سياسة

 البروفسورة فدوى عبد الرحمن على طه … جهل العارفين (2) 

شوقي بدري

 قامت البروفسورة في لقاء تلفزيوني بالموافقة على الفرية الكبير، أن الحزب الجمهوري الاشتراكي كان صنيعة الانجليز. أنا هنا اريد ان أقدم لها الشخص الذي كان مسؤولا عن مصدر المال الذي خاض به الحزب الجمهوري الاشتراكي الانتخابات ومول صحيفته، الرائد. أنا اتذكر جيدا هذا المسؤول بسبب تردده على منزل رئيس الحزب الجمهوري الاشتراكي ابراهيم بدري والصلة الاسرية المتينة التي تسئ اليها البروفسورة. 

 عندما أعلن البريطانيون في الاربعينات انهم بعد مؤتمر نيوفاوندلاند في امريكا 1942، مؤتمر طهران واخيرا مؤتمر يالطا على البحر الاسود 1945 الذي ضم ستالين السوفيتي تشرشل البريطاني وروزفلت الامريكي، فستحظى كل الدول المستعمرة والمحميات او من تحت الادارة البريطانية مثل السودان بالاستقلال التام، وسيكون هنالك نهاية للاحتكار وستطبق التجارة الحرة والمنافسة المفتوحة في الاسواق العالمية.. 

 تم تشكيل مجلس تشريعي لكي يتعود السودانيون على النظام البرلماني والديمقراطية. اتجه الاشتراكيون الذين يؤمنون بالمساواة والحرية تداول السلطة واعطاء الاقاليم الحق في الحكم المحلي توفير التعليم العلاج السكن للجميع الخ، وهم غير الشيوعيين. 

 تم تأثيث جريدة تسلم رئاسة تحريرها الاشتراكي والمفكر مكي عباس وتم الاتفاق مع الاعلامي الاستاذ محجوب عثمان وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي فيما بعد على المشاركة في التحرير وتمت موافقته في البداية. أخبرني في القاهرة في التسعينات انه اعتذر لأنه قد انتقل من الفكر الاشتراكي الى الفكر الشيوعي ككثير من الشباب الذي شحن بنظرية دكتاتورية البروليتاريا هزيمة الرأسمالية، الاستعمار وسيطرة الشيوعية على كل العالم والقضاء على الامبريالية. والغريب أن طبقة البروليتاريا لم يكن لها وجود ملموس في المجتمع السوداني. لأن اقتصاد السودان قديما ولا يزال انتاج عفوي او طبيعي الى حد كبير تتحكم فيه الامطار الفيضانات الجفاف بجانب الحروب والاقتتال. تسيطر عليه الطائفية والدجل. 

 تسلم الاعلامي محمد خير البدوي والد الاعلامية البريطانية من أصل سوداني زينب البدوي مكان الاستاذ محجوب عثمان الذي انضم الى الاشتراكي بشير محمد سعيد من كبار الاشتراكيين الفابيين ومحجوب محمد صالح متعه الله بالصحة في جريدة الايام. واصلت جريدة الرائد مسيرتها في نشر الفكر الاشتراكي. خاصة بعد أن تم طرد المحافظين برئاسة تشرشل من السلطة في لندن بعد الحرب. وطبقت الاشتراكية الفابية والتي تبعد عن الدماء القتل المعتقلات تكميم الفواه الخ. 

 صارت اهم وسائل الانتاج في يد الشعب ممثلا في الحكومة. السكك الحديدية النقل النهري المعاهد التعليمية والجامعات. المستشفيات الشفخانات المدارس المجانية والعلاج المجاني الا لمن له دخل عالي. الفنادق الموانئ البرية النهرية البحرية شركة الطيران الصيانة المطابع المخازن والمهمات حيث تصنع الاثاثات للمكاتب المدارس معاهد التعليم والمناهج في بخت الرضا السجون ورشها، مزارعها مساكن البوليس الجيش مصلحة الاشغال التي تبني كل المباني الحكومية الجسور والمشاريع الطرق، النقل الميكانيكي حيث تصان السيارات الشاحنات الحكومية ويحدد سيرها وطريقة استعمالها ولا تملك السيارات ابد لأفراد ولها فروع في كل السودان.  سلطة قضائية مستقلة قانون عقوبات من أفضل القوانين في العالم. كل هذه المكاسب خاف عليها من انضم الى الحزب الجمهوري الاشتراكي ومنهم رؤساء القبائل والعشائر لأن اهلهم استمتعوا بتعليم علاج مواصلات لم تكن متوفرة من قبل ارادوا أن يبعدوا عن جشع التجار والشركات الرأسمالية التي ستحرمهم من كل هذه المكاسب. في نفس الوقت لم تدعو الاشتراكية الفابية الى محاربة الطبقة الوسطى الخلاقة التي لا يمكن أن يتطور المجتمع بدونها، الا انها لا تحارب بل تراقب. والقضاء على الطبقة الوسطى هو ما سبب انهيار النظام الشيوعي في التسعينات. والغرض كان ألا تأتي حكومات تسيطر عليها الطائفية وتطلق يد الشركات والتجار في الاقتصاد السودان كما حدث ويحدث اليوم في 2021. 

 اورد محمد خير البدوي في كتابة قطار العمر الذي اصدره قبل موته بفترة قصيرة أن الحزب الجمهوري الاشتراكي وجريدة الرائد وجدت محاربة شرسة من الطائفية والمحافظين البريطانيين. كان محمد الخليفة شريف يقول لجموع الانصار…. الاشتراكية هي الشرك بالله والجمهورية هي جهنم. صديقي مصطفى كتبا الرجل البسيط طيب الله ثراه كان يقول لي عندما حضرت من الاجازة من براغ…. ان النظرية التقدمية هي ممارسة الشذوذ الجنسي كما كانوا يقولون لهم. 

 دخلت الجريدة ومكي عباس في ديون كبيرة. الحل كان أن ابراهيم بدري الذي كان وقتها في جنوب السودان ومدينة رمبيك قد طلب منهم بيع منزله الفاخر في شارع العرضة لدعم مسيرة الحزب الجمهوري الاشتراكي وجريدة الرائد التي كانت تمثل الاشتراكية بالوجه الانساني. اشترى إبراهيم بدري وصفيه محمد على شوقي أحد مؤسسي حزب الامة والذي احمل اسمه فدانا من الارض عند تقاطع شارع الأربعين مع شارع العرضة من الجهة الغربية الجنوبية. قام المهندس خضر بدري بتشييد المنزلين بخرطة واحدة. تم بيع البيت للأنصار بمبلغ 5 ألف جنيه 15 ألف دولار. ولا يزال آل شوقي يسكنون في الجزء الخاص بهم في الغرب. 

 وللمحافظة على المكاسب الاشتراكية التي تحصل عليها السودان بجنوبه وشماله. والحكومة الاشتراكية في لندن اعطت السودان 6 مليون دولار من تعويضات الحرب التي تحصلت عليها. وذهب نصف المال لمشروع الزاندي في إنذارا لزراعة القطن ومصنع النسيج. قامت الحكومة الاشتراكية في لندن على عكس الحكومة المحافظة بتأميم مشروع الجزيرة الذي كان أكبر مزرعة في العالم تحت ادارة واحدة. امتلك خزان سنار القنوات الآليات خطوط سكك حديدية داخلية محالج للقطن مخازن ورش منازل للعمال الاداريين مستشفيات شفحانات وكل ما يخطر على البال ووضعوا الاشتراكي المفكر مكي عباس على رأس المشروع. وما ان اتت الحكومة الانتقالية التي اتت الى الحكم بواسطة الفلوس المصرية الدعم التهديد والفساد من الوصول الى الحكم. قدرت قيمة مشروع الجزيرة قبل عبث الكيزان بمئة بليون دولار ملك للشعب السوداني. 

 البروفسورة فدوى تعرف هذا جيدا لأن والدها قد ترشح في عقر دارة وسقط سقوطا مدويا. ومن فاز ضده كان الاستاذ حماد توفيق من الاصول المصرية ويمثل الاتحاد مع مصر. اشتهر الاستاذ حماد توفيق بأنه اول وزير مالية سوداني. كان رمزا للأمانة والبعد عن الفساد كان يستأجر منزل احمد مالك ابو عكاز في العباسية. لقد قال صلاح سالم الذي تحكم في الانتخابات السودانية بحقائب المال الذي كان يأتي به، وورد أن مصر قد صرفت 5مليون جنيها، زعم البعض انها كانت 10 مليون. هذا بجانب خوف الاغلبية من رجوع المهدية وتنصيب عبد الرحمن المهدي ملكا على السودان، ابتعد الناس عن حزب الامة الذي اختطفه عبد الرحمن المهدي من مؤسسيه الذين لا دخل لهم بالأنصار وواصل البيه عبد الله خليل رئاسة الحزب الا أن كلمة عبد الرحمن المهدي هي المسيطرة لأنه اتى بالمال من عدة مصادر أحدها الامبراطور هايلاسلاسي الذي كان يخاف من سطوة مصر كما يحدث اليوم. ولهذا قام عبد الله خليل بتسليم الحكومة للعسكر بعد أن رفضوها وطالبوا بأمر رسمي تسلموه اخيرا.

كان عبد الرحمن مختار ابن الانصار حاضرا عندما خرج عبد الله خليل غاضبا في مساء 15 نوفمبر. وتبعه عبد الرحمن مختار بسيارته عندها ذهب عبد الله خليل في مساء 15 نوفمبر الى منزل على الميرغني. وفي صباح 17 نوفمبر 1958 اتتنا دوامة حكم العسكر التي قررتها الطائفية. 

 هدد صلاح سالم والد فدوي الاستاذ عبد الرحمن على طه بأنه سيدفع آخر مليم لكي يسقطه في الحصاحيصا موطن آل طه وبالقرب منها بلدة العمارة طه المنسوبة لطه جد البروفسورة فدوى عبد الرحمن على طه…. لماذا لم توجه البروفسورة سهامها الى من أسقط ابيها ومن اتوا الى السلطة عن طريق الاموال المصرية. مصر كانت تريد بناء السد العالي والتحكم في الشعب السودان كساحة خلفية امتداد استراتيجي مصدر رخيص للمحاصيل وسوق لمنتجاتها الرديئة وهذا ما يحدث اليوم وبصورة أفظع. انه استعمار كامل الدسم. والسودانيون في مصر هم رهائن للنظام المصري لأنهم يخافون من ضياع ممتلكاتهم من شقق عمارات فلل وشركات الخ. فمن عادة المصريين اساءة معاملة السودانيين عندما لا ترضخ الحكومة السودانية لطلباتهم. حتى في البعثة التعليمية المصرية في السودان يسقط الكثير من الطلاب السودانيين عندما تسوء العلاقة الحكومية. 

 تأسس الحزب الجمهوري الاشتراكي كالحزب الوحيد الذي ضم شماليين وجنوبيين منهم العم بوث ديو الذي انتقل الى حزب الامة مع سرور رملي وآخرين بالسعر المدفوع وسنعود لهذا.

قام ابراهيم بدري عندما كان مفتشا في الجنوب الذي احبه وقضى فيه ثلاثة عقود واعتبر نفسه أحد الجنوبيين مع كثير من المثقفين والمتعلمين الجنوبيين بتأثيث ما عرف بمنظمة رفاهية جنوب السودان. وهذا حزب سياسي في الحقيقة الا انه لأنه لم يصدر قانونا يسمح بتسجيل الاحزاب تكونت منظمة رفاهية جنوب السودان كاول تنظيم سياسي. 

 نضبت مدخرات ابراهيم بدري التي تكونت في عمله في الجنوب حيث لا يحتاج الانسان لكثير من المال.ذهب المال لحفلات الشاي الاجتماعات ايجار دار الحزب في مواجهة دار الرياضة في امدرمان كان بالدار موظفين احدهم حمزة الفراش. وكان الحضور من الاقاليم يأتون باهلهم ويطالبون بالعلاج. كان الدكتور محمود حمد نصر يستقبلهم في عيادته في مكي ود عروسة ويقدم فواتيره ويلتزم الحزب بالدواء الخ. استأجر الحزب دارا قي جنوب سوق حي الملازمين تستقبل الزوار. كانت لحزب الامة دار كبيرة للزوار في حى الشيخ دفع الله عمل فيها لفترة الاستاذ الصحفي عبد الرحمن مختار. وكانت للحزب الوطني الاتحادي دار ضخمة في الخرطوم يديرها السلمابي. 

 قرر الحزب اقامة مشروع زراعي خاصة واسعار القطن بعد الحرب قد تضاعفت بسبب الرخاء العالمي، والبنوك كانت تبحث عن مستثمرين. تم اقامة مشروع ام هاني الزراعي الذي امتد لآلاف الافدنة. خارج مدينة كوستي. وتحصل اهل الارض على 10 % من الاسهم باسم عمدة ام هاني. تسلم ادارة المشروع الذي كان ناجحا بطريقة مميزة لأن من تسلم ادارته كان رجلا منضبطا من كبار ضباط الجيش المتقاعدين ومن يحتضن الفكر الاشتراكي. طالبت الادارة بتكوين نقابة ترعى حقوق المزارعين والعمال وأن تخصم من الحساب المشترك مبالغ للعلاج التعليم والأنشطة الاجتماعية. احتج مالكي المشاريع الاخرى خاصة رجال الطائفية وتم تقديم شكوى للحكومة التي هددت بسحب رخصة مشروع امهاني. 

 في كتاب الاستاذ عمر محمد عبد الله الكارب، قصة مشروع ورحلة عمر، الذي قضى كل حياته في مشروع الجزيرة نجد ان ابراهيم بدري كان في مجلس ادارة مشروع الجزيرة ومعه في المجلس الحافظ ممثل اسرة عبد المنعم وابي العلا اكبر البيوتات التجارية. قام ابراهيم بدري بالاستقالة عندما لم تستجاب مطالبه في مشروع الجزيرة لصالح المزارع. وإبراهيم بدري استقال من لجنة الدستور في 1951 عندما رفض طلبه بإعطاء الجنوب الحق في الحكم الفدرالي واعطاء وضح خاص لجنوب النيل الازرق جبال النوبة وابيي، لان ما يجمع الشمال مع هذه الاماكن هو الغزو التركي ويجب أن يكون لها وضع خاص. وهذا هو سبب الحروب، الانفصال والمشاكل اليوم بعد 70 سنة. 

طالب ابراهيم بدري بتغيير الاتفاقية بين الشركة البريطانية والمزارع التي كانت تخصم المنصرفات من الحساب المشترك ثم يتم اقتسام العائد بين الشركة والمزارع. وبما أن الشركة قد اممت فالحكومة يجب أن تغير الاتفاقية لصالح المزارع الذي يشقى. 

 يجب ألا ننسى أن الاشتراكيين قد انتقدوا الحكومة في سنين الثلاثينات وانهيار اسعار القطن وترك المزارعون للحواشة التي كانت تأكل ولا تلد. وكان شعار الفترة قصيدة كتبها ابراهيم بدري منها. 

 أنبت الروض فضة ونضارا…. لم يشكو اهل الرياض افتقارا.

 المقصود بالفضة والتبر هو القطن والقمح. 

طالب ابراهيم بدري. بتعديل لائحة سحب مياه النيل التي كانت لا تلزم صاحب المشروع من دفع مستحقات المزارعين كل سنة. وكان اصحاب المشاريع يعطون المزارع سلفيات هزيلة بعذر أن الحسابات ليست مكتملة. وإذا لم يقدم صاحب المشروع حسابات الشركة يدفع غرامة عبارة عن مئة جنيه في كل سنة. لم يقدم اصحاب مشروع جودة الحسابات لثلاثة سنوات واستخدم المال في بناء عمارة، ابو العلا، في شارع القصر. ثار المزارعون واتي الجيش وتم قتل العشرات وحشر 300 مزارع في عنبر جودة وماتوا بالاختناق. وهذا ما حذر منه الاشتراكيون. وقام ابراهيم بدري بالاستقالة من مجلس الجزيرة عندما لم تستجاب طلبات. وقد حذر الاشتراكيون من ظلم المزارعين. 

الاستاذة فدوي نسيت ان اخبرك عن العميل البريطاني الذي تواطأ مع اقطاب الحزب الجمهوري الاشتراكي والذي ادار مشروعهم الذي مول الحزب الذي صنعه الانجليز من الخونة. كنت اشاهده في المنزل بالقرب من منزلنا الذي استأجره والدنا ابراهيم بدري في حي الملازمين من الياس دفع الله شقيق البروفسير النذير دفع الله مدير جامعة الخرطوم وهم من اهل بربر عاصمة السودان الاولى. وفي ذلك المنزل سكن ناظر الشكرية محمد أحمد ابو سن وزير الشؤون الاجتماعية والكثير من مؤسسي واعضاء الحزب الجمهوري الاشتراكي. الناظر ابو سن والد حبيبنا عبد الله ابو سن الناظر بعد وحمودة ابو سن الذي كان من احترم كلمته في صباي وشبابي له الرحمة. 

 قبل سفر مدير مشروع امهاني الى مقر عمله الجديد اخذ بعض الرجال ثلاجتنا الحبيبة التي لازمتنا في رمبيك امادي جبيت سنجا عبد الله، وكانت تعمل بالجاز الابيض. لأنه لم يكن هنالك كهرباء في ام هاني. اذكر يا عزيزتي فدوى أن ذلك الرجل الذي ادار انتاج ومالية الحزب الذي افتريتي عليه كان رجل لطيفا استقبلني بحنان واهتمام عندما حضرت في صحبة الثلاجة التي تعمل بالغاز وانا لم التحق بعد بالمدرسة. اسمه عبد الرزاق على طه. كان يشبه الهرماس والفارس عبد المجيد على طه والد ابناء عمتنا والوحيدون من آل بدري كان لنا التصاق بهم وهم محمد، بابكر، عمر عثمان ومأمون. الرحمة للحيين والميتين. ونواصل من اين تم تمويل حزب الامة والوطني الاتحادي الشعب الديمقراطي الخ. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق