سياسة

سفينة بَوْح

انتقادات المآرِب والضغائن الشخصية

هيثم الفضل

أكثر ما يُقلق على مستقبل السِجال السياسي الذي سيسود السودان الديموقراطي بعد إكمال الفترة الانتقالية لبرنامجها وإيصال البلاد إلى انتخابات حُرة ، استمرار ثقافة الانتقاد والمُعارضة السياسية على ذات النسق القديم ، والذي تنبني معاييرهُ على الانطلاق من موطن الغبائن والمآرب الشخصية وأحياناً (الضغائن) ، فاتجاهات النقد السياسي في أوساط أحزابنا وهيئاتنا ومنظوماتنا السياسية (إلا من رحم ربي) ، أصبحت من النادر أن تنطلق من فقه المنطق والمعقولية والوسطية في الطرح ، بل أصبحت على الدوام في مُجافاة وتناحُر مع المصلحة العامة ، حتى لو كانت النتائج والمآلات وخيمة مثل ما يمكن أن يحدث من تشظي ومآسي لو لا قدر الله انحرفت سفينة (الموازنات) التي تضطلع بها قيادة البلاد ممثلة في السيد / رئيس الوزراء ، والمُتعلِّقة بدفع جميع الفُرقاء للعمل على قلب رجل واحد من أجل إنجاح برنامج انتشال السودان من هوتهِ العميقة على المستويين الامني والاقتصادي ، هذا فضلاً عن ترسيخ دعائم المسار الديموقراطي وتأمين السلام الشامل وموجبات التعايُش السلمي بين كل مكونات المجتمع ، بالإضافة إلى توطين التنمية المستدامة.

كيف يمكن أن يُنظر إلى تصريح السيد / مبارك الفاضل رئيس حزب الأمة المُتعلِّق برأيه في لجنة إزالة التمكين واتهامها بأنها الدولة الحقيقية التي تحكم السودان من وراء ستار ، دون الأخذ بالاعتبار ما  لا يمكن أن يكون له معنى خارج إطار (الضغائن) الناتجة عن مواقف الثورة ومبادئها من أمثالهِ ؟ ، فكيف لمتعاون وداعم للإنقاذ البائدة ضد شعب السودان وآماله وتطلُّعاتهِ أن يرضى بما تفعلهُ لجنة إزالة التمكين في ما تبقى من صروح الظلم والفساد وإذلال البسطاء باسم الدين والشعارات الهوجاء الزائفة ؟ ، أمثال مبارك الفاضل من الطبيعي أن لا يقفوا خلف أبواب الحق ، لأن المرء يُحكم عليه بتاريخه ومواقفه ومبادئه التي يوثِّقها لهُ التاريخ ، وهو لم يكن يومأً رجل وفاء ولا حكمة ولا تجرَّد ولا انحياز للمصلحة العامة.

نُقاد الضغائن والمآرب الشخصية ما زالوا يملؤون صفحات التواصل الاجتماعي ، بمعارضتهم للمنطق قبل الحكومة ، يستهزئون بما تم إنجازه في ملحمة تهيئة البلاد للتعامل الاقتصادي مع العالم الخارجي بعد حرمان دام أكثر من عشرين عاماً ، مُعلَّلين ذلك عبر فقه (الضغينة) السياسية ، بأن موارد السودان المهولة قادرة على سد احتياجات الاقتصاد السوداني ، وهم أكثر من يعلم إن استخراج وتدوير تلك الموارد يحتاج إلى مليارات الدولارات التي لا يستطيع توفيرها إلا المجتمع الدولي عبر هيئاته المالية ، أو بديلاً لذلك الوقوع من جديد في أحضان المحاور الإقليمية وارتهان كرامة وسيادة بلادنا الباسلة ، نفس أولئك المدفوعين بالضغائن والمتجاوزين لمُقتضيات المصلحة الوطنية العُليا ، ينتقدون برنامج ثمرات الذي وضعتهُ الحكومة الانتقالية للتخفيف من آثار رفع الدعم عن المواطن ، بعيداً عن المُنطلقات التصحيحية والبنَّاءة ، بل عبر انتقادات هدَّامة تستهدف نسف المبدأ نفسه ، حيث اعتبره البعض مُجرَّد خدعة تتداولها الحكومة فقط لتخدير الشعب المغلوب على أمره ، في حين إنهم لو استهدفوا في ذلك المصلحة العامة لانصب نقدهم للحكومة في استعجالها رفع الدعم قبل تأكيد سريان تنفيذ وتفعيل برنامج ثمرات ومثولهُ أرض الواقع ، من الواجب على الحادبين على الثورة وعلى المصلحة الوطنية العُليا أن ينتبهوا ويُفرِّقوا ويستبينوا بين (انتقادات الضغائن والمآرب الشخصية) ، وبين الانتقادات البنَّاءة التي تستهدف المصلحة العامة وتصحيح المسارات وتحقيق الأهداف النبيلة للثورة والثوار.

موارِد مُهدرة …!

حكى لي أحد الأصدقاء عن حالة الازدحام والتكالُب غير المسبوق التي تؤم مراكز منح شهادات تطعيم كورونا ، والتي وجدها بعد تجوُّلهِ في عُدة مراكز بالخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان تتراوح أعداد المُنتظرين فيها ما بين الثمانمائة والألف يومياً ، ثم أكَّد هذا الخبر وزير الصحة الإتحادي عبر مؤتمر صحفي أُقيم خصيصاً لأجل إيجاد حلول للمشكلة المتفاقمة يوماً بعد يوم ، والتي كان من بينها إفتتاح مراكز جديدة أهمها ثلاثة منافذ بجهاز المغتربين ، وإقرار مجانية الخدمة تلافياً لجشع السماسرة الذين جعلوا من الموضوع سوقاً رائجاً تُباع فيه هذه الشهادات بأسعار باهظة وخيالية خارج النظام ، هذا فضلاً عن انتشار الشهادات المزوَّرة وبعضاً من مظاهر الفساد المتمثلة في الواسطة وتجاوز الإجراءات ، لكن ما يهمنا في الموضوع أن صديقي هذا وعبر مشاهدته الميدانية أكَّد لي أن أغلبية المتقدمين للحصول على هذه الشهادة هم من فئة الشباب الذين لم يتجاوزوا في أغلب الأحوال سن الثلاثين عاماً ، وجميعهم يطلبونها بغرض السفر إلى السعودية بالأخص أو إلى دول الخليج الأخرى ، وفي ذلك إشارة لا تقبل الشك أن الظروف المأساوية التي يمُر بها شبابنا مع أسرهُم قد تجاوزت حدود الصبر ، واتجهت بفلذات أكبادنا للهروب من الوطن والتخلًص من أوجاعه بأيي ثمن ، حيث أن فكرة الاغتراب في دول الخليج لم تعُد كما كانت في سبعينيات القرن الماضي من حيث سِعة فرص العمل وما يمكن أن تحدثهُ للفرد من طفرات مُقدَّرة في وضعهِ المادي ، فالسعودية وغيرها من بلدان الخليج ولأسباب شتى مبدأها معاناة شعوبها من البطالة ، وأخرها أن ما يتوفّر فيها من فرص عمل لا ترقى أجورها ولا مُخصصاتها إلى ما يفي بتغيير حياة أولئك الشباب إلى ما يأملون ، اللهم إلا إذا كان المطلوب هو مُجرَّد (الحصول على حياة كريمة) لا تتجاوز حد الكفاف ، وأظن أن هذا هو المطلب إذا ما نظرنا إلى مانحنُ عليه الآن من صعوبات في مُجرَّد محاولة التشبُث بحياةٍ (عادية) في مواصفاتها.

ليت أولئك الذين يجأرون بالشكوى في متون المنابر من إهدار موارد البلاد الزراعية والصناعية عبر تصديرها كمواد خام ، ويدعون إلى الإسراع في توفير المشاريع والمناشط الاستثمارية والصناعية التي تعمل على رفع القيَّم المُضافة لتلك الموارد ، أن يلتفتوا إلى شبابنا وينظروا إليهم (كمورد إستراتيجي) لا تقوم بدونهُ أية محاولات للتنمية أو التعمير أو النهضة الاقتصادية في السودان ، ليتهم يدعون إلى توجيه كافة الإمكانيات المُتاحة خصوصاً تلك التي تحصل عليها لجنة إزالة التمكين اقتلاعا من أيدي وحناجر الفاسدين ، لمصلحة تشغيل الشباب ودعم مشاريعهم الصغيرة ، وذلك ليس من أجل تحقيق آمالهم وطموحاتهم كاملة ، ولكن فقط لإخراجهم من نفق اليأس المظلم وإحياء روح الأمل والتفاؤل في أنفسهم من جديد.

مثلما أقرَّت الحكومة الانتقالية رفع الدعم عن الوقود خشية أن يؤدي انخفاض سعرهِ إلى تجارةٍ خارجية تدعم دول الجوار عبر التهريب ، ومثلما تخشى حكومتنا على منظومتها الاقتصادية من تجارة السوق الأسود في العملات الأجنبية ، ومثلما تخشى الحكومة من التبِعات الكارثية لما يترتَّب عليه عدم التوافق السياسي والفني والتخطيطي إذا انفردت الجارة إثيوبيا بترتيب برنامج ملء سد النهضة ، وجب على حكومتنا الانتقالية أن تخشى على (ثروتنا) الشبابية كمورد إستراتيجي لا تستقيم التنمية المُستدامة بدونهُ لا في الحاضر ولا المستقبل.

عدم انحياز آيدلوجي  …!

على المستوى (النظري) لا يستوي أن تتصدَى قيادات في قوى الحُرية والتغيير في معظم المنابر الإعلامية لمعارضة ومُعاداة معظم مناهج وبرامج الحكومة الانتقالية المُتعلِّقة بالعبور بالبلاد إلى مرحلة الانتخابات واستتباب قواعد النظام الديموقراطي ، وبالخصوص في مجال رؤيتها للحلول التي يمكن من خلالها إيجاد مخارج للوهدة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد ويدفع ثمنها رهقاً معظم العباد ، وسيظل ذلك المنحى التناقُضي الذي بات يتطوَّر يوماً بعد يوم حتى أصبح شبيهاً بنزالات المعارضة مع ما يشبه حكم الاستبداد (المقُنَّن) بالشرعية الثورية والتأييد الشارعي ، مثاراً لاندهاش واستغراب الكثير من المُحلِّلين السياسيين انطلاقا من كون قوى الحرية والتغيير مثَّلت يوماً الحاضن الإستراتيجي للحكومة الانتقالية ، ثم مثلَّلت أيضاً ضِلعاً مهماً في مجلس شركاء الثورة بعد انضمام قوى الكفاح المُسلَّح إلى المشهد السياسي بعد توقيع اتفاق جوبا ، فللوهلة الأولى يبدو التشويش واضحاً ولا يحتاج إلى كثير بيان ، إذا ما طرحنا السؤال المنطقي التالي (كيف لحاضنة سياسية استأثرت بوضع الخطة الكاملة لتكوين حكومة الانتقال الديموقراطي ، ومن ثم لوائح شراكاتها الإستراتيجية مع العسكر وغيرهم من الفاعلين الذين فرضتهم حكمة التعايُش مع الواقع والإنحناء للعاصفة ، فضلاً عن احتكار وضع برنامجها المُحدَّد للفترة المُحددة عبر الوثيقة الدستورية ، أن تتواجد فجأةً ودون مٌقدمات في موقع أشرس المعارضين لسياسات وتوجُّهات الحكومة التنفيذية ؟).

أما المنظور (الفلسفي) لكل تلك التناقضات التي سبق ذكرها ، فهو من حيث المنطق يظل نتيجةً واقعية إذا ما انتبهنا إلى أن قوى الحرية والتغيير لم تكُن سوى منظومة ثورية توافقت على (توحُد) مرحلي يستهدف انتصار الثورة وإزالة النظام الإنقاذي البائد ، ثم غفلت بعد هذا عن وضع المعايير والأُسس الإستراتيجية التي تكفُل لأعضائها أقل قدر ممكن من التوافُق حول الأولويات ، ومناهج استنباط الحلول للمشكلات المُزمنة التي ستواجه تنفيذ خطة الانتقال الديموقراطي على أرض الواقع ، الذي لم يكن خافياً على الجميع تكدُّسهُ بالأشواك والمُعيقات ومخاطر السير في دروبه الوعرة ، ففقه اختلاف الرؤى بين (فُرقاء) قوى الحرية والتغيير من منظوراته الآيدلوجية والسياسية البحتة كان يحتاج قبل شيء إلى ميثاق شرف يوقِّع عليه جميع الأعضاء تحت شعار (عدم الانحياز الآيدلوجي) إلى أن تصل البلاد مرحلة الانتخابات.

ما يحدث الآن من انتقادات ومعاكسات ونشاطات مناوئة لتوجهات حكومة حمدوك في إطار حل المشكلة الاقتصادية عبر اعتماد المنهج الليبرالي كمسار أوحد يقتضي التوافق مع القوى الرأسمالية العالمية ، في اعتقادي هو مجرَّد سِجال أو صراع آيدلوجيي تلعب فيه الأحزاب ذات المرجعية الاشتراكية دوراً رئيسياً ، مفادهُ انحيازهم الفطري على المستوى الفكري و(النفسي) لمُعاداة البنك الدولي والمنظومات المالية الغربية ، رغم أن النُظم الاشتراكية في عصرنا الحاضر قد جعلت من الليبرالية الرأسمالية المُحرك الموضوعي لإستراتيجياتها الاقتصادية واكتفت بمُجرَّد (التجمُّل) بوشاح ظاهري وشكلي مُزخرف بشعارات اشتراكية ، هُم حين ينحون هذا المنحى يسمحون بتغلغُل الفلول بين صفوفهم خِلسة تحت طائلة (التوافق المرحلي) المُعنوَّن بمعاداة ومحاربة الحكومة الانتقالية ، إنهُ من العجاب العُجاب أن يصطف الكيزان والاشتراكيون على شتى مشاربهم في خندقٍ واحد ، ليهتفوا ذات الهُتاف ، ويتحدثوا نفس اللغة ، و يقفوا تحت ذات الراية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق