آراء

كوكاسيات

أحلام ‬غير ‬متوازنة

عبد العزيز كوكاس

في أحد النوادي بضواحي العاصمة، وفي مطعم كلاسيكي متوسط الحال، جلست إلى طاولة بقرب امرأة عرفت أنها محامية من سياق مكالماتها الهاتفية، التحق بها رجل أنيق تبدو عليه آثار الجاه والنعمة، ومرافق له ببذلة شاحبة.. خمنت أنه سائق سيارته، أو عامل لديه يحضره كل مرة في لقائه الحميمي لكيلا يثير الشبهات..

أخذ الرجل الأنيق والمحامية يرتشفان كؤوس الخمر ويلتهمان ما بالأطباق اللذيذة.. ويتحدثان عن مشاعرهما ومشاريعهما المشتركة.. غفوت عن ثرثرة الجالسين بجانبي وعدت إلى تأمل ما كنت أخوض فيه.. إلا أن ما أخذ يتناثر على مسامعي، شد انتباهي بقوة، فعدت إلى التلصص من جديد.. لقد أخذ كل من الرجل الأنيق والمحامية يسردان أحلامهما كل من موقعه، وفي لحظة طلبا من السائق الذي كان يبدو غارقا في ملابسه، أن يسرد عليهما أحلامه في الحياة..

أسجل هنا بأمانة ما ورد على لسان جيراني الثلاثة.. وأؤكد أن لا فضل لي فيما سيأتي ذكره، سوى الصياغة اللغوية لأحلام بدت لي طبقية تقتضي التعميم، باعتبارها الحدّ الأدنى المشروع لمطالب طبقية بسيطة..ٍ

طَبَقُ الذهب:

أن يُبقي الله الاستقرار السياسي الهش، وألا يغير الحاكم حكومته مثل جواربه إلا بخير منها وأتقى لنا.. ألاَّ تُوقف الجَمَارِكُ صَفْقة العُمْر..  أَلاَّ تَكْتشف الزَّوجةُ الخليلةَ السَّابعة وأن لا تنفذ ذخيرة الماسورة حين ترشقنا امرأة فاتنة بعيني الصياد، أَلاَّ تصل يد الأبناء إلى الأرقام السرية لخزينة المال.. وأن يُبقي فضائحهم الشخصية طي الكتمان..

أن يعْمِي الله أبصارَ البرلمان لكي لا يُصْدر قانونا للتَّصريح بالممتلكات أو “مِنْ أين لك هذا؟” وألا يمس بلدنا بجنون حقوق البقر، وأنفلونزا الحرية المنتشرة على أيامنا.. بعدوى لا ينفع معها لقاح.

أن تنهي بينيلوب نسج ثوبها قبل عودة عوليس، وألا يقوم بين الرعاع دعي يفتح أعين الدهماء على مباهج الحياة .

طبق الفضة:

الحق في التَّخلص من لعنة الأسماء القديمة، حيث تسمح المصالح المدنية بتغيير الأسماء الأصلية ) صالح تصبح صلاح، وبوشعيب تتحوَّل إلى شُعيب والجيلالي إلى جَليل وفاطنة إلى فاتن والزُّوهرة إلى رُوزْ(…  لتصبح خفيفة في الميزان عذبة على كل لسان، تواكب إيقاع العصر..

الاسترخاء قليلا في مهج الكذب، وأن يصدق الرعاع الأماني المنسوجة من حرير صهد الوقت، وألا تنافس أشعة الشمس حق ضوء الفضة في الوجود ..

الحق في حديقة ألعاب للأطفال وحانة تليق بالمحامي والأستاذ الجامعي وموسيقى أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب والأغاني القديمة..  سكن عصري يُحافظ على أصالة المعمار.. وأن يحالفنا الحظ لنَرْبح في لُعبة “التِّيرْسي” أو “اللُّوطو”، أو ضربة نرد حول مركز الحكم، وألاَّ تقف السيارة في منتصف الطريق إلى الموعد الجميل، بسبب خصاص في البنزين أو عطب في القلب.

طبق النحاس:

الحق في غيمة تُمطر بالقرب من الحقل ومُصْلٌ مُضَاد لسُمِّ العقارب والأفاعي.. سرير لمراكمة الحلم وسط الزحام، خَيْمة للمُضَاجعة لا ينْفُد إليها الماء، مع اشتهاء نَوْم ثقيل للأبناء للذة المساء.. وإن على عجل.

أن نجد سريرا أبيض لنعافى من السكون المكدر بتلوث الضجيج والهواء المصاب بالتعب، الابتسامة المليئة بالألم والظل الجريح، وألا يصر الفقر على تذكيرنا، مثل محتل ذي نزعة استعمارية، بثوبنا الأوحد الرث، وبالسعادة التي تتلذذ بالحمية فقط قي حضرتنا..

أن يُشبع الماء المطبوخ بالملح سَغَب الصغار، حُمْر الحَوَاصل، ألا تَقْضم الفئران أثواب عيد الأطفال، وألا يَكْتَشف أحدٌ سرقاتنا الصغرى المخْجِلة، وألا يكون عذاب الجحيم أكثر من صَهْد البرَّاكة.. وألاّ نبدو مثل وردة مُلقاة في قعْر بِئْر يقلب ظهر المجن لسرير الأماني المرتعشة ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق