وقادتني تلك الاتصالات إلى دراسة وبحث هذا الأدب الجديد الذي تم تطويره في المغرب ومن هذه الدراسات والاستقصاءات عمل “Calle del agua. شارع المياه مختارات معاصرة من الأدب الإسباني المغربي “،والتي جمعت أعمال هؤلاء الكتاب المغاربة الذين كتبوا بالإسبانية.

وسبق لي في عام 2001 بإعداد مختارات أخرى بعنوان “الشعر الأندلسي في الحرية” والتي درست شعر المؤلفين الأندلسيين المعاصرين.

اعتقدت أن الوقت قد حان لدمج شعراء الشاطئين في نص واحد وتوسيع منهج الدراسة والتحليل وفي الحالة المغربية، إلى أولئك الذين يقومون بعملهم باللغة العربية أو الفرنسية أو الدارجة وهو مشروع لقي ترحيبا حارا. من قبل مؤسسة مالقة ومدير مجموعتها الكاتب جوفينال سوتو.

أما الاسم، الذي يأتي من أقصى غرب البحر الأبيض المتوسط، فهو يجسد تلك القارة العاطفية حيث التقى شعبينا وبالتالي فهي تمثل دعوة لالتقاء والمعرفة والاعتراف بالآخر من خلال ثنائية الثقافة والكلمة.

< هل بحر البرهان هو عبارة عن منظومة شعرية متكاملة جمعت بين ضفتي المتوسط من خلال البعد الحضاري والثقافي بين المغرب وإسبانيا سواءا في فترة العصر الأندلسي أو في فترة الحماية الإسبانية الكولونيالية للمغرب؟

> كما علقت بالنسبة لي وبالنسبة للعديد من المثقفين الآخرين، هناك “وطن”، منطقة عاطفية تتجاوز الحدود الجغرافية أو السياسية.

بحر البرهان هو البحر الأبيض المتوسط الذي يغمر قارتنا العاطفية، تلك التي كانت بمثابة موطن مشترك للشعوب التي سكنت وتعيش على كلا الشاطئين، مكان تلتقي فيه الثقافات واللغات والمعتقدات وتتقاطع وتتداخل مع بعضها البعض. من قبل الأمازيغ والإسبان والقوط والعرب والسفارديم والأندلس فوفقًا لمسلمات الكاتب الإسباني المغربي فريد عثمان بنتريا راموس تشكل الثقافة الكائن الأدبي للعمل ولا تتشكل بالجنسية

لذلك تم تشكيل بحر البرهان، وكان ذلك أحد أهدافنا في فضاء أدبي مشترك وفي ساحة عامة حيث ستمر وتتعايش المعرفة الشعرية لكتاب الضفتين مع الأخذ بعين الاعتبار التقليد المشترك منذ فترة طويلة بدأ من حقبة الأندلس إلى يومنا هذا.

< اﻷنطولوجيا الشعرية التي ذكرتها في بحر البرهان هي عبارة عن دراسة أو تحليل الخطاب الشعري الأندلسي والمغربي المعاصر، ما هو المنهاج الأكاديمي الذي اعتمدت عليه في استخراج مكنونات الشعر الأندلسي والمغربي؟

> لتنفيذ هذه العملية كان من الضروري البدء من بعض المعايير الانتقائية السابقة والتي كانت لاختيار المؤلفين الأحياء الذين كتبوا جميع أعمالهم من تواريخ معينة (كما سأشير لاحقًا). في الحالة الأندلسية، كان هناك أكثر من 200 مؤلف مرشح كانوا ضمن هذا المعيار ومن بين المغاربة أكثر من 100 مرشح.

من هنا بدأت عملية البحث، على النقيض من الأعمال السابقة الأخرى مثل الأدب المغربي في اللغة الإسبانية (محمد شكور وسيرجيو ماسياس، افتتاحية ماجاليا، مدريد، 1996) كتاب مغاربة في التعبير لإسباني مجموعة التسعينيات (محمد بويسف ركاب، تطوان-أسمير، تطوان، 1997)، الشعر المغربي المعاصر (خوسيه رامون ريبول وجيسوس فرنانديز بالاسيوس، مجلة أتلانتيكا، قادس، 2001)، الشعر المغربي. من الاستقلال إلى أيامنا هذه (Abdellatf Laabi، Ediciones Idea، Santa Cruz de Tenerife، 2006)، Voces del Sur. الشعر المغربي المعاصر (أنطونيو رييس رويز، إديسيونيس ألفار، إشبيلية، 2006)، بين ضفتي الأدب المغربي باللغة الإسبانية (Carmelo Pérez Beltrán، Editorial Universidad de Granada، Granada، 2007)، مختارات من الشعر النسائي المغربي (Antonio Reyes Ruiz، Ediciones Alfar، Seville، 2007)، Calle del Agua مختارات معاصرة من الأدب الإسباني (عزيز التازي، أحمد. مجارا، مانويل غيهتي، عبد اللطيف ليمامي وخوسيه ساريا، إديسيون سيال، مدريد، 2008)، سور لا بالابرا.، الشعراء المغاربة المعاصرون (خوان أنطونيو تيلو، مطبعة جامعة سرقسطة، سرقسطة، 2018)، الذين انضمت مقترحاتهم إلى أعمال مجموعة أبحاث الدراسات العربية المعاصرة بجامعة غرناطة، الأدب المغربي الذي يهم العلاقات عبر البحر الأبيض المتوسط.

كل هذا تبعه عملية تباين الأفكار مع المترجم خالد الريسوني والتعرف على أعمال المؤلفين أنفسهم، من أجل تحديد من يمكن أن يمثل وفقًا لمعاييرنا الشخصية بطريقة صحيحة. والمشكال الثري والمتنوع للكتاب المعاصرين من كلا الشاطئين وطريقتهم المتعددة في فهم الحقيقة الإبداعية، وتنوع الميول وتعدد الأصوات الفريدة التي تتعايش في مجموعة الأجيال أو المدارس أو المجموعات الغنائية، الذين كتبوا أعمالهم في الحرية.

< ماهو الإطار التاريخي الذي جاء به بحر البرهان؟

>حسنًا، عندما يطرح عالم مختارات عملاً، ومن ثم اختيار المؤلفين، عليه أن يحدد مسبقًا المقدمات التي يبني عليها اختياره.

في هذه الحالة بالذات أردت أن أركز نظرتي على الشعر المكتوب من الحرية والذي تم تطويره في كل من المناطق الجغرافية المذكورة أعلاه.

في حالة المغرب، أردت أن أبدأ من تاريخ 2 مارس 1956 وهو تاريخ حصول البلاد على استقلال عن الحماية الفرنسية والإسبانية، وبالتالي فإن المؤلفين المختارين هم أولئك الشعراء المعاصرون الذين كتبوا كل أعمالهم من هذه اللحظة التاريخية وهم يفعلون ذلك تحت راية تحرير المستعمر، وهي حقيقة تشير إلى أهمية تاريخية بالغة السوء في مستقبل البلاد.

في حالة الأندلس كما هو الحال في بقية إسبانيا كان موت الجنرال فرانكو يعني في الواقع نهاية الديكتاتورية الإسبانية، على الرغم من أنه لم يكن حتى 15 ديسمبر 1976، عندما تمت الموافقة على تصفية نظام فرانكو عن طريق الاستفتاء. وظهور الديمقراطية الإسبانية كما هو الحال في المغرب، سوف يجسد هذا المعلم الاجتماعي في إسبانيا عملية عميقة سيتم نقلها إلى جميع مجالات الجهد الفني ومعها إلى الشعر.

وهذان التاريخان هما التاريخان اللذان ميزا النقطة التاريخية التي يبدأ منها اختيار المؤلفين من كلا الشاطئين تدرس المختارات وتحلل وتقدم المؤلفين المغاربة والأندلسيين الذين كتبوا أعمالهم وجميع أعمالهم، ابتداءا من هذين التاريخين.

< ماهي الخصائص السيميائية والجمالية التي جاء بها بحر البرهان؟

> ولدت هذه المختارات من قراءة شخصية للشعر المكتوب في تلك القارة العاطفية التي ذكرناها سابقًا: المغرب والأندلس، مخصصان لوقت محدد، لفترة محددة والتي أشرنا إليها سابقا لأن كل حقيقة أدبية وشاعرية متسامية لها أصلها في ظاهرة تاريخية اجتماعية.

كانت الفكرة هي تقديم مؤلفين من كلا الضفتين ويمكنهم تمثيل مختلف التيارات والجماليات التي نشأت في الشعر الأندلسي والمغربي المعاصر، والذين حظيت بأعمالهم وبتعاون لا يقدر بثمن وفي بعض الحالات بتوجيه من الشاعر ومترجم هذا العمل خالد الريسوني.

لقد حاولت أن أقترح اقتراحا لجميع الكتاب الذين في رأي عالم المختارات، يصورون الشعر المعاصر بشكل أكثر فاعلية مكتوبًا بحرية: ميولهم رهاناتهم الشخصية أو قراراتهم الإبداعية، دون نسيان جمع ممثلين عن الجميع اللغات التي كُتبت بها في المغرب: العربية والفرنسية والإسبانية والدارجة بالإضافة إلى عدد كبير من النساء (اثنتا عشرة من إجمالي ستة وثلاثين شاعرًا مختارًا).

ولكن كما كتب فرانسيسكو موراليس لوماس الرئيس الحالي للجمعية الأندلسية للنقاد الأدبيين: “أي اختيار دائمًا يتم تقليله” ولهذا السبب تم اختزال المجموعة الشعرية الحالية المتعددة الأشكال والمتنوعة (في هذه الحالة ستة وثلاثون مؤلفًا).

< مختارات بحر البرهان جاءت لتؤكد مجددًا على التيار العاطفي الرومانسي الذي يكمن وراء الثقافة الإسبانية والأندلسية والسفاردية والعربية والأمازيغية، والتي كانت موجودة عبر التاريخ وخلقت مزيجا ثقافيا واحدا وفريدا بالحضارة الإنسانية، ما صحة هذا الوصف؟

> حسنًا، هناك مفهوم خاطئ عن كلمة “رومانسي”، لأنه عند استخدامك لهذا المصطلح، فإنك تفكر في شخص هو في حالة حب أو في حالة من عدم اليقين.

على عكس هذا التصور، فإن الرومانسية هي في الأساس مثالية فقد ولدت الحركة الرومانسية، كما هو معروف في نهاية القرن الثامن عشر مما يشكل قطيعة مع التقاليد الكلاسيكية في مواجهة الموضوعية والعقلانية لفكر التنوير، رفعت الرومانسية تمجيد الحرية والفردية والذاتية والعاطفية. الرومانسية هي كائن يسعى إلى الحرية الأصيلة، ولهذا السبب فإن ميزته المميزة هي سمة الثورة المثالية، ليس من الناحية السياسية ولكن من حيث التحول الشخصي والتغيير الاجتماعي. بهذا المعنى يمكننا أن نؤكد أن هناك خطًا تحوليًا رومانسيًا ومثاليًا، مليئًا بالحرية ومتلهفًا للتغيير في أعمال العديد (معظم) المؤلفين الذين يشكلون هذه المختارات.

هناك جو رائع من التجديد والبحث المفاهيمي والمخاطرة والمغامرة الغنائية في نصوص بحر البرهان والتي تجعلنا نشهد مجموعة متنوعة شعرية غنية ومثيرة للغاية.

ومن الخصائص المميزة الأخرى لمؤلفينا التنوع والفردية وعدم التعلق باتجاه معين وإذا كان هناك شيء ما يميزهم، فإن التعددية الجمالية الموجودة في مقترحاتهم الغنائية هي تعني ثراءً كبيرًا من وجهة النظر الإبداعية.

< ما مدى قوة ارتباط الشعر المغربي والأندلسي بين ضفتي الشاطئ؟

> حسنًا يجب أن أقول ذلك فللأسف وعلى الرغم من كوننا جيرانًا جغرافيين (تفصلنا بضعة كيلومترات) وعلى الرغم من السفر لمسافات طويلة من التاريخ معًا وعلى الرغم من مشاركة الروابط العائلية تقريبًا، والجهل ليس فقط في المستوى الأدبي ولكن أيضًا سياسيًا أو اقتصاديا أو اجتماعيا فقد تم إبرازها تمامًا.

في إسبانيا (والأندلس)، لم يُعرف سوى عدد قليل من المؤلفين العرب. مع بعض الاستثناءات لمؤلفين من العصر الذهبي الأندلسي (مثل ابن زيدون، والأميرة ولادة بنت المستكفي، وابن حزم وابن رشد وابن عربي) وبعض أولئك الذين يعتبرون كلاسيكيات، مثل عمر الخيام أو ابن الرومي الحقيقة هي أن المعرفة تقتصر على قلة قليلة من المؤلفين على سبيل المثال البعد العالمي في الأدب العربي المعاصرة نازك الملائكة ونزار قباني ومحمود درويش، نجيب محفوظ، أمين معلوف، علي أحمد سعيد إسبر “أدونيس”.

وهذا فقط من الترجمات العظيمة التي قدمها المستعرب البارز إيميليو غارسيا غوميث والذي أثر كثيرًا في مؤلفي جيل السابع والعشرين الذين اهتموا لأول مرة بالمؤلفين العرب والأندلسيين على وجه الخصوص ولكن المعرفة عند وجودها، تكون دائمًا تقريبًا هي تلك الخاصة بالمؤلفين من الشرق الأوسط أو الشرق الأدنى، الغريب أنه في إسبانيا والأندلس، لم تكن هناك معرفة كافية للكتاب المغاربة باستثناء محمد شكري وبعض الذين تمكنوا من التفوق خارج البلاد، مثل الكاتب الطاهر بن جلون أو عبد اللطيف اللعابي.

كانت هناك لحظة من التقارب وكانت في وقت الحماية وعندما كانت المجلات ثنائية اللغة مثل “مجلة المعتمد” والتي أدارها ترينا ميركادر (في العرائش) ومجلة كيتاما ” من إخراج جاسينتو لوبيث غورجي (في تطوان) وكانت بمثابة الاتصال الأول والمهم بين الكتاب الإسبان والمغاربة، لكن ذلك انتهى بعد انتهاء الحماية.

في نهاية الثمانينيات بدأ الاهتمام بأولئك الكتاب المغاربة الذين كتبوا أعمالهم بالإسبانية على استحياء لهذا السبب وبسبب هذا الاتصال المتقطع، فإن العلاقات الأدبية أو الروابط الشعرية، التي طلبت من أجلها، كانت محدودة للغاية ونادرة للغاية مع بعض الاستثناءات التي علقت عليها، ومعها تأثيرات الأعمال الأدبية هي بالأحرى ضحلة من وجهة نظري.

< جزء كبير من الشعر الغنائي الأندلسي هو انعكاس روحي ووجداني للقصيدة المغربية، هل تطرق كتابك إلى هذا الموضوع؟

> أنا لا أتفق مع هذا الوصف لأن الشعر المغربي كان له تأثير ضئيل للغاية (حتى لا نقول لا شيء) على الشعر الأندلسي. بدلا من ذلك، كان عليك أن تتساءل عن تأثير القصائد الغنائية العربية بشكل عام في وضع المفاهيم الغنائية الأندلسية.

في المقام الأول بشكل عام يجب ألا ننسى روابط وتأثير الأدب الصوفي العربي مع الثقافة الإسبانية (سان خوان دي لا كروز، ابن عربي؛ سانتا تيريزا)، وكذلك تلك الترجمات الأولى للأدب الصوفي والشعراء العرب الذين أثروا في الرومانسيين الإسبان في القرن التاسع عشر مثل زوريلا أو بيكير أو سبرونسيدا نظرًا لفضولهم الاستشراقي.

صحيح أن هذه المعرفة بالشعر العربي وعلى وجه التحديد في الشعر اﻷندلسي وكانت لترجمات إميليو غارثيا غوميث مثل ترجمة كتاب أعلام الأبطال لابن سعيد المغربي وغيرهم من المستعربين البارزين تأثيرهم على بعض الكتاب الإسبان والأندلسيين وهو تأثير بارز وملحوظ في عمل الكتاب الأندلسيين مثل ألبيرتي وسيرنودا وألتولاغيري وعلى وجه الخصوص فيديريكو لوركا الذي ألف “ديوان تاماريت،” كنتيجة لهذا الاستيعاب للماضي الأندلسي وتحويل الأندلس إلى منطقة أسطورية ومثالية من إبداعاته الشعرية.

صحيح أن هذه المعرفة بالشعر العربي، وخاصة الشعر الأندلسي، والتي بدأت بعد دراسات غارثيا غوميث وغيره من المستعربين البارزين، لها تأثيرها على بعض الكتاب الإسبان والأندلسيين اللاحقين، مثل فيليكس غراندي أو أنجيل غارسيا لوبيز، لكن ثقل ذلك الأدب العربي لم يكن حاسمًا في وضع المفاهيم الغنائية الأندلسية المعاصرة، من بين أمور أخرى، لأن معرفة الشعراء والشعر العربي محدودة للغاية كما أشرت آنفا، وقد لوحظ هذا في الكتاب المختارين في بحر البرهان ومن بينهم هذا الانعكاس الروحي أو العاطفي الذي كنت تتحدث عنه محدود وغير ذي صلة تقريبًا.

< ماهو تقييمكم لواقع الشعر المغربي والأندلسي حاليًا؟

>يتمتع كلاهما بقوة كبيرة بمعنى أن هناك مؤلفين عظماء للغاية يقدمون تناسقًا لميزان الحاضر والمستقبل لكلا الضفتين

ونجحت كلا اﻷغنيتين المتجذرتان بقوة في التقاليد بالتغلب على الميول التي تسببت في ترسيخ الماضي الكلاسيكي الذي يمكن أن يطرح نقاشا حواريا مع الحاضر ولحسن الحظ نجد أنفسنا أمام شاعرية متأصلة في الحداثة ومدعومة بجماليات مختلفة وتيارات قوية وجذرية أعطت وستعطي أسماء عظيمة للأجيال الأدبية للمغرب والأندلس.

ومن المثير للاهتمام أيضًا تسليط الضوء على الحضور النسائي الواسع بشكل متزايد، والذي يوفر رؤية فريدة للحقيقة الشعرية والحاجة إلى تجربة مجالات جديدة تمنح بعض الشعراء تفردًا مثيرًا للاهتمام.

< باعتبارك عضو مؤسس لنادي أصدقاء المغرب المشكل في البرلمان الإسباني، هل الأزمات الدبلوماسية بين المغرب وإسبانيا تؤثر على التعاون الثقافي والحضاري بين ضفتي الشاطئ؟

> من الواضح أن أي أزمة يمكن أن تكون لها عواقبها السلبية إذا بقينا فقط على ظاهر الأشياء أونا من أولئك الذين يعتقدون أن أي أزمة هي فرصة للتحسن والمضي قدمًا لذلك يجب أن نعكس هذا الشعور بصدق وبعمق وتواضع بين الطرفين ما فشل به اﻵخرون وأن نحلل ما هي نقاط الضعف والإخفاقات؟ ما الذي حدث لنا حتى نصل إلى هذا الوضع ومن هناك نكون قادرين على إيجاد طرق ومسارات وإعادة تأهيل الجسور، إن شعبينا شعبان شقيقتان وعليهما الاستمرار في السير معًا نحو مستقبل أفضل وهناك الكثير من التاريخ المشترك بحيث يتعذر علينا رؤية وفهم وافتراض أن مصيرنا مرتبط بماضينا وحاضرنا.

< هل فتح قنوات الحوار بين الشعبين المغربي والإسباني يساهم في تحقيق الانسجام الثقافي بين ضفتي المتوسط بعيدا عن الحسابات السياسية بين البلدين، وهل المثقف المغربي والإسباني يتحمل المسؤولية في عدم قيامهم بدورهم الحضاري في التجسير الثقافي بين ضفتي الشاطئ؟

> المثقفون المغاربة والإسبان هم بالتحديد المسؤولون عن بناء جسور المعرفة لقرون، والجسور التي قربتنا من بعضنا البعض، وقد ساهم موقفهم بشكل حاسم في إقامة روابط مشتركة متماسكة للغاية.

أفضل طريقة للتقريب بين الشعوب والجيران هو التعرف على بعضهم البعض وهذا ما كان ولا يزال المثقفون والكتاب والشعراء من كلا الشاطئين ولا توجد دبلوماسية أفضل من الدبلوماسية الثقافية لقد كان بعض السياسيين بالتحديد بتكتيكاتهم ونهجهم اﻷناني في تدمير بعضا من هذه الجسور أو كسرها هذه الجسور وهذه الشوارع هي التي توحدنا في بوتقة واحدة.

< كلمة ختامية

>أريد أن أنهي هذا الحوار معكم أستاذ عبد الحي ببضع كلمات من الشكر والتقدير حول منحي فرصة للتحدث وتقديم مختارات بحر البرهان مع الإشارة إلى أن مثل المختارات الأخرى ليس مكانًا مغلقًا (لأنه كما قلت من قبل، كل مختارات هي اختزال) بل هي أيضا مساحة للحوار والتفكير، ومن هناك أتحمل بفرح ورضا مسؤولية المساهمة في تخصيب المعرفة المتبادلة لكلا الفضاءين الشعريين والتي هي بلا شك أساس التقارب المستقبلي بين الشعبين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق