
السودان الى أين؟
وليد عبداللطيف دبلوك
بتنا في زمان اصبح الفهم فيه عسيرا ، يستطيع المرء ان يحلل بعد دراسة مشكلة كردستان ، ويتحدث بفهم عن أزمة القوقاز ، ولكن حين يحاول ان يفهم من امر السياسة السودانية ، يشق الامر ويصعب.
والحمدلله ان بدأ الخبراء والمحللون في التهاوي واحدا تلو الاخر ، لعدم توافق ما حدث مع ماتوقعوه ، واصبحت كلمة خبير استراتيجي في الانحسار لان مآلات الاحداث في السودان اصبحت فوق قدراتهم وتصوراتهم ، والله وحده يعلم ماهو كائن وما سيكون .. فإرتحنا من تقافذ الوجوه العشية والضحى على الشاشات بزعم المحلل والخبير .. بل صار العاقل من يتحاشى الاعلام خوفا من السؤال عن المشهد السوداني والتوقعات … لانه لا اجابة .
ماذا يريد اهل السودان به ، إذ تنشط هذه الايام الاحداث وتتسارع الوتيرة ، فبعد ان اغلق ناظر البجا ترك الشرق ، تبين له انه اغلقه على الحكومة وعلى اهله ، وتربحت الموانئ المصرية وميناء مصوع ، ودخل اغلاق الشرق على موانئ مصر بردا وسلاما بينما اكتوى انسان الشرق نفسه بنيران البطالة الاجبارية ، عمال وموظفي ومهندسي والعاملين اعمالا لها ارتباط وثيق بالميناء هم الان بلا عمل . وكذلك من آثار الاغلاق التي لم يتحسب لها ترك انه هد المعبد على غيره وعليه ايضا ، فالجوع سيتهدد اهل الشرق ايضا ، وستنعدم المواد البترولية ايضا وما ستعانيه الاقاليم سيعانيه اهل اقليم الشرق ايضا ، وكلما استطال الاغلاق ، طال ترك الرهق المادي والمعنوي ، إذ ان للاغلاق تكاليف مالية باهظة تصرف على من يحرسون التروس ، وكلما طال الامد طال الصرف ، وكذلك الرهق المعنوي ، فدخول قمح الشمالية واستيراد الحوجة منه عبر المؤاني المصرية والارترية والليبية ، يجعل الامر كمن يقول لترك (خم وصر).
حمدوك يظل يكبر في نظري كرجل سياسي من الطراز الرفيع ، يصمت كثيرا ، ولكنه يفكر اكثر ، بينما خصومه يتكلمون كثيرا ولا شئ يتحقق الوعاء الفارغ اكثر ضجيجا وجعجعة ولاطحين .. والطحين يأتي من الشمالية ومن مصر .
اي منطق وعقل ذلك الذي يحمله رجل بان برر الضرر الذي حاق ويحيق بالانسان ، بكونه ثمن لتنفيذ المطالب ، وابرزها الاهتمام بقضايا انسان الشرق ، فكيف يستقيم الامر ، تطالب بانصاف اهل الشرق وبالاغلاق سوف يتضرر الآف من اهل الشرق كان الميناء مصدر رزقهم الوحيد.
ان عقلية تسبيب الضرر لاجل تلبية طلب تظل غير عادلة .. وسينبري لي من يقول لم يجدوا بد من ذلك ، حسنا ، الثورة في عامها الثاني وتواجه تحديات حتى من داخل موكونها السياسي ، بخلاف الخارجي والذي اظنه احدث فيه معالي رئيس الوزراء اختراقا عظيما ، فقد تم رفع السودان من قائمة الارهاب ، وإنهاء العقوبات المفروضة عليه ، وقفل ملفات القضايا الدوبية المرفوعة ضده ، وبلوغ السودان المرحلة التي تسمح له بتلقي القروض والمنح ، ونجح في اعفاء جزء مقدر من الديون ، وجدولة الباقي بشكل سلس وميسر ، وبات معدل التضخم في النزول .. وعاد للسودان وجه مشرق يقابل به المجتمع الدولي … وغيرها من انجازات على المستوى العالمي .. اما عندما ننظر للواقع الداخلي نجد ان الرجل ظل يصطدم بعقبة تلو الاخرى ، وما ان يزيح تلك تظهر له تلك ، وهكذا وبشكل واضح فيه التعمد .. وعجبت من سوداني لا يحب لوطنه الخير لمجرد ان ذلك يتعارض ومصلحته الذاتية.
وليس السيد حمدوك بالرجل الضعيف كما ظل يروج البعض لذلك ، ومن ينظر للملعب من الخارج لا تتفق حساباته مع اللاعب بالداخل ، فكلاهما ينظر من زاويته .. ان السيد رئيس الوزراء مدرك تماما ان اي قوة او عنف يصدر من جانبه سيجر البلاد الى حافة الاقتتال ، لان الطرف المشارك له بالسلطة طرف عسكري يمتلك القوة ، ولو فرضنا ان رئيس الوزراء اصر إصرارا حازما وبشدة ضرورة تنفيذ الترتيبات الامنية ودمج الدعم السريع في الجيش ، فقطعا سيصطدم بممانعة قوية وشرسة من قادة الدعم السريع ، الامر الذي قد يقود الى مواجهة لا يحمد عقباها .. ولكن إعمال العقل والحكمة تتطلب ارجاء الملف لوقت لاحق فيه كياسة سياسية ، وعندما ياتي الوقت المناسب فهناك بدلا من طريق عدة طرق لتنفيذ هذا البند .. ترتيب الاولويات هو منهج السيد حمدوك .. ولكن اولوياته تلك تتبعثر عندما يقذف العسكر حجرا فيهدمون بنيان الاولويات ، فيضطر الرجل الى البناء من جديد ، هم يرمون وهو يبني.
و حين شعر الجميع بقرب دنو اجل الرئاسة المدنية للسيادي ، تعالى الصياح وكثر العويل والهطرفة بلا معرفة ، وبدأ واضحا التناقض في بعض تصريحاتهم ، وتراخيهيم في انهاء ازمة الشرق ، معولين عليها للاسهام في بلوغ غاياتهم ،،، وهيهات.
ان الرضوح بشكل واضح وصريح لمطالب ترك معناه ان يقوم لكل صاحب مظلمة ترك في نفسه ، لذا الاوفق ان يتم التوافق مباشرة او عبر وسطاء التوصل لصيغة لاتبرز الحكومة في مظهر المهزوم وترك في مظهر المنتصر ، لايمكن لحمدوك ان يسمح بأن يصبح ترك ظاهرة تنبت هنا وهناك .
والمطالب التي يرفعها ترك فيها المقبول والمعقول ، وفيها اللا ممكن والمستحيل .
سلاح رئيس الوزراء قائم على الصبر ، فلو ان اهل المطالب صبروا قليلا لكان خيرا لهم وسينعكس عليهم الصبر خيرا ، لان جهود السيد حمدوك بدأت تظهر في الافات بشائرها ، ولكن من يرى ذلك ، وكيف له ان يرى وغبار الانفلات الامني الذي يتجمع بصافرة وينتهي بصافرة ، وقضية الشرق المتصاعدة يوما تلو الاخر ، كل هذه الاحداث تلهي المرء عن ادراك ان السودان وصل لمرحلة التوقف في الانحدار وبدأ في الصعود، والصعود اشق من النزول ، كما الخراب سهل والبناء اصعب .
ان الدعوة للتظاهر يوم غدا السبت ولدت ميتة شأنها شأن منصة التأسيس ، وانتشرت على مواقع التواصل فيديوهات تفضح محاولات شراء المشاركة بالتظاهر ، وتحشيد الناس بالنقود للمشاركة ، ونشط سماسرة التحشيد وهم معروفون . وغاية امال الحشد هو ان يستخرج منه تفويض لتقويض الحكومة ، ونسى الجميع ان الوثيقة الدستورية بها نصوص تحمي الحكومة الانتقالة وتوضح بجلاء كيفية تغير الحكومة وليس من بين النصوص شئ اسمه تفويض …
الحشد المدفوع القيمة ، ليس كالذي يتشكل بدوافع ذاتية نابعة عن قناعة وايمان في نفوس المتظاهرين ، والقناعة والايمان لايمكن شراؤهما بالمال.
وعلى الخط الولايات المتحدة الأمريكية ، التي بدأت اتصالاتها بالرجال الكبار في الدولة تتلاحق ، وتجاهل الولايات المتحدة الأمريكية من قبل الساعين لحل الحكومة ليس من مصلحتهم ..
سيخرج السيد حمدوك من هذه الازمة وهو اكثر قوة وشعبية وسترون ..
وسنرى ايهم اكثر نفرا ، حشد السبت ام حشد اكتوبر 21 ..




