ثقافة وفن

الأبعاد الجمالية في التراث الإسلامي من منظور المستشرقين (4)

د. عزالدين معميش

يقول علي الحضرمي في التنبيه على أهمية تحرر الذات العارفة من القيود في عملية التأمل: “في حال التأمل الجمالي؛ فإن الذات تتحرّر من الإرادة؛ فتختفي الأنا الفردية فيها، وتصبح ذاتا عارفة خالصة، تدخل مع الأشياء والموضوعات في هوية واحدة، وتستغرق فيها في وحدة صوفية، وعندئذ يختفي العالم بوصفه تمثّلا”[54].

لكنهم أغفلوا إلى حد ما الإرادة واتجاه الإرادية الموجود عموما عند الزهاد والسالكين؛ فسلطة الإرادة ينبغي توفرها في عملية استبطان الذات؛ ولا يمكن للمريد أو السالك بلوغ المحبة أو العرفان، ولا إدراك الحقيقة دون تحرر الذات من الأغلال، وفك الإرادة من أسر الهوى والملذات، وذاك شرط عام في التربية الروحية في الإسلام، وليس عند الصوفية حصرا.

 كما أن التطهر من شوائب المحسوس عملية مطلوبة عموما في التأمل العقلي والشعوري، بل إن المدارس الفنية بتنوعاتها عبر التاريخ، متفقة على التحرر من الأغلال وعلائق الذات في عملية الإبداع.

وقد ربط المتصوفة بين المعرفة والمشاهدة وبين رؤية القلب وانفتاح البصيرة، من خلال أكثر الاتجاهات روحية، وأكثرها مساسا بالتجربة النفسية ذاتها. لكن من جهة أخرى عبّر الصوفية أنفسهم عن صعوبة تحديد أو وصف ما يشعرون به في مواجيدهم ومشاهداتهم، وبيّنوا بأن التجربة الصوفية بما فيها من مشاهدات ومواجيد، باعتبارها ثمرة لمعرفة مباشرة من غير وسائط من مقدمات وقضايا وبراهين أو تجريب؛ تعبر عن إدراك ذاتي (فردي) لا يمكن تعميمه، وتعدية معرفته للغير[55].

3. سطوة المركزية الغربية في القراءة الاستشراقية

تعامل جلّ المستشرقين مع التراث الجمالي الإسلامي عموما بمنطق القولبة العقلانية الأداتية التي كان يذمها أشد الذم ماكس فيبر؛ حيث تعامل العقل الاستشراقي بتعال معرفي أخرج هذا التراث من فضاءات الممارسة الإنسانية المعرفية ذات الطابع العقلاني العلمي وليس التجريبي الأداتي، وبذلك أدخلها في دراسات الأسطورة والخيال والتي عادة ما تخصص للشعوب البدائية كما فعل ليفي ستراوش مع قبائل البورورو في البرازيل.

والحاصل أن الدراسات التي أنجزها المستشرقون، ورغم الطابع الإبداعي الخلاّق للعديد منها؛ خاصة دراسات الكبار من أمثال (نيكلسون، كوربان، ماسينيون، آن ماري شيمل وغيرهم) من الرعيل الأول، “إلاّ أنها لا تخلو من ممارسات معرفية ذات طابع قمعي تمارسه الذات الباحثة على النصوص المدروسة، وتتعدّد تجليات القمع البحثي لنصوص الصوفية؛ ما بين البحث عن المصادر الأساسية للتصوف الإسلامي ونظريات التأثّر والتأثير ذات الطابع الميكانيكي الذي يكتفي برصد نقل الأفكار وكيفيته مكانيا وزمانيا، دون التوقف عند الطبيعة المعقّدة لظاهرة التلاقح الثقافي بين الحضارات وممارسات الدمج المعرفي وأشكال الاحتواء والتناص… إلخ وبالطبع تنطوي هذه التصورات على نزعة مركزية حادّة للفكر الغربي والحضارة الغربية، ناهيك عن المركزية العقيدية للمسيحية وحضورها الجلي الساطع في التجربة الصوفية كما بلور ماسينيون تجربة الحلاج الشهيد عبر مرايا الخلاص المسيحي”[56].

كما أن إطلاق مصطلح “الميستيسزم” على التصوف الإسلامي هو قولبة كلية لمناهج دراسة التصوف الغربي، وهذا ما يُعد وضعا وتأسيسا للمنطلق الفني والجمالي المسيحي والغربي في رؤية المستشرقين للتراث الصوفي عموما، خاصة وأن الغالبية تفضل تعريفه بالعلم المفعم بالأسرار، وذاك سر انبهار أكثرهم به وبسحر الشرق، نلاحظ ذلك في كتابات آنا ماري شيمل؛ خاصة في دراساتها المتنوعة والمستفيضة حول الشعر الصوفي الفارسي، وخصوصا “جلال الدين الرومي”.

 وتعلق الدكتورة هالة فؤاد: “لا أعتقد أن هذا الانبهار الغربي بهؤلاء المتصوفة يقل قمعا عن نقيضه الباحث عن مصادر هؤلاء في الحضارة الغربية والعقيدة المسيحية، خاصة أنه يندرج أحيانا في إطار أكثر اتساعا حيث الانبهار الغربي بالصورة المتخيّلة الغامضة للشرق الساحر الجميل الذي يصيب زواره الغربيين بالوُجد، ويستلبهم في مدارات الإغواء والافتتان الطاغية، ناهيك عما يمكن أن تنطوي عليه هذه النظرة من خيالات وتصورات تستلب النصوص الصوفية ذاتها خارج مداراتها الخاصة، وتحملها أحيانا توقّعات وهواجس الباحث الغربي أسيرَ السحر والافتتان[57]“.

الخاتمة

يمكن أن نخلص إلى عدة نتائج جد مهمة من خلال هذا البحث المركز؛ لعل من أهمها أن جانبا من الفكر الاستشراقي حاول توظيف الوعي الجمالي في التراث لخلق حالة من التجزئة في بنية التراث أو العقل المسلم وفي تحليل المعرفة الصوفية وضبط الوعي الصوفي، وذاك ما يعبر عن حالة عاشتها المنظومة الاستشراقية فيما يسمى بمنطق القولبة العقلانية الأداتية أخرج هذا التراث من فضاءات الممارسة الإنسانية المعرفية ذات الطابع العقلاني العلمي إلى ميدان الأسطورة والميثولوجيا والتي لها علاقة بدراسات الاستعمار في بدايات القرن التاسع عشر والعشرين..

 حيث إن جل هذه الدراسات تُغفل إلى حد ما الإرادة واتجاه الإرادية الموجود عموما عند من يصنف في المنطق الأسطوري؛ والاعتقاد السائد في الأوساط الاستشراقية أن العرب أمة ميتافيزيقية بالدرجة الأولى يتشكل وعيهم من الغيبي المطلق مقابل الكوني المشكل لوعي الغربي عموما، وبذلك فهي ملكات للعقل الباطن يهذبه العقل الأداتي العلمي، ولتهيئة الشخصية القابلة للتحضر وفقا لمرجعية هذا العقل.

وكل ذلك يحتاج إلى مزيد دراسات لفك الالتباس وتبيان الأسطوري من العلمي، فالنظرة التي تجعل من الأبعاد الجمالية في التراث الإسلامي عديمة التأمل العقلي؛ ينقصها الشمول والدقة، لأن التراث الإسلامي في جانبه الإبداعي الفني متنوع وخصب، فالظاهرة الجمالية والفنية في لغة القرآن، مثلا، لا تخضع للوعي الباطني بقدر ما تلامس حدود العقل وإن كان التأثير يتعلق بالباطن.

 لكن من جهة أخرى هناك دراسات استشراقية منصفة حتى وإن لم تسلم نهائيا من تحيز العقل المركزي الغربي، وظفت خبرتها وتحقيقاتها الدقيقة في اكتشاف الأبعاد الثلاثية المولّدة للفن والإبداع بما ينطوي على”أرابيسك” شديد التركيب عرفته إيرلندا في العصور الوسيطة، حيث يمنح ذاك التركيب الفردَ المتفاني “جنينة سرية” لتنمية قدراته على الفهم والاستيعاب، ومهّدت تلك الدراسات الطريق أمام أبحاث أخرى عن إسهام التراث الإسلامي في تطوّر اللغات والآداب والفنون الإسلامية.

ومن أهم النتائج أيضا؛ تقرير أن التجربة الروحية في الإسلام، كانت في الإطار القانوني الشرعي تارة، وغريبة بعيدة عن حقائق الإسلام تارة أخرى وأجزاء من الدائرة الثانية ميدانٌ رحبٌ واسعٌ يزخر بعناصر وألوان شتى من الثقافات، امتزجت في ساحته الأفكار والعقائد والأديان التي وُجدت في الشرق القديم، وقد أثّرت فيه بما كانت تتميز به من صور وخبرات في الرياضات الروحية والتجارب والمواجيد واللغة السرية الرمزية الغامضة، حتى خيل للكثيرين أن العبادة والزهد والتزكية في الإسلام، ما هي إلا صور لأشكال التجارب الروحية القديمة، والحقيقة غير ذلك، وقد حاول العقل الاستشراقي الاستعماري رهن الإبداع بالدائرة الثانية، والحقيقة التاريخية التي أثبتناها تقول بتأثير شفافية الروح عبر أصالة التجربة الروحية والتزامها بالإطار الشرعي في موهبة الخيال والتأمل، بما خلّف تراثا زاخرا في شتى الميادين التي تتسم بالتفكير والنظر العميق، وهو ما يلقي تبعة ثقيلة على الباحثين المسلمين في ضرورة تتبع نواحي التحيز الاستشراقي الذي اختطف كثيرا من العلوم والفنون الإسلامية الأصيلة ليصلها بمؤثرات أجنبية نزعت عن الفكر الإسلامي صفة الابتكار والإبداع.

الهوامش

[1]. إدريس شاه، الصوفيون، ترجمة بيومي قنديل، القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط2، ص31.

[2]. انظر: مراد وهبة، المعجم الفلسفي، القاهرة: دار الثقافة الجديدة، ط3، 1979، ص376.

[3]. أبوبكر الكلاباذي، التعرف لمذهب أهل التصوف، القاهرة: مكتبة الخانجي، ط2، 1994، ص25.

[4]. أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية، بيروت: دار الكتب العلمية، 2001، ص313.

[5]. إحسان إلهي ظهير، التصوف: المنشأ والمصدر، لاهور: إدارة ترجمان السنة/باكستان، ط1، 1986، ص49.

[6]. انظر: آنا ماري شيمل، الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف، ترجمة: محمد إسماعيل السيد ورضا حامد قطب، منشورات الجمل، كولونيا/ألمانيا، ط1، بغداد، 2006، ص08.

[7]. انظر: ولتر ستيس، التصوف والفلسفة، ترجمة وتقديم إمام عبد الفتاح إمام، القاهرة: مكتبة مدبولي، ط1، 1999، ص221-222.

[8]. المرجع نفسه.

[9]. الهجويري، كشف المحجوب، دراسة وترجمة وتعليق: إسعاد عبد الهادي قنديل، القاهرة: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ط1، (1415ﻫ/1994م)، 1/373.

[10]. جلال الدين الرومي، المثنوي، ترجمة وتقديم: إبراهيم الدسوقي، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2002، 6/464.

[11]. أبو طالب المكي، قوت القلوب في معاملة المحبوب، تحقيق: عاصم إبراهيم الكيالي، بيروت: دار الكتب العلمية، 2009، 1/244

[12]. انظر: إحسان إلهي ظهير، التصوف: المنشأ والمصدر، م، س، ص21.

[13]. المرجع نفسه.

[14]. انظر: إدريس شاه، الصوفيون، م، س، ص29-30.

[15]. مقدمة المفكر والمستشرق إمبرتو إيكو، كتاب “الصوفيون”، إدريس شاه، م، س، ص19.

[16]. انظر: باسيليو بابون مالدونادو، الفن الإسلامي في الأندلس: الزخرفة النباتية، ترجمة علي إبراهيم علي منوفي، القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ط1، 2002، ص15-28.

[17]. أبو القاسم القشيري، الرسالة القشيرية في التصوف، م، س، ص314.

[18]. عبد المجيد الصغير، التصوف كوعي وممارسة: دراسة في الفلسفة الصوفية عند أحمد بن عجيبة، الشركة الجديدة الرباط: دار الثقافة للنشر والتوزيع، ط1، 1999، ص87

[19]. أبو نعيم الأصفهاني، حلية الأولياء، بيروت: دار الفكر للنشر والطباعة، باب: ذكر طوائف من جماهير النساك والعبّاد، في ترجمة أحمد ابن أبي الحواري رقم الترجمة 457.

[20]. انظر: محمد أبو ريان، تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، ط1، 2000، ص224، وص228.

[21]. انظر: عبد المجيد الصغير، التصوف كوعي وممارسة، مرجع سابق، ص87.

[22]. انظر: محمود زيدان، نظرية المعرفة عند مفكري الإسلام وفلاسفة الغرب المعاصرين، الدمام: مكتبة المتنبي/المملكة العربية السعودية، ط1، 2012، ص177.

[23]. انظر: المرجع نفسه، ص179.

[24]. أبو حامد الغزالي، المنقذ من الضلال، تحقيق: محمود بيجو، مراجعة: محمد سعيد رمضان البوطي وعبد القادر الأرناؤوط، دمشق: دار التقوى للطباعة والنشر والتوزيع، والأردن: دار الفتح للطباعة والنشر والتوزيع، ط2، ص68-69.

[25]. يوسف سامي اليوسف، ماهية الوعي الصوفي، جلة معابر، آب 2003، موقع:

 http://maaber. 50megs. com/issue_august03/editorial. htm

[26]. عبد المجيد الصغير، قيمة الجمال في تداولها الإسلامي، مجلة عوارف، العدد1، 2007، طنجة، المغرب، ص22

[27]. يوسف سامي اليوسف، ماهية الوعي الصوفي، مجلة معابر، م، س.

[28]. الغزالي، المنقذ من الضلال، م، س، ص65.

[29]. يوسف سامي اليوسف، م، س.

[30]. المرجع نفسه.

[31]. الغزالي، م، س، ص39.

[32]. المصدر نفسه، ص65.

[33]. عبد الحليم محمود، قضية التصوف، م، س، ص348.

[34]. انظر: روبرت ديفز، مقدمة كتاب “الصوفيون”، م، س، ص27.

[35]. علي الحضرمي، الرؤية الصوفية في الموقف الفني المعاصر، م، س، مجلة غيمان، العدد الخامس، موقع:

www. ghaiman. net/derasat/issue

[36]. انظر: علي الحضرمي، م، س.

[37]. انظر: آنا ماري شيمل، الأبعاد الصوفية في الإسلام، م، س، ص06.

[38]. المرجع نفسه، ص07.

[39]. انظر: المرجع نفسه، ص07.

[40]. انظر: كمال جعفر، الإنسان والأديان، آنّا ماري شيمل، الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف، م، س، ص17.

[41]. روبرت ديفز، مقدمة كتاب” الصوفيون”، م، س، ص31.

[42]. انظر: آنّا ماري شيمل، م، س.

[43]. آنا ماري شيمل، الأبعاد الصوفية في الإسلام، م، س، ص11.

[44]. انظر: توشيهيكو إيزوتسو، الله والإنسان في القرآن: علم دلالة الرؤية القرآنية للعالم، ترجمة: هلال محمد الجهاد، طبعة المنظمة العربية للترجمة، ط1، 2007، ص119.

[45]. باسيليو بابون مالدونادو، الفن الإسلامي في الأندلس، م، س، ص24.

[46]. المرجع نفسه، ص24.

[47]. أبو عبد الرحمن السلمي، طبقات الصوفية، بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 1998، ص52.

[48]. ياسين بن عبيد، الشعر الصوفي الجزائري المعاصر: المفاهيم والإنجازات، الجزائر: وزارة الثقافة الجزائرية بمناسبة الجزائر عاصمة الثقافة العربية، ط1، 2007، ص53.

[49]. المرجع نفسه، ص53.

[50]. انظر: خالد بلقاسم، الكتابة والتصوف عند ابن عربي، الدار البيضاء: دار توبقال للنشر/المملكة المغربية، ط1، ص20.

[51]. أفلاطون، المأدبة: محاورة المائدة، بيروت: الأهلية للنشر والتوزيع، 1994، ص20.

[52]. انظر: عبد الحليم محمود، قضية التصوف: المدرسة االشاذلية، القاهرة: دار المعارف، ط2، ص348.

[53]. علي الحضرمي، الرؤية الصوفية في الموقف الفني المعاصر، مجلة غيمان، العدد الخامس، موقع:

www. :ghaiman. net/derasat/issue

[54]. المرجع نفسه.

[55]. انظر: عبد المجيد الصغيّر، التصوف كوعي وممارسة، م، س.

[56]. هالة أحمد فؤاد، مقدمة كتاب “الصوفيون”، م، س، ص10.

[57]. المرجع نفسه، ص10.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق