سياسة

خارج المتاهة

للتعافي واستعادة ثقة الجيل

محمد عتيق

ضباب كثيف يكتنف أو يلف المشهد الوطني برمته ويكاد يفجره في وجه الجميع تفجيرا.. فالبرنامج الاقتصادي الذي تمضي حكومة حمدوك الانتقالية في تنفيذه هو برنامج معروف في تدمير المجتمعات ومقدراتها الاقتصادية، برنامج أو روشتة صندوق النقد الدولي عندما تستجيب لشروطه ومطالبه بدلاً عن شروطك ومطالبك .. صاحب هذه السطور لا يدعي معرفةً بالاقتصاد وعلومه ولكن أمر الصندوق كأنه “علم في رأسه نار” كما قالت الخنساء تماضر في أخيها صخر، فرق كبير بين الدول التي تعاملت معه وفق رؤاها واحتياجاتها وبين تلك التي استجابت لكل شروطه تخفيضاً لحجم العمالة وتعويماً لسعر العملة الوطنية واطلاقاً لحرية التجارة والاستثمار …الخ ، تلك استفادت من فرص الصندوق  وإمكانياته في تدعيم برامجها الوطنية للتنمية بينما رهنت الأخرى كافة مواردها وأسواقها في دائرة لا نهاية لها من الديون وخدمتها ..

هذا النهج الذي مضت عليه الحكومة زاد حدة الانقسام السياسي القائم في البلاد بين مؤيدي الحكومة ومعارضيها ، وهو صراع لن ينتج عنه في آخر الأمر إلا الخسران المبين للطرفين وللوطن لينتصر عليهم العدو المشترك ؛ النظام الساقط وأذياله .. لا توجد نتيجة أخرى للأسف ..

لن نعود إلى الخلف ونذكر بمرارة كيف تم تخديرنا واستغفالنا لتمرير قرارات كثيرة في مسار الثورة، الندم شعور سلبي يأسر صاحبه في سجون الحسرة إذا استسلم له، وفي نفس الوقت لن نستطيع بمجرد قرار (نظري) أن نرفع حالة الضعف والتخلف و “المحدودية” عن أحزابنا وعموم حركتنا السياسية التي أنتجت حالتنا هذه .. 

ولا يجوز أن يتمترس كل في موقفه والوطن يتمزق أمامنا، قوى الفساد والاستبداد تستجمع قواها وأطرافها لتسرق أحلامنا من جديد وتخطف من عيون الأجيال الجديدة بريقها الساحر، نعم، إذ نحن الآن :

– أحزاب ذهبت باسم قحت تتماهى مع الدكتور حمدوك والمكون العسكري ومجلس شركائهم ، هي مع الحكومة ولكنها ، وعلى استحياء ، تصدر بيانات الرفض للإجراءات الاقتصادية.. كوادرها عموماً تدافع عن سياسة ما يسمى ب “رفع الدعم” ..

– وأخرى ، تدين الاجراءات وكثيراً من سياسات الحكومة، وتتفاوت في درجات معارضتها وصولاً إلى درجة “تسقط لمن تظبط” ، تخوض كوادرها معارك في كافة الوسائط بين بعضها البعض حسب الموقف من الحكومة من جهة ، وبين أطرافها وأنصار أحزاب الحكومة من جهة أخرى ، بمعنى ؛ الكل ضد الكل في معارك قاسية الدرجات والألفاظ ..

في أتون هذا الجو الملتهب داخل خندق “الثورة” لا أحد يستطيع أن يستنكر على النظام الساقط من الإسلامويين أن يأتوا بحيلهم – مهما كانت درجة بؤسها واستحالتها – نافخين كيرهم في شعار إسقاط النظام، وذلك حلمهم الذي بدأ ينتعش طرداً مع الضعف البائن على جبهة الحركة السياسية، أن يعودوا على ظهر انقلاب عسكري بوجوه وشعارات جديدة لنفس المصالح ..

  ماذا يعني (إسقاط النظام) وشعارات: تسقط تالت وتسقط لمن تظبط؟ وتسيير المليونيات؟

هو القفز في المجهول، وهي الحماسة المنزوعة المسئولية والحساسية .. لا أحد يحرم أصحاب هذه الشعارات منها ولكن نسألهم: ثم ماذا؟ ، نطالبهم ببرنامج محدد وخطوات واضحة للسير بالثورة إلى الأمام ، أما ترديدها هكذا مجاناً وتسييرها فإنها مضرة وتعرض ما أحرزناه للخطر ..

    هذا لا يعني – بالضرورة – تأييداً مطلقاً للسيد حمدوك، ولا أعتقد أن هنالك عاقل يؤيد مثل هذه الزيادات في أعباء الحياة على شعبه وأهله مهما كان العنوان؛ إزالة تشوهات، رفع الدعم…الخ ..

  “قوت الشعب وحياته الكريمة” ينبغي أن يكون هو (المقدس المشترك) ، وليختلف الناس بعد ذلك في كيفية استكمال الضرورات ووضع الخطط نحو مراقي الرفاهية (التي يستحقها السودانيون) وإطلاق الأعنة أمام الإبداع .. وهل يكون ذلك إلا بالعودة “إلى منصة انطلاق الثورة” وتفعيل “ميثاق العودة” الذي وقع عليه الجميع تقريباً (حوالي ٤٠ حزباً وتنظيماً وهيئة).. فيها المخرج اللائق للجميع، ولوطنهم وثورتهم، وعبرها تستعيد قوى الحرية والتغيير موقعها وتستعيد ثقة الجيل ..

هي المخاطر والعقبات، تشتد وتتشعب أمام الثورة في تناسب مع عنفوانها وقوتها ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق