ثقافة وفن

بين «صراع الأصوليات وجمود العقل» تقف الحداثة العربية

جيهان خليفة

رغم دخول الغرب في مرحلة «ما بعد الحداثة « مازلنا غرقى، في متاهة الجمود، والتكلس العقلي، هانئين بيقين الحقيقة المطلقة، لا شك أن فعل الحداثة، يؤرق جمودنا، يعكر صفو يقنا بالحقيقة المطلقة، الحداثة تقلق مضاجع اليقين بداخلنا، تفرض علينا السؤال، التجاوز، رفض التقديس المطلق، تجبرنا على احترام العقل، ولكن أي عقل نحترم أهو العقل الهارب من ذاته العاجز عن تحقيق مطالبه المرتمي في أحضان قوى حكمت عليه بالقصور الأبدي، أم العقل المتجاوز، النافر، المتمرد، هذه هي أزمة عقلنا العربي الهارب من ذاته.

يقول محمد محفوظ: « الحداثة لا يتم استيرادها من الخارج، بل هي حالة تنبثق من صميم المجتمع، هذا يعنى أن الحداثة حالة تطور، وتراكم تاريخي، تتم في داخل المعطيات التاريخية، للحياة الاجتماعية، تمهيدا لعملية الحداثة وحضورها، وتأكيد أهمية الوعي الإنساني، في فكرة الحداثة، وضرورة الحضور الثقافي لهذا الوعي، في مختلف مجالات الحياة حضورا يؤكد تنامى العقلانية، والتنوير، والقدرة على احتلال اللحظة الذاتية في الوعي الاجتماعي «. إذا ما تأملنا تعريف محفوظ للحداثة، وهو تعريف جامع مانع، بلغة المنطق، فسوف نستنتج بديهية، أن الحداثة لم تطرق بابنا بعد، لأن أول شرط من شروطها لا يتوافر لدينا وهو العقلانية، سيادة العقل، جعله المقدس الوحيد فالفكر العقلاني هو مفتاح الدخول لأنوار الحداثة، ولكننا للأسف مازلنا في خصومة مع العقل.

إذن الحداثة لا يتم استيرادها من الخارج، كما لا يتم فرضها، فكلا الوضعين سيء، يوجد شبه اتفاق بين العديد من الكتابات أن الحداثة، فرضت على شعوب الشرق، عن طريق الاستعمار، لذلك منذ البداية وكما يقول : هاينريش شيفر- في كتابه «صراع الأصوليات « ترجمة الدكتور صلاح هلال « أنه كان فيه تضاد تقابل بين الشرق والغرب هذا التضاد ينطوي على توتر بين نظام علماني سياسي ويوتوبيا دينية، فإدخال فكرة الدولة القومية العلمانية، هذه الفكرة التي تعتبر لحظة اكتمال الحداثة كما صاغها هيجل، عندما ندخل فكرة كهذه في ثقافة لعب فيها الدين، دور في تنظيم الشئون السياسية والاجتماعية، أدى إلى ظهور وجه شرقي خاص للحداثة، وبالنظر إلى التطورات التي حدثت في مختلف بلدان منطقة الشرق الأوسط، نرى أن مصر تعتبر نموذج، لتطور الاستعمار إلى ديكتاتورية كما أنها لها دور في نشأة الإسلاموية».

    

فرض الاستعمار للحداثة جعلها من مظاهر القهر المزدوج

إذن ما نتحدث عنه هو وجه شرقي خاص جدا للحداثة وهي أقرب من وجهة نظري، لكلمة التحديث، وليس حداثة، وإن كان الفكر الحداثي، قد أصاب بعض النخب، ولكنه ظل محصور بينهم، دون أن يلتقطه العامة. وكرد فعل لفرض هذا الوجه الخاص للحداثة على الشعوب العربية والإسلامية، اعتبر ذلك مظهر من مظاهر القهر المزدوج، لذلك ظهر لنا جمال الدين الأفغاني، وتلميذه محمد عبده، وعملا مشروع للنهوض بالإسلام، حتى يكون قادر على الدخول في حوار مع الحداثة، ووضعا صورة نموذجية للإسلام تعتبر من وجهة نظر الحداثة «يوتوبيا»، إذ كيف ندخل للحداثة من عصور ما قبلها.

محاولة الأفغاني، ومحمد عبده، كانت عن طريق فتح باب الاجتهاد، أي من خلال تفسير حر، وتأويلي للنص القرآني، والتراث، مع الوعي، بالبعد التاريخي، وطالبوا بالفصل بين الدين والدولة، وارتأوا الربط بين الشورى، والديمقراطية في الغرب، كل ذلك بهدف الحصول على نموذج مدني للإسلام، ولكن حركة محمد عبده، والأفغاني، وإن كانت ألقط حجر في المياه الراكدة، إلا أنها فشلت على مستويين في مواجهة العلماء التراثيين، الرافضين لأي إصلاح ومعتبرينه بدعه بل ضلاله، يستحق صاحبها الاستتابة. ومن ناحية أخرى فشل أمام النخب العلمانية، التي عظمت فكرة القومية، والقوة العسكرية، من خلال صياغة سياسة، تحالف عرقية، علمانية، وهي «القومية العربية «، ومع استيلاء الإنجليز على مصر 1882 تم تعطيل كلا المشروعين.

حركات التحديث الاستعماري أدت لظهور حسن البنا والإخوان المسلمين

يقول شيفر:» التحديث الاستعماري تسبب في تغيرات اجتماعية كثيرة، منها تحديث الزراعة، والعمل بأجر ونشأة طبقة العمال، والهروب من الريف، كل هذه التغيرات أدت إلى ظهور ظروف جديدة، لتوجه مختلف تماما طبقا للتعاليم الإسلامية، مما أدى إلى ظهور حسن البنا، والإخوان المسلمين، لذلك حركات الإصلاح الإسلامي، بتصورها على تقارب المدنيات لم تبلغ هدفها، بسبب فرض الحداثة، التي اعتبرت مظهر من مظاهر القهر الاستعماري، الموجه ضد الإسلام، ولعل هذه الذريعة اتخذتها الأصولية الإسلامية على مدار عملية التحديث في العالم الإسلامي، حيث نشأ تضارب بين الغرب العلماني، والنخب المتوائمة معه من ناحية، والأصولية الدينية من ناحية أخرى «. وما زال هذا مأزقنا حتى الآن، فإذا أخرجنا الاستعمار من المعادلة، بقى لنا نخب علمانية، في مواجهة جيوش الأصولية الدينية، المتوغلة حتى الأعماق، بداخل الشارع العربي، ذلك الشارع الراكع منذ عقود، على سجادة المعبد، وأمام كرسي الحاكم، ممنوع عليه التفكير، إلا من خلالهما يستعيذ بالله من رجس العقل. ولعل ذلك ما دفع «طه حسين» في طرحه للحداثة، أن يؤكد على إيمانه بأن الحداثة لن تصبح ثقافة عامة، إلا إذا تشربها المجتمع ككل ولكن كيف تلك هي المشكلة.

الآن نحن أمام حشود منساقة، مغيبة، وضمور نخبوي فما الحل إذن؟ محاولات التنوير، تأتى خافتة سطحية، باب الاجتهاد، مغلق بل موصود بحماية أزهرية عتيدة ما الحل؟ هل من طريق؟

يرى هاشم صالح، في كتابه الانسداد التاريخي «بضرورة فتح ثغرة في جدار تلال المحظور، لابد من الاقتراب منه بجراءة، لابد من تفنيد تركة التراث اللعينة، بل خلع القداسة عنها يتساءل عن سبب هذا الجمود الطويل، الذى لحق بكل الشعوب العربية والإسلامية، فيأتيه الجواب أنه التناقض المطلق بين النص والواقع، بما يشمله من تطورات علمية سياسية فلسفية، فالالتزام بحرفية النص يؤدى إلى إنكار كل ما أتت به عصور الحداثة، بل نبذها، وإعلان الحرب عليها كما فعل الظواهري، وبن لادن، أو إنكار النص نفسه، لذلك يقع المسلم في هذا التناقض، الحل إذن في التأويل المجازي للنص، والاعتراف بالمشروطية التاريخية للنص، بالضبط كما فعل المسيحيون في أوروبا بعد التنوير، وتشكيل اللاهوت الليبرالي.

لابد من التفريق بين ما هو تاريخي، وما فوق التاريخ مثلا الأحكام، والحدود، تاريخية مرتبطة بعصرها لذلك هي غير ملزمة لنا، المسيحة لم تدخل في مصالحة مع الحداثة إلا بعد تطبيق المنهج التاريخي على نص الإنجيل والتوراة، وتجاوزت هذا الانسداد بل الجمود.

نخلص من ذلك أن مشكلة حداثتنا المتعثرة تكمن في النص وجموده، ذلك التابو العتيد العصى لابد من تفكيكه، ولن يكون ذلك إلا من خلال معركة فكرية شرسة، قد ندفع ثمنها مئات بل آلاف الضحايا، ولكن حلاوة الوصول سوف ترمم كل الضحايا، وستنهى المعاناة، ولعل ما يحدث الآن شرارة البدء، أو التمهيد الذي لابد منه، كي نفتح كل الملفات المغلقة، منذ ألف سنه أو أكثر، فلحظة جمودنا، بل تخلفنا ولدت مع انهزام المعتزلة، أول اتجاه فلسفي حقيقي في الإسلام من هنا لابد أن يكون البدء.

مصادر:

1-محمد محفوظ ((الإسلام الغرب وحوار المستقبل)) – المركز الثقافي العربى – الدار البيضاء

2-هاينريش شيفر ((صراع الأصوليات التطرف المسيحي –التطرف الإسلامي – والحداثة الأوربية)) – ترجمة الدكتور صلاح هلال

3-هاشم صالح ((الانسداد التاريخي – لماذا فشل مشروع التنوير العربي)) – صادر عن دار الساقي بالاشتراك مع رابطة العقلانيين العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق