ثقافة وفن

في حوار مع الكاتب والمترجم المغربي محمد المساري

المغرب وإسبانيا تاريخ ضد كل منطق

هو من أحد أبرز الكتاب والمترجمين المغاربة والذين يعدون حلقة وصل بين الثقافة المغربية والإسبانية حيث ترجم العديد من المنشورات والكتب الإسبانية الهامة والموزعة بين أدب الرحلة والشعر والمسرح إضافة إلى دراسات أكاديمية ومنشورات تربوية مترجمة إلى الإسبانية  ومن أبرز هذه الترجمات رواية  لاثاريجو دي طورمس و السكوت علامة الرضى (مسرحية شعرية إسبانية ) والحياة حلم (مسرحية شعرية). ذكريات مغربية للرحالة خوسي ماريا دي مورغا (أدب رحلات) وحميميات من المغرب: كتابات الدكتور فيليبي أوبيلو عن مغرب القرن التاسع عشر. (دراسة) وأسفار في المغرب للرحالة الجاسوس خواكين غاتيل. (أدب رحلات) والعلاقات المغربية – الإسبانية: تاريخ بدون منطق (دراسة) للأكاديمي الاسباني برنابي لوبيز غارثيا Marruecos y España  Una historia contra toda lógica

وهذه الاخيرة هي موضوع حوارنا مع الكاتب والمترجم المغربي ابن مدينة سبتة المحتلة محمد المساري الحائز على  جائزة “إدواردو ميندوثا” الأدبية عن قصته  القصيرة “غراميات خفية (Amores ocultos)– دورة 2004

إضافة إلى ترجمته لعدة كتب عربية قيمة إلى اللغة الإسبانية ككتاب الصومال وكتاب الصهيونية: من المنبع إلى المصب (دراسة) وكتاب التغلغل الإسرائيلي في إفريقيا. (دراسة):

كتاب العلاقات المغربية الإسبانية تاريخ ضد كل منطق هو موضوع حوارنا مع مترجم الكتاب الأستاذ محمد المساري لكي يضعنا في الصورة الكاملة حول طبيعة العلاقات المغربية الإسبانية من زاوية تقييم تاريخية موضوعاتية، وكيف ساهم هذا العمل في تفكيك بنيوية هذه المعادلة التاريخية بين ضفتي المضيق خاصة في ظل الأزمة الدبلوماسية الراهنة بين المغرب وإسبانيا.

حاوره عبد الحي كريط

> المغرب وإسبانيا تاريخ ضد كل منطق يعد من الكتب القيمة والنادرة التي فككت جذور صورة المغرب في اﻹستوغرافيا اﻹسبانية وفي بدايات الاستعراب الإسباني، ماهي المحددات الرئيسية التي انطلقت منها لترجمة هذا الكتاب؟

كعادتي مع الكتب التي سبق لي وأن ترجمتها، وهي تنيف عن الستة عشرة، هناك مراحل لا بد من قطعها: في البداية أختار الكتاب المناسب استنادا إلى اعتبارات عدة؛ أهمها استجابته للمواضعية التي أشتغل عليها منذ ما يزيد عن 15 سنة، وهي بالمناسبة العلاقات المغربية الإسبانية انطلاقا منذ أواسط القرن التاسع عشر، كما تعكسها كتابات الرحل أو تقارير الجواسيس. وهي كتابات تبلور إلى حد كبير كنه الاهتمام الإسباني بالمغرب وآفاق الطوايا المبيتة لنخبها الأولية اتجاه المغرب. بعد قراءة نقدية تمحيصية ثم تقييمية للعمل أرى من خلالها إن كانت هناك جدوى من ترجمته، إعتبارا إلى القيمة المضافة بالنسبة للمشهد الثقافي المغربي. أسعى إلى الحصول على موافقة مؤلفه. ثم تأتي مرحلة مفصلية وتتمثل في البحث عن جهة تلتزم بمساهمة في تمويل طباعة المؤلف ونشره.

الحقيقة أني لم أجد أية صعوبة في المراحل المذكورة: الكتاب جيد، بكل المعايير، إذ يتطرق لموضوع غاية في الأهمية بالنسبة للعلاقة بين البلدين الجارين، كما أن المؤلف صديق قديم، لم يأذن لي بترجمته كتابه فحسب، ولكنه حفزني على ترجمته، أما وزارة الثقافة الإسبانية فقد لبت مشكورة طلبي بمساهمة قيمة يسرت طبع الكتاب ونشره.

> هل من نظرة على محتواه؟

لتقريب القارئ من محتوى الكتاب، أرى أن من اﻷفيد أن أحيل على بعض ما جاء في تقديمه، وهو:

  “لم يتبع تاريخ العلاقات المغربية ـ الإسبانية مسارا “منطقيا ـ طبيعيا”. فالجوار الذي يجمع بين البلدين المطلين على مضيق جبل طارق يدخل في مجال ما هو طبيعي. ولهذا السبب، كان من المفترض ان يعمل المنطق الطبيعي على التقريب بينهما وأن يكون التواصل والتعاون وحسن الجوار من ثوابت علاقتيهما، غير أن التاريخ كثيرا ما أفرز عراقيل ومطبات عملت على الانحراف بمسار الأحداث إلى ما لا يتفق ومصالح الشعبين. هذا الكتاب، المشكل من ثلاثة أجزاء، يتناول بالبحث والتمحيص العلاقات الإسبانية المغربية طوال الفترة الممتدة ما بين 1860 وبداية القرن الواحد والعشرين.

أعني الجزء الأول بالحركة الإيديولوجية والتجارية التي سبقت الاحتلال الاستعماري للمغرب والتي كان لرجال الصحافة والمستعربين والمستفرقين دور بارز فيها، فيما يركز الجزء الثاني على فترة الحماية الممتدة ما بين 1912 و1956 مخضعها للدراسة تفاعلات حرب المغرب في إسبانيا وتداعياتها علي حياتهما السياسية. أما الجزء الثالث فيتناول المرحلة الواقعة ما بين 1956 و2006 مع إحاطـــة بحصيلة العلاقة بين البلدين منذ استقلال المغرب.”

> برنابي لوبيث غارثيا رأى أن حرب إفريقيا كانت بمثابة تحول إستراتيجي في السياسة الإسبانية تجاه المغرب ومن خلالها تدفقت أنهار من الأدب حول هذا الموضوع هل لك أن توضح لنا هذه النقطة؟

“حرب إفريقيا” (1859 ـ 1860) مصطلح تضليلي وجد طريقه إلى الكتابات الأكاديمية. لقد صيغ كتعبير عن تصور استعماري خالص. إذ ما جرى في واقع الأمر، كان حربا عدوانية إجرامية على دولة قائمة قبل وجود الكيان الإسباني بسبعة قرون، وليست أرضا خلاء كما توحي بذلك تسمية الحرب. والدافع إليها، كما هو معلوم، كان تصديرا لأزمة خانقة كانت تتخبط فيها إسبانيا؛ تمثلت في فراغ خزينة الدولة وشح مداخيلها واستفحال ديونها الخارجية واستشراء الفساد المالي والأخلاقي إلى حدود خرافية، هذا إلى جانب عامل حضور جيش استعماري مهزوم يترصد الفرص للاستلاء على مقاليد دولة مريضة.

حرب بهذه الطبيعة وفي هذا السياق، كانت تحتاج إلى حملة دعائية ضخمة لتسويغها أمام شعب مكلوم، كره تسلسل الحروب والهزائم. وهي حملة أريد لها أن تسبق الحرب وتواكب مجرياتها ثم تعمل على استثمارها داخليا.

في هذا السياق، أفرزت الحملة الدعائية المئات من الأعمال الأدبية والفنية. غير أن هذا الكم الهائل، كأي إبداع يتم تحت الطلب، اتسم بالتلفيق والهزال والسطحية البالغة، ولم تفلت من غثاثته سوى بضع أعمال مثل؛ الرواية التاريخية الشهيرة: “عيطة تيطاوين” لبينتو بيريث غالدوس، وتسجيل وقائع بعنوان: “يوميات شاهد على حرب تطوان” لمؤلفه بيدرو أنطونيو دي ألاركون.

> ما مدى موضوعية الكتاب في تناوله لتاريخ العلاقات الثنائية بين إسبانيا والمغرب؟

الموضوعية أو الحياد الإيجابي مسألة صعبة التحقيق في الكتابة التاريخية، وبخاصة عندما تكون النخب الأولية الآخذة بزمام الحكم في بلد ما، امتداد للنخب الأولية موضوع الدراسة. فتفرز تلك الكتابات حساسيات وضغوطات اجتماعية يصعب التحكم في تداعياتها وقد تكون النتائج ضارة بصاحبها.  وهذا ما يفسر، مثلا، أن يكون للمؤرخين الأجانب هيمنة على الكتابة التاريخية الإسبانية، وخاصة المتعلقة بمجال التاريخ لجارتنا. فالديموقراطية الإسبانية فشلت إلى حد كبير في إنتاج آليات تؤسس لثقافة جديدة تتعامل مع الماضي بحياد وموضوعية، والسبب يعود حتما إلى أن البنى الأكاديمية التي تركها نظام فرانكو غيرت جلدها، لكنها لم تغير كنهها ولا الفاعلون فيها.

يحاول المؤلف أن يكون حياديا، هذا صحيح، وقد استطاع كأكاديمي متمكن ورصين أن يحقق ذلك إلى حد كبير. والأمر، أن الكتاب موجه إلى الإسبانيين، ومن ثمة نلمس بعض بقايا الرقابة الذاتية التي فرضها قانون، فراغا للمنشورات سنة 1966 وهو واقع حاضر حتى في أشد الكتابات أكاديمية.

> بين الجوار الحذر واللامنطق التاريخي على ضفتي المضيق تبقى هذه المعادلة هي السائدة بين المغرب وإسبانيا، كيف ساهم هذا العمل في تفكيك بنيوية هذه المعادلة التاريخية؟

إن الكتاب، بشكل، مباشر وغير مباشر وعبر وقائع بعينها، يسلط الأضواء على هذه المعادلة التاريخية، بحيث يتيح للقارئ بعض الأدوات التي تسمح له بتفكيكها، ومن ثمة فهمها في إطار سياق محدد.

غير أن من الإشكاليات المرافقة لهذا الجوار الصعب والمؤلم بالنسب للدولة الواقعة على جنوب الحدود، هو امتدادها عبر الزمن وتفاقم الفوارق بين الجارين. فالمكسيك، وهي تعيش وضعية جوار شبيهة بالمغرب، لخصت هذه الوضعية في مقولة شهيرة لأحد رؤسائها في القرن 19. إذ قال: “ما أتعس المكسيك؛ دولة بعيدة من الله وقريبة من الولايات المتحدة الأمريكية “.

إننا في المغرب، بحكم موقعنا الجغرافي، نجاور، لا دولة، بل قارة بكاملها، بالغة القوة والبطش، غير أن أخطر ما تتصف به ونكتوي به، إيديولوجية كولونيالية عاتية، راسخة تستبيح إنسانية الإنسان وتسخر بؤسه وآلامه لخدمة مصالحها ولاستزادة رفاهيتها.

> ما هو الأفق الأكاديمي لهذا العمل المترجم من خلال تحليله لعناصر جذور الصراع الإسباني المغربي؟

الحقيقة أني لا أرى أفقا أكاديميا يمكن التعويل عليه في إعطاء مثل هذه الأعمال حق قدرها. جامعيونا ومثقفونا، للأسف الشديد، منشغلون بأشياء وبمواضيع تحلق بهم في عوالم أخرى. إنها بكل المقاييس أزمة، ومن أخطر مظاهرها نقص في إنتاجاتهم، والقليل الذي تفرزه قريحتهم، عادة ما يكتب بلغات أجنبية. ويروم، عن وعي أو بدونه، خدمة أجندات لا علاقة لها بمصلحة الشعب الذي يقتطع من رزقه ليمول بيروقراطيتهم المحنطة.

ولا أدل على ما نقول كون دار النشر ليتوغراف بطنجة، مولد هذا الكتاب، وزعت عشرات النسخ منه بالمجان على العديد من المثقفين المهتمين، لكن لم يصلنا بعد عشر سنوات أي صدى لقراءتهم، لا سلبا ولا إيجابا.     

> ماهي ملاحظاتك الشخصية حول هذا الكتاب باعتبارك مترجما لهذا العمل الأكاديمي؟

لا يسلم عمل من مثالب، بطبيعة الحال. وملاحظاتي على هذا الكتاب يمكن تعميمها على باقي الدراسات الأجنبية وبالأخص الإسبانية التي تتناول المغرب. إنها تمثل حوارا للغرب مع ذاته، لأن مواقف المغاربة من شأنهم الخاص، لا تؤخذ بالحسبان في تلك الكتابات. فأغلب الدارسين الأجانب لأحوال المغرب جاهلون باللغة العربية. وهذا شيء لا يحدث عندهم. فالمؤرخ الإيرلندي “إيان جيبسون” عندما انتقل إلى إسبانيا ليكتب عن تاريخها بدأ بدراسة متينة للغة الإسبانية.

> كلمة ختامية؟

ختاما، أرى أنه بالرغم من مرور عقد من الزمن تقريبا على صدور هذه الكتاب، إلا أن محتواه لم يعرف تقادما. بل على العكس من ذلك، أثبتت الأزمة المغربية الإسبانية التي نعيش وقائعها حاليا أن هذا الكتاب يحمل بين دفتيه الكثير من الأجوبة على أسئلة لا يجد لها المراقبون والمحللون لهذا الشأن تفسيرا مقنعا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق