سياسة

درس روسيا الليبي في طرابلس اللبنانية

علي شندب

هي حرب الأنابيب تلك التي تخاض فوق الخريطة الجيوسياسية للمنطقة وفي قلبها الوطن العربي، عبر اندلاع ثورات الربيع المسمومة التي كانت رافعة التغيير المنشود الذي تقتضيه مسارات وممرّات أنابيب النفط والغاز وفق توازنات القوى الإقليمية والدولية. ولهذا نجد كيف سخّرت شركات (توتال، ايني، بي بي، إكسون موبيل، التركية، قطر بتروليوم وغيرهم)، ميليشيات الثوّار الليبيين واستخدمتهم كفصائل وكتائب برّية تقاتل تحت راية حلف شمال الأطلسي، وتتقدم تحت قصف الأساطيل والبوارج الناتوية في سعيها لتدمير وتقويض الجماهيرية الليبية دولةً ونظاماً، لتترك ليبيا بعدها نهباً للدماء والفوضى ما بعد الخلّاقة بين المجاميع الثائرة والمتناحرة والمستخدمة من قبل أجندات النفوذ والسيطرة الإقليمية والدولية على المقدرات والثروات النفطية والمنجميّة في ليبيا بوصفها عقدة مواصلات إستراتيجية قاريّة، إفريقياً، أوروبياً ومتوسطياً.

“لقد تعلّمنا من درس ليبيا”. إنّها المقولة الإستراتيجية التي أطلقها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وأكثر من تردداها مع وزير خارجيته سيرغي لافروف منذ عام 2011 الذي شطب فيه المجتمع الدولي تحت شعار “حماية المدنيين” أبرز حلفاء روسيا في المنطقة وشمال إفريقيا. فالجماهيرية الليبية بقيادة العقيد الراحل معمّر القذّافي كانت الشريك الإستراتيجي النوعي للاتحاد السوفياتي السابق على مستوى عقود النفط والتسليح. أمّا بالنسبة لروسيا ومصالحها الإستراتيجية، فقد بدت ليبيا بمثابة “القرم” الإفريقي في العقيدة الإستراتيجية البوتينية.

سريعاً ترجم بوتين تعلّمه من درس ليبيا، في سوريا. فتدخله العسكري فيها كان محكوماً بنظرية الثأر والانتقام مما افتعلوه به، عبر ما فعلوه بليبيا القذّافية. ولقد قلب تدخل روسيا العسكري، الأوضاع رأساً على عقب في المنطقة انطلاقا من قلبها للأوضاع في سوريا التي لم تحقّق الحرب فيها وعليها أهدافها الأطلسية الحقيقية في إسقاط النظام السوري. صحيح أن مسارات ثورات الأنابيب في ليبيا دمرت الدولة والنظام معاً. لكنها في سوريا حافظت على النظام دون الدولة. وكما هو معلوم فقد تجزرنت الدولة السورية لعدة مربعات نفوذ دولية وإقليمية معلومة. لكن روسيا وانطلاقا من تواجدها العسكري خصوصاً في مرفأ طرطوس وقاعدة حميميم، احتلت مركز الصدارة ما فوق العليا في سوريا فتحقق لها ضمان وأمان أهدافها ومصالحها الحيوية والإستراتيجية الكبرى.

تعلّمنا من درس ليبيا، لم تجعل بوتين يُهمل ليبيا. فالكلام عن سحب القوات الأجنبية والمرتزقة والمقصود به صراحة القوات التركية ومرتزقتها من الثائرين السوريين الذين باتوا كبندقية للإيجار يقاتلون وفقا لمقتضيات الغزوات التركية الاردوغانية، يشمل أيضاً وضمناً مرتزقة “الفاغنر” المدجّجة بالفيتو الذي انعكس مراوحة في البيان الختامي لمؤتمر برلين 2 الذي تبخّر فيه الكلام عن قرار أممي ملزم من مجلس الأمن لخروج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا.

فالفاغنر الروسية، هي تلك المرتزقة التي تمتلك جيوشاً مدججة بأسراب ضخمة من طائرات الميغ والسوخوي فضلاً عن منظومات الرادار الصاروخية المتطورة والتي تتمركز وتنتصب في قواعد إستراتيجية ليبية عدة، من بينها قاعدة القرضابية في خليج سرت الإستراتيجي الذي تنتهي فيه مسارات أنابيب النفط ليصدر بعدها عبر الموانىء النفطية.

كما إنها المرتزقة التي وفي سياق التعلم من درس ليبيا، فعلت وتفعل فعلها في دول الساحل والصحراء الافريقية، حيث لم يعد سرّاً القول أن مجاميع المعارضة التشادية التي قتلت الرئيس إدريس ديبي قد جرى تدريبها وتسليحها في ليبيا بمتابعة مجموعات الفاغنر التي تردّد أن تدريباتها شملت تمكين المعارضة التشادية من التشويش الإلكتروني على أنظمة الطيران الحربي التشادي الذي انعدم من الرؤيا ما جعلته يخفق في محاولة إنقاذ رجل فرنسا القوي في تشاد وجوارها. كما إن الانقلاب في مالي وارتدادته الفاغنرية في افريقيا الوسطى وبوركينا فاسو وغيرهم دفع بعض المراقبين الافارقة للقول إن نفوذ فرنسا الفرنكوفوي التقليدي في مستعمراتها الافريقية السابقة دخل في مرحلة حاسمة من الأفول، وذلك بخلاف ما سبق وصرّح به سيرغي لافروف من أن “موسكو لا تهدف الى مزاحمة فرنسا في شمال افريقيا”.

وربطا ببعض ما تقدم، يمكن قراءة الإطلالة الروسية الجديّة والمظهرة إعلامياً بعد جهد مكتوم في المشهد اللبناني انطلاقا من الاستثمار في مشروعات النفط والغاز والكهرباء. إنّها الإطلالة التي تعكس المتغيرات في نسق التوازنات الإستراتيجية في المنطقة. كما تعكس تبوؤ روسيا موقعاً متقدماً في معالجة الواقع اللبناني الذي دخل نفق الإرتطام الكبير.

فليس تفصيلاً بسيطاً زيارة الوفد الروسي الطاقوي وتقديمه عروضاً لوزير الطاقة بإنشاء معملي كهرباء، كما وتقديمه عرضاً لوزير الأشغال العامة والنقل يتعلّق بتوسعة وتطوير مرفأي بيروت وطرابلس، وأيضاً إنشاء إهراءات للحبوب في مرفأ طرابلس، فضلاً عن كلام عن عروض لإنشاء وتطوير مصفاتي النفط في الزهراني جنوباً وطرابلس شمالاً.

وإذا كانت مصفاة الزهراني تتعلق باعتبارات وحاجات حزب الله النفطية، فإن مصفاة طرابلس تتعلق بالمصالح الإستراتيجية الروسية، لكون منطقتي طرابلس وعكار يشكلان المدى الحيوي لسوريا والعمق الإستراتيجي للتواجد الروسي في مرفأ طرطوس وقاعدة حميميم، ما يعني أن طرابلس بهذا المعنى دخلت ضمن مدار المصالح الإستراتيجية الروسية، والتي سيسمح لها موقعها المتوسطي المميز إذا ما فُعّلت منشآتها النفطية بالالتفاف على عقوبات قانون قيصر التي تبدو كسيف مسلط على الدولة السورية وكل من يتعامل معها في مشروعات الطاقة والبنية التحتية وغيرهم.

وكما تحرّكت جيوش الشركات النفطية الأوروبية الأميركية وملحقاتها في ليبيا، فقد تحركت شركات النفط الروسية الكبرى مثل غاز بروم ولوك أويل باتجاه لبنان بعدما قلب الجيش الروسي الأوضاع في المنطقة انطلاقا من سوريا. وعلى هذا الأساس ينبغي إعادة قراءة العقد “السري وغير المنشور” الذي أبرمته الحكومة اللبنانية بداية عام 2019 مع شركة “روسنفت” لتطوير وتشغيل منشآت تخزين النفط في طرابلس.

إنها المنشآت الملحقة بمصفاة التكرير التي كانت وراء ثراء ووجاهة الكثير من عائلات طرابلس والشمال ومرتكزات الطبقة الوسطى فيها، وأصبحت بفعل الحرب اللبنانية والفلسطينية عبارة عن خردة لا تصلح حالياً سوى لتخزين النفط. كما إنّ مصفاة طرابلس التي كانت تكرّر النفط المتدفق عبر أنابيب كركوك وتشكل متنفس العراق لتصدير نفطه، بإمكانها العودة الى سابق عهدها إذا ما تمّ تطويرها أو إعادة بنائها، إضافة لإصلاح أنبوبها الذي أصيب خلال حرب مخيم نهر البارد، وأيضاً في غارة إسرائيلية في منطقة العبدة العكارية الساحلية.

وقد كشفت أهداف زيارة الوفد الطاقوي الروسي شيفرة زعيم حزب الله عندما تحدّث عن استعداد “شركة شرقية” لبناء المصفاتين في سياق استعداده لاستيراد النفط من إيران بغض النظر عن موقف أصدقائه في الحكومة اللبنانية. لكن حلول نصرالله البنزينية تقوم على مبدأ التهريب برّاً وليس عبر البواخر بحراً وذلك بسبب العقوبات الأميركية المفروضة على شركات النفط والنقل الإيرانية. وقد تحدثت بعض التقارير الإعلامية في لبنان عن العبور الفعلي لصهاريج البنزين الايرانية المتسللة عبر الحدود السورية اللبنانية.   

قرار روسيا برسم وحفظ مواقع نفوذها ومصالحها المستجدة في لبنان بوصفها امتداداً حيوياً لصيقاً لمصالحها وتواجدها في سوريا، يطرح السؤال حول حقيقة وحجم الإتفاق والخلاف في قمة جنيف بين الرئيس الاميركي جو بايدن ونظيره الروسي فلاديمير بوتين. فهل أن الإطلالة الروسية الى الداخل اللبناني والتي سبقها وزامنها تحول موسكو مقصداً للمسؤولين المتنفذين في لبنان، تتم بالتنسيق مع الأميركيين الذين يلعبون دور الوسيط في ترسيم الحدود بين لبنان واسرائيل، أم تشكل إنعكاساً لمعادلات وتوازنات القوة التي أرستها روسيا في المنطقة. في لحظة تحتدم فيها المواجهات الأميركية الإيرانية في سوريا والعراق وآخرها القصف الأميركي ضد أذرع إيران العراقية على ضفتي الحدود العراقية السورية، وأيضاً في حقل العمر النفطي في دير الزور الذي تعرضت حاميته الأميركية لقصف بالصواريخ، وكل ذلك بهدف تدوير زوايا مواقع النفوذ والسيطرة الروسية والإيرانية والأميركية التي تشكل إنعكاساً لبعض نتوءات التضاريس المعيقة لاستيلاد صفقة نووية جديدة في مفاوضات فيينا، التي ستكشل الناظم العام لموازين القوة والقوى الجديدة في المنطقة التي ستشهد إنطلاقا من التمدّد الروسي في لبنان تحجيماً للدور الإيراني والفرنسي معا.

يبقى أن الواقع الجديد الذي يفرض نفسه سريعاً، يشي بأن الإنتظار لن يطول كثيراً حتى نكتشف أن لبنان دخل في مدار المصالح النفطية والطاقوية الروسية. وأن طرابلس (التي اندلعت فيها مواجهات خطيرة قد تدفع الى خروج المدينة عن السيطرة) ستستفيق قريباً على رسو قطع روسية برمائية في مينائها وأمام شاطئها، وأيضاً في بعض ثكناتها العسكرية حمايةً لمصالحها وترسيخاً لنفوذها.

أهلاً بالدبّ الأبيض في ربوع لبنان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق