آراءدين

القرآني للمرة الألف.. لا يُنكِر السنة.. فكفاكم استغباءً للبسطاء!!

عبد الحميد اليوسفي

أ. عبد الحميد اليوسفي
باحث مغربي

بدايةً، أنا قرآني، بالمعنى الذي يفيد بأن المصدر الوحيد للتشريع “الديني” في رأيي المتواضع هو القرآن، ولا شيء غيره، ليس اختياراً بالاعتباط أو التعصّب، وإنما استحضاراً يقينياً لقول رب العزة جل عُلاه في الآية 3 من سورة المائدة: “الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا…” وهذا هو جوهر التشريع الديني.

إنّ الحق جل وعلا حين يقول مشيراً إلى آياته وأحكامه وأوامره ونواهيه “إن دينَه قد كَمُلَ واكتمَل لدينا، وإن نعمتَه قد تمت علينا” فمعنى ذلك، بكل لغات العالم، أن التشريع الديني انتهى أمر الله فيه وقُضِيَ في أساسياته وأركانه ودعائمه، وأن الله بيّن المحرّمات وسكت عن المباحات، ولم يعد أمام الإنسان سوى “ترك المُحَرّم”، و”تنظيم المباح”، الذي هو كل ما خرج عن الأمور الوارد تحريمها بصريح العبارات، وعددها يتراوح في التنزيل الحكيم بين 15 جلية واضحة وصريحة، وأخرى معدودة على أصابع اليد الواحدة مصدرُها هي الأخرى قرآني ولكنها ترد بالبداهة استنتاجاً، مثل تحريم الزواج بالجدة لأنها والدة الأب أو الأم دون الحاجة إلى ذكرها في آيات مخصّصة، أو تحريم الزواج بالحفيدة لكونها ابنة الإبنة أو الإبن…

معنى هذا أن ما دون ما حرمه رب العزة فهو متروك للنظم والقوانين التي يجترحها الناس عامة، والمؤمنون خاصة، بدءًا بالتشريعات الوضعية التي سنها النبي عليه أزكى الصلاة والسلام.

معنى هذا، أن النبي كان أول من سن النظم والقوانين الوضعية، “الدنيوية”، في مجتمعه وقومه، وفي دولته الأسلامية الأولى، بالمدينة، وليس هو من شرّع أو عدّل أو غيّر قَيْدَ شعرةٍ من التشريع الإلهي، “الديني” الذي حمل عبء تبليغِه بحذافيره.

ولْينتبه المؤمن إلى أن هذا القول ليس فيه بتاتاً أدنى تنقيص من مقام “النبوة”، الذي يكون النبي فيه بشراً بكل معنى الكلمة، وإنما هو تمييز بين ذلك المقام وبين مقام الرسالة، الذي يكون الرسول فيه مُصطافاً، وبالتالي متميزاً عن البشر بالعصمة الربانية عن النقص والخطأ والنسيان والارتباك، وعن أي تدخل إنساني أو شيطاني في وظيفته الربانية الأساس، لكي يبلّغ في ذلك المقام رسالة ربه بلا أدنى زيادة أو سهو أو نقصان.

نذهب من هذا المنطلق الواضح، والذي لا مكان فيه لأي غموض أو لُبس، إلى أن كل ما جاء به النبي عليه السلام خارج الرسالة إنما هو من العلم والنبوغ البشريَّيْن، بقدر ما راكمه في حياته الدعوية والجهادية والمعيشية داخل مجتمعه من الخبرة والحكمة، مستنيراً بحسن خُلُقه وصدقه وأمانته، وبرعايته حق الرعاية لحقوقه وواجباته كنموذجٍ لا نظيرَ له وقدوةٍ للعبد الصالح والمفلح.

غير أن الذي ينبغي ألاّ نغفل عنه ونحن نُقِرُّ بعظمة هذا القائد الفذ، والذي لا مثيل له في عصره ولا في العصور اللاحقة، أنّ ما تركه فينا هو على أصعدة ثلاثة لا ينبغي الخلط بينها مطلقاً حتى لا نضل ونتفرّق ونَتَشَرْذَم (كما هو حالُنا وواقعُنا البئيسان):

أولاً: صعيد نموذجي يطبعه الصدق والأمانة ونقاء السريرة ونُبْل المقصد… وهذا هو النموذج القدوة، الذي قال الله فيه إنه “الأسوة الحسنة”، ولو دققنا النظر في مكوّناته لوجدناه ذا صلة وُثقى بشخص “المصطفى” ذاته، أقصد شخص النبي الصادق الأمين، الذي وصفه ربه بكونه “على خُلُق عظيم”… وهذا لا خلاف حوله؛

ثانياً: صعيد وظيفي مهني، تحكمه الظروف والأحداث والإكراهات، وكذلك تَراكُمُ التجارب والخبرات، وهذا يحتمل المراجعة والتعديل أو التطوير أو التغيير، مادام محكوماً بظروف وعوامل إنسانية تتغير وتتبدّل.

مثال ذلك: الأمر النبوي بحفر خندق عند المدخل الشمالي للمدينة لمنع الأحزاب من دخولها، فيما يعرف في تاريخ الإسلام بغزوة الخندق، (بالمناسبة فلفظ “الغزوة” هنا وصفٌ لهجوم الأحزاب وليس لمعارك الرسول السابقة ولا اللاحقة إطلاقاً) فنجحت الخطة النبوية… بيد أن المسلمين بعد وفاة النبي أعادوا إنتاج نفس الخطة أمام هجمات خصومهم، من المسلمين هذه المرة، فانتزع الغُزاة بوابات المباني على مشارف المدينة واستعملوها للعبور إلى تحصينات أصحاب الخندق فألحقوا بهم شرّ هزيمة!.. وهذا يؤكد أن خطة النبي رئيس الدولة نجحت في عهده، ولكن نجاحها ذاك لم يَحُلْ دون إخفاقها في عهد صحابتِه من بعده؛

ثالثاً: صعيد تاريخي يجعل معظم ما وصل إلينا من أخبار وآثار عن حياة “محمد” (عليه أزكى السلام) في مقامَي الرسالة والنبوّة، يتصف بالثبات في شقه الأول، المتعلق بالرسالة، ما دامت الرسالة إلهية وبالتالي ثابتة وأبدية؛ ولكنه يتصف بالتبدل والتحوّل والتغير في شقه الثاني، المتعلق بالنبوّة، حيث كان الصادق الأمين يسلك طريق الدنيا بوصفه بشراً يصيب ويخطئ، وبالتالي فقد كان هو ذاتُه يستشير صحابته وأهله ويقول لهم: “أنتم أدرى مني بشؤون دنياكم” (صححه الشيخان)!!

ولو أردنا تقديم أمثلة على تلك الجوانب التاريخية من حياة النبي كمعلم ومربّي ورئيس دولة، وكزوج وجار وصاحب، ثم كتاجر يبيع ويشتري، لما وَسِعَنا المقالُ ولا المَقام، ولما احتجنا بالمنطق والبداهة إلى التأكيد على كون ذلك كله ينبغي بالوجوب والضرورة أن يؤول إلى المراجعة والتطوير أو التغيير، لأن ذلك تاريخي، بمعنى أنه بشري ذو الْتِصاقٍ وثيقٍ بالظروف والأحداث، ولا علاقة له بالوحي، ولا قدرة له بالتالي نظرياً وعملياً على الثبات والديمومة.

ملخص الفكرة أن ما تركه النبي الكريم في قومه منه ما ينتمي للحكمة فهو ثابت لأن الحكمة يوتيها الله من عنده، وما دامت من عند الله فهي مرشحة للثبات والبقاء بيننا؛ ومنه ما هو خُلُقي سلوكي، والأخلاق بدورها قيمة كونية ثابتة، ثم منه ما هو سلوكي بشري قابل للمراجعة والتعديل أو التبديل، بحسب تطور الأحوال والظروف والمغاهيم… لأن ذلك من سنة الله في خلقه: أقصد سنة “التبدل والتطور والتحول ثم الفناء”… وذاك شأن كل ما هو تاريخي بشري، بخلاف كل ما هو تشريعي رباني مطلق الثبات والبقاء !..

ومرة أخرى، أنا قرآني بكل تأكيد، ولكنني من هذا المنطلق لا أُنكِر السّنّة مُطلقاً، وإنما آخذ منها ماهو حكيم وصالح للقياس رغم تبدل الأحوال والظروف والمفاهيم ووسائل البحث والفهم، وكذلك تَبَدُّل القضايا وأسئلة الحياة ومسائلها المتغيرة بلا هوادة، ولكنني أعرض ما دون ذلك على الكتاب الحكيم، فما سايَرَه وخضع له أخذتُه عن طيب خاطر، وما خالفه تركتُه وألقيتُه وراء ظهري ليس إنكاراً لسُنة النبي الكريم، حاشاه، وإنما ليقيني بأن ذلك لم يصدر عنه، وإنما نُسِب إليه كذباً وافتراءً، كالرواية التي حملت إلينا حديثا (صحّحه المصحّحون) جاء فيه أن رسول الله قال: “أُمِرتُ بأن أقاتل الناس حتى يقولوا أشهد أن لا إله إلا الله وأنني رسول الله”، بينما هو نفسه بلّغ إلينا قول الله تعالى مخاطباً إياه خطاب سؤال واستنكار: “أفأنت تُكرِه الناس حتى يكونوا مؤمنين”؟ لذلك فالنبي الكريم يستحيل أن يبلغ إلينا هذه الآية ثم يخالفها بذلك الحديث الغريب والمُنكِر!!

نعم… لا يهمني شخصياً أن تكون أمثال هذا الحديث “مصحَّحة” من لَدُن أهل الحديث، لأنّ مِن هؤلاء مَن هم متعصبون للسنة إلى درجة تقديمها على القرآن الحكيم، ولأن المتن في أحاديث كثير صحّحوها يخالف المنطوق القرآني من جهة، ويضع النبي الصادق الأمين في موقف مخالف لأوامر ونواهي ربه من جهو ثانية، وهذا أعتبره شخصياً مُحال !!

الإنكار إذن وارد، ولكنه “ليس إنكاراً للسنة النبوية”، هكذا بكل بساطة كما يدعي التراثيون عند وصفهم القرآنيين بمُكِري السُّنّة، وإنما هو إنكارٌ للكذب والافتراء اللذَيْن مارسهما أكثرُ الرواة لأسباب سياسية وأيديولوجية لا تخفى على أحد، واللذَيْن ألحقهما هؤلاء بالسُّنّة ووضعوا عليهما خاتماً مزوراً ادّعَوْا أنّه خاتم النبوّة، ومِن نتائج ذلك أننا وجدنا أنفسنا، على سبيل المثال، أمام أكثر من ألفٍ من المحرمات، بينما الحق جل وعلا لم يحرم في كتابه الحكيم إلاّ ما بين أربعة عشر وعشرين محرّماً، وبينما النبي رئيس دولة الإسلام الأولى والمربي والمعلم لم يُشرِّع إلاَّ “وضعيّاً” بهدف تنظيم الحلال والمُباح وليس أكثر، في إطار ما نسميه في عصرنا بالقوانين والتشريعات الوضعية، وهذه في حد ذاتها سُنّة باقية سيظل الإنسان يمارسها كلما تبدلت أحواله وتطوّرت قضاياه.

آخر الكلام: “القرآن ثابت”، و”السُّنّة متحركة”، شِئنا ذلك أم أبَيْناه… اللهم إني قد بلغتُ فاشهد.
اليوسفي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق