سلايدر

شبح الأزمة يتربص بالسودان!

الحكومة الانتقالية ورؤى الإصلاح الوازنة

د. محمد بدوي مصطفى

خطاب وازن فلنحسن الاستماع:

عند الاستماع لخطاب د. حمدوك الأخير للأمّة أجده قد مهّد لحديث وازن، صريح وعقلاني، يتضمنه سرد وقائع يعيشها هو نفسه آنيًا في صحن حكومته الانتقالية وأخرى ثابتة حاكها ونسجها التاريخ ودارت بها الأيام والسنون، وقد كان صادقًا في الرجوع إليها رغم مرارتها لأنها تفضح بصريح العبارة، وفي بعض الفقرات ضمنيًا، واقعنا الخائب وحظنا العاثر في أن من ائتمناهم ليحكمونا طيلة العقود الطوال الماضية كانوا فاشلين بجدارة وبمعنى الكلمة وللأسف لم يكونوا على قدر المسؤولية لبلد بهذا الشموخ وبهذا التاريخ التليد الذي وضع بصماته في سجلات البشرية جمعا بمداد من نور. ومن ثمّة أقرأ في كلمات د. حمدوك بأننا كشعب وأمّة ووطن لم نستطع إلى الآن أن نمهد معابر الطوارئ التي تخرج بنا إلى برّ أمان انتظرناه منذ أن رُفع علم الاستقلال في عام ١٩٥٦. فالسؤال الذي جاء ضمنيا في حديث د. حمدوك الصادق للأمة: ماذا بلغت الأمّة السودانية ومن وقف على حكمها من أهداف بعد أن خرج المستعمر الإنجليزي من البلاد؟ هل حققت أمن وسلام ووحدة البلاد؟ هل استطاعت أن تستجيب للحراك المعرفي الذي طال كل أنحاء العالم لا سيما الدول التي كانت نامية مثلنا ولم نستطع نحن أن نلقط منه ولا حتى نُطفا أو خطوطًا واهنة، فأين هذه الأمم وأين نحن الآن؟ لماذا لم نقدر أن نحكّم العقل والمنطق والذوق السليم في تجاوز خلافاتنا العرقية، الإثنية والعقائديّة التي أوصلت البلاد إلى هذه الهوّة وأوصلتنا نحن أولًا وأخيرًا إلى موقع صرنا فيه «طيش الأمم»، لماذا لم نصح طيلة الثلاثين سنة الماضية ولم نثر على الظالمين أو حتى أن ندرك ما قامت به هذه العصابات في البلد من أعمال مبتذلة. أين كنا وأين كانت عقولنا بربكم؟! هل كنا في سبات عميق لم نفق منه إلا بعد ثلاثين عامًا؟ عجبًا والله، علينا أن نستحي على خيبتنا وأن نستمع القول لمن يريد بالبلد حسن الخاتمة. حمدوك يعمل للبلد ولا يركض لمصالح أو شؤون آخرين، فهل نصغي وإلا لكنّا كالحمير تحمل أسفارًا، فالدولة العميقة وحتى بعد ثلاثة عقود لا تزال تتربص بالبلاد ولن تهجع لها هاجعة فهي ترفض أن يجد الإصلاح والتعمير طريقه على يد الذين أتت بهم الثورة ولكن هيهات.   

يشيد د. حمدوك بنضال شعب السودان الذي ثار على جبابرة الإنقاذ والظلم والرجعية. يذكر بأن هذا الشعب لا يزال ينتظر ساعة الانطلاقة إلى آفاق السلام الشامل والأمن الكامل والعدل العامل لمصلحة كل فرد من أفراد الشعب السوداني المناضل من أجل حقوقه وما سلب من ممتلكاته، قائلاً: «تشهد بلادنا أزمة وطنية شاملة منذ استقلالها تمثلت في غياب المشروع الوطني الذي يحظى بإجماع كاف يحقق رغبة السودانيين والسودانيات في قيام حكم مدني ديمقراطي يحقق المواطنة المتساوية. نهض شعبنا من بين الركام وفجر ثورة ديسمبر المجيدة بأوسع مشاركة جماهيرية وباستجابة القوات النظامية لنداءات الشعب التواق للتغيير. منحت الثورة فرصة تاريخية لبلادنا بما طرحته من ملامح المشروع الوطني المنشود عبر شعار «حرية سلام وعدالة». مع ذلك ورغم ما حققته الثورة في عامين من سلام وفك للعزلة الدولية وسير في طريق التحول الديمقراطي، إلا أن وطأة الماضي الثقيلة تركت انقسامات متعددة الأوجه (مدني مدني – مدني عسكري- عسكري عسكري) وقد تفاقمت هذه الاختلافات في الآونة الأخيرة وأصبحت تعبر عن الأزمة السياسية العميقة التي تعاني منها البلاد حالياً.»

مخاطر الشبح على الانتقال:

لولا وجوده ودأبه ومثابرته في كل الجهات خارجيًا وداخليًا لما تحقق ما وصلت إليه حكومته من إنجازات مثال إنجاز السلام في مرحلته الأولى وفك العزلة الدولية وإزالة اسم السودان من قائمة الإرهاب والإصلاحات القانونية والسياسية والانفتاح الاقتصادي. ولكن كل هذه الإنجازات صارت مهددة، ويشير في هذا الصدد إلى أن هنالك تحديات عديدة تعترض مسار هذا الانتقال على حد قوله تتمثل أهمها في الآتي: «الوضع الاقتصادي والترتيبات الأمنية والعدالة والسيادة الوطنية والعلاقات الخارجية واستكمال السلام وتعدد مراكز القرار وتضاربها والوضع الأمني والتوترات الاجتماعية والفساد وتعثر إزالة التمكين وبناء المؤسسات. يأتي كل ذلك على خلفية الانقسامات داخل الكتلة الانتقالية وعدم وجود مركز موحد للقرار وغياب الأولويات والتصور المشترك للانتقال.» يستطرد في هذا السياق ليشير لما شهدته الفترة الماضية من تصاعد الخلافات بين شركاء الفترة الانتقالية ويحذر أن ذلك، على حد قوله: «يشكل خطراً جدياً لا على الفترة الانتقالية فحسب، بل على وجود السودان نفسه، وقد بذلت مجهودات في التواصل مع الأطراف المختلفة ونزع فتيل الأزمة، والتي أرى أنها لن تحل إلا في إطار تسوية سياسية شاملة تشمل توحيد الجبهة المدنية والعسكريين وإيجاد رؤية مشتركة بينهما للتوجه صوب إنجاح المرحلة الانتقالية وبناء الدولة المدنية الديمقراطية التي تنهض على قاعدة المواطنة المتساوية.»

ولم يكن د. حمدوك سلبيا في ذكر ما هو خطير محذرًا منه بل جاء بمقترحات جليلة وازنة تمهد لسبيل الانتقال بالأمة والوطن إلى الأمام، حيث يقول أنّه يتقدم بمقترحات هامة كأساس لأي تسوية سياسية تبعد شبح الأزمة الحالية وتفتح الطريق نحو الانتقال الديمقراطي ومن أهمها  إصلاح القطاع الأمني والعسكري الذي صار مقلقًا للغاية لوجود عنصرين في الظاهر متفقين ولكنهما قد لا يتفقان خلف الكواليس، بالإضافة إلى ذلك أن أيادي الدولة العميقة تحاول بالبروبغاندا التي تنشرها زعزعة الأمن وإثارة الخلافات بين العنصرين، القوات المسلحة وقوات الدعم السريع ولا أحد يمكن أن يتنبأ بأن تستمر هذه الأمر على هذا المنوال الغير آمن؛ في الحقيقة نحن نستكين ونرقد فوق منجم بارود سريع الاشتعال، والحل الأوحد أن تتوحد القوى وأن يكون لهذا الشعب جيش واحد بأهداف واحدة وآمال واحدة كلها تصب في بوتقة واحدة من أجل أمنه وأمانه. لذلك وعلى حد قول د. حمدوك فإن قضية إصلاح القطاع الأمني والعسكري قضية وطنية شاملة لا تقتصر على العسكريين ويجب مشاركة المجتمع السياسي والمدني في رؤية الإصلاح، وهي قضية مفتاحية لكل قضايا الانتقال وبدونها لا يمكن حل قضايا الاقتصاد والعدالة الانتقالية وبناء الدولة المدنية وهو الأمر الذي يتطلب الآتي:

١) القوات المسلحة السودانية يجب أن تكون الجيش الوطني الوحيد وذلك يتطلب إصلاحات هيكلية وعقيدة عسكرية جديدة وتمثيل التنوع السوداني في كافة مستوياتها وتنفيذ اتفاق الترتيبات الأمنية الوارد في اتفاق جوبا لسلام السودان.

٢) قوات الدعم السريع ذات طبيعة خاصة وساهمت بدور إيجابي في التغيير ودمجها في القوات المسلحة يتطلب توافق بين قيادة القوات المسلحة والدعم السريع والحكومة للوصول لخارطة طريق متفق عليها تخاطب القضية بكل أبعادها.

٣) جهاز المخابرات العامة والشرطة السودانية يجب أن ينفذ ما ورد في الوثيقة الدستورية بشأنهما وأن يخضعا لعملية إصلاحات عميقة وجذرية وعاجلة. اضطلاع الجهاز التنفيذي بدور أكبر في إدارة جهاز المخابرات وتغيير كافة مدراء الإدارات بآخرين حادبين على نجاح المرحلة الانتقالية وإجراء إصلاحات جوهرية وسريعة في هيكله وطرق عمله.

٤) مراجعة النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية وحصره في الصناعات ذات الطبيعة العسكرية ومراجعة الشركات التي انتقلت لحوزته عقب التغيير ودمج نشاطه الاقتصادي في الاقتصاد الوطني تحت ولاية المالية على المال العام.

٥) ابتعاد القوى السياسية عن العمل داخل القوات المسلحة وعدم استقطاب منسوبيها.

٦)  تطوير صيغة مجلس الأمن والدفاع لمجلس للأمن القومي يمثل فيه المدنيون والعسكريون بصورة متوازنة ويختص بوضع استراتيجية الأمن القومي ومتابعة تنفيذها.

٧) قضية مستقبل القوات المسلحة وتنظيم علاقتها بالحياة السياسية الديمقراطية ستكون من قضايا المؤتمر الدستوري التي ستحسم قبل نهاية المرحلة الانتقالية.

من وراء المخططات الإجرامية؟

ويجب أن نشير في هذا المقال إلى بعض العوامل التي تعرقل مسار الثورة والتغييرات التي يسعى إليها فريق الحكومة الانتقالية بكل جدية، وأنّ هناك مخطط صفق يُدار بعناية فائقة عبر تجييش مئات الشباب بالأسلحة البيضاء لصنع خارطة نفوذ وصراع في المجتمع السفلي للمدينة، يُبنى عليها أساس جريمة منظمة يتم مدّها بالأسلحة الخفيفة والمخدرات بأنواعها المختلفة في ظل ضعف الرقابة الأمنية الحالية. وإن هذا المخطط الذي بدأ بصورة جادة في شهر مارس 2020م استطاع تجنيد فئات عرقية معينة لعرقلة الأمن والقيام بأبشع الجرائم للكيد للأجهزة الأمنية والطعن في مصداقيتها وحرفيتها. وهناك معلومات تقول بأن أثرياء الإنقاذ من شرق السودان وآخرون يقيمون في دول مجاورة، وقادة الأمن الشعبي سابقًا، ومكونات أمنية مخلوعة مختصة في حرب العصابات يعملون جميعهم بدأب وجهد منقطع النظير على تفعيل وتكثيف اضطرابات داخل المجتمع السوداني وبين مختلف إثنيّاته هادفين بذلك إلى اجهاض الثورة. 

معالجة الاقتصاد المنهار:

يطمأن د. حمدوك الشعب ذاكرًا أن الموارد المنتجة داخليًا هي دون أدنى شك كافية لحل الضائقة الاقتصادية الطاحنة التي تجتاح البلاد منذ مدّة، ويشير هاهنا للثروات العظيمة التي يمتلكها الوطن، ذاكرًا من بينها الذهب والثروة الحيوانية والمحاصيل الزراعية وأن الخطل الحقيقي يكمن في إدارتها وتحكم أجهزة الدولة في عائد صادرها وأن تتمكن وزارة المالية من فرض الولاية على المال العام، لذا يجب تكوين آلية من الجهاز التنفيذي والعسكريين ومراقبة الجهاز التشريعي لضمان تحقيق هذه المطلوبات. ومن المكتسبات التي من شأنها أن تسند وقوف الاقتصاد على رجليه هو السلام الشامل والعادل في كل أنحاء البلاد، لأنه حقيقة أهم مكتسبات الفترة الانتقالية لذا فإن تعزيز الإرادة السياسية لدى كافة الأطراف وتوفير الموارد اللازمة لتنفيذ الاتفاق وحل المعضلات التي تعترض تنفيذها واستكمال عملية السلام هو أولوية قصوى لجميع الأطراف.

خطاب يحمل آمالا تبتسم:

جاء حديث رئيس الوزراء د. حمدوك محملًا بأمل باسم من جهة بأن ناقوس النهوض من الجُنُوب قد دقّ وآن الأوان بأن نعمل؛ ومن جهة أخرى يحذر هذا الجرس بشبح يهيم في كل مكان ليفرمل عجلة التغيير التي أرادها الشعب السوداني. حقيقة إنّه من أهم الخطابات التي ألقاها في فترة حكمه هذه، بل هو الخطاب الأهم بجدارة، لأنّه في نظري شمل كل ما يمكن أن تشمله خطة قائد من خلال رؤى مستقبلية جادة وخطط واقعية متزنة ووازنة، كلها تستند إلى قاعدة معرفية وخبرة عالمية وفي الآخر عن دراية ومعرفة انطلاقًا من عمله في سني الفترة الانتقالية وكل هذه الرؤى تنشد وتصبو للخروج بالسودان من جحيم الإنقاذ وسنواته العجاف إلى برّ الأمان وسنوات الرغد والنعيم والاكتفاء الذاتي بإذنه تعالى. لقد عرف عن د. حمدوك أنّه لا يميل إلى اللغط واللغو والخروج في كل سانحة لمخاطبة الجمهور لكنّه يعمل عملًا دؤوبًا خلف الكواليس، في صمت وجد وبنكران ذات. لقد حثّته خرجته الأخيرة أمام الشعب لما اكتظ بدواخله من علوم تتعلق بأشباح خطرة على مسار الثورة وفترة الانتقال ولا تريد الخير لها ولن يهجع لها خاطر ولن تنام أعينها إن لم تنل ما تريد، لكن هيهات، وكما قال الأخ وجدي، إنّه حلم إبليس بالجنّة، وأرجو أن تكون قولته هذه في مكانها وألا ندع فرصة لمن انتهك حرمة السودان بأن يعودوا ليسفكوا دماء أهله وينهبوا خير أبنائه وأن ينفردوا بالصولجان لوحدهم. نعم، يجب أن يقف الكل وقفة واحدة في وجه الطغيان الإنقاذي الغاشم وأن نقول «لا رجعة مهما كلف ذلك … لا رجعة إلى الوراء».  وأكد د. حمدوك على أهميّة تفكيك دولة الحزب الواحد لصالح دولة الوطن وتفكيك نظام الثلاثين من يونيو كأساس لنجاح الفترة الانتقالية وسدّ الأبواب على مصرعيها أمام منسوبي النظام المخلوع وشركائه وكل من ساهم في تعطيل مسار الفترة الانتقالية حفاظًا على امتيازات ثورة ديسمبر المجيدة التي أنشأها الثوار وحموها بدمائهم وأرواحهم الشريفة.

خطاب السبت ومشاريع التأهيل الاقتصادي الواعدة:

وفي حديث وزير شؤون مجلس الوزراء السيد خالد عمر في المؤتمر الصحفي الذي عقده مساء السبت (الأمس) بوكالة السودان للأنباء، أكد سعادته على استمرار الدعم الحكومي للدقيق وغاز الطبخ والكهرباء وللدواء، والبدء الفوري في حملات فرض الرقابة الصارمة على الأسواق، لضبط الأسعار، وفيما يخص مجال الذهب، أعلن عن مُصادرة وتسليم الذهب المُهرّب. وفي نظري أجد قضية التصدي لتهريب الذهب الذي بلغ حجمه في العام الماضي حسب رئيس غرفة العاملين بالذهب حوالي مائة طن ولم يدخل من هذه الكمية الهائلة غير حوالي أربعة ونصف طن لا غير إلى البنك المركزي. فأين ذهبت البقية الباقية هذا هو بيد القصيد!؟ ثروات السودان المهدرة ينبغي أن تحصر بكل نزاهة وأمانة من قبل الجهات الرسمية ولا هوادة أو مهادنة مع أيّ جهة كانت. فليس البلد ملك لأحد بل لأهلها، فمن يمتلكون جبال الذهب وقناطيره ينبغي أن يعملوا بكل شفافية ونزاهة وأن يعطوا كل ذي حق حقّه وإلا لسارات الأمور كما كانت عليه في الثلاثين سنة الماضية، «إنقاذيّة ميّة الميّة»!

كما وأعلن أن الحكومة ستبدأ فورًا في تضمين مليون أسرة تحت مظلة التأمين الصحيّ بتمويل من وزارة المالية وديوان الزكاة بالإضافة إلى منح كبيرة بحوالي عشرة مليار جنيه لكل العاملين بالدولة وستكون غير خاضعة للضرائب، ذلك اعتبارًا من شهر يوليو القادم. وكل هذه المؤشرات هي دون أدنى شك رسائل خير وبركة ونتمنى أن تجد التطبيق في القريب العاجل دون بيروقراطيات وتعقيدات مكاتبية كما هي الحال في البلد منذ عهد زهيد. على كل إن ما قدمته الحكومة خلال برنامج ثمرات بيّن ومحمود وقد وصلت خيراته لآلاف الأسر من الشعب وكان سببا رئيسا في رفع أثقال المعاناة من كاهلها. ومن أهم القرارات التي اتخذتها الحكومة في هذا الاتجاه وأكد سعادته عن تطبيقيها في القريب العاجل هو توسيع قاعدة تطبيق برنامج الدعم الأُسري ثمرات لتصل إلى 3 ملايين أسرة (متوسط حوالي خمسة عشر مليون مواطن) خلال شهرين بالإضافة إلى زيادة رأسمال برنامج سلعتي من أثنين مليار جنيه لعشرة مليارات جنيه لتزداد رقعة المستفيدين من المشروع بمختلف أنحاء السودان، فضلًا عن البدء الفوري في تفعيل الجمعيات التعاونية الإنتاجية والاستهلاكية ومراجعة الهيكل الراتبي لإزالة تشوهاته، وتطبيق الهيكل الراتبي الجديد ببداية السنة المالية الجديدة 2022م ، وكما أعلن بدء إجراءات استيعاب خمسة ألف موظف وموظفة بالعاصمة والولايات بمدخل الخدمة، وقبول كل الأطفال في سن المدرسة مجاناً بالصف الأول ابتدائي بالمدارس الحكومية ومنع تحصيل أي رسوم على الطلاب. وقد تحتاج هذه الفقرة الأخيرة لمزيد من الإيضاح فماذا عن المدارس الخاصة التي أثقلت كاهلها الحكومة بالضرائب ولن تستطيع الاستمرار بالمجان لأن لديها مسؤوليات والتزامات تجاه طاقم الأساتذة والموظفين الذي يديرها ويقوم على شؤونها.

من جهة أخرى أعلن سعادته على وقف الاستيراد من الموارد الذاتية للعميل وعدم السماح بالاستيراد من غير الإجراءات المصرفية وعدم قبول أي تسوية في هذا الصدد، علاوة على تكملة إجراءات إنشاء بورصة الذهب والمحاصيل فوراً، وتوفير التمويل اللازم لمدخلات الزراعة بالقطاع المروي والمطري التقليدي وشبه المُمَيْكن عن طريق محفظة البنوك ووزارة المالية. وقد علق أحد القراء على القرارات المعلنة كما يلي: «الاقتصاد كما تمارسه الدول العربية، زيادة الترهل واغراق التوظيف الحكومي، والتمسك بالمؤسسات الحكومية ومحاصرة المهن الحرة وتعطيل التبادل التجاري، ثم فرض الاتاوات والجبايات التي تثقل كاهل الدول والمواطن على حد سواء باسم التحرير الاقتصادي؟! والمحصلة معلومة مسبقا لدى الجميع، والاسوأ بأن لا أحد يستمتع بهذه التراجيديا.»

وعن قضية الضائقة الحالية في مجال الطاقة واستمرار القطوعات الكهربائية جاءت تصريحاته إيجابية ومحفزة فقد أعلن البدء في إكمال مشروع كهرباء قري 3 والذي يتوقع أن يضيف للشبكة القومية ما يعادل 450 ميغاواط. بالإضافة إلى توفير الموارد اللازمة لصيانة جميع المحطات بما يضمن أن يضيف للشبكة القومية ما يعادل 250 ميغاواط على الأقل، قبل نهاية العام، علاوة على التوقيع فوراً على عقود مشاريع توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. وفيما يخص الثروة الزراعية أكد على إعادة تأهيل مساحة المشاريع المروية بما يضيف 100 ألف فدان إلى المساحات الحالية. وحسب تصريحاته ستشرع الحكومة في التوّ على حفر حوالي خمسمائة بئر للماء الصالح للشرب بكل أنحاء السودان وسيكون للمناطق التي تأثرت بالحروب نصيب الأسد فيها. وما نتمنى لهذه المشاريع إلا التوفيق والسداد.

خاتمة.

جدير بأن نشير إلى ما قاله د. حمدوك فيما يتعلق بضرورة التوافق بين مكونات التغيير السياسي والاجتماعي في السودان التي هي بمثابة حجر الأساس التي تمكن ثورة ديسمبر المجيدة من الوصول إلى مراميها وتحقيق الأهداف الكبيرة التي نشبت من أجلها. وأكد على أن تحقيق مهام ومطلوبات جدير بأن يكفل لها الانتقال السياسي والديموقراطي السلس حتى تصل بكل أمان إلى مرحلة الانتخابات ولكي تحقق مبادئها الثورية بالحرية والسلام والعدالة. وأكد د. حمدوك أنّه يدعم هذا التوجه بالنقاش والحوار المشترك من أجل زرع وتعزيز الثقة بين جميع أطراف الوثيقة الدستورية وأطراف العملية السلمية الموقعة على سلام جوبا وقوى الكفاح المسلح التي تقف مع التغيير وتتفاوض مع الحكومة الانتقالية وأهمية التوصل إلى سلام شاملٍ مع الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال بقيادة عبد العزيز الحلو وحركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور لتحقيق قيم المواطنة أساساً للحقوق والواجبات. يدعو خطاب د. حمدوك كل أفراد الشعب السوداني بتكتلاتهم وتجمعاتهم وإرادتهم المتباينة للعمل سوياً من أجل تحقيق مهام الانتقال والتحول الديمقراطي. ويذكر بمهددات الانتقال السياسي والديمقراطي التي تتطلب النظر للقضايا الهامة بعمق حتى تقود كل هذه الجهود لاستكمال هياكل السلطة الانتقالية وبناء مؤسساتها ومن ضمنها المجلس التشريعي والمفوضيات. كما يخاطب د. حمدوك قضية إعادة هيكلة مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية لتعبر عن تطلعات كل السودانيين دون فرز وتكون مرآه لهم جميعا ودعا الشركاء المشاركين في غضون الفترة الانتقالية بالمساهمة الفاعلة والجادة في وضع رؤى وخطط وبرامج تسهم في الإصلاح الاقتصادي والتأسيس لدولة واقتصاد يقوم على الإنتاج. والله ولي  التوفيق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق