ثقافة وفن

المعتزلة فرسان التنوير العربي

جيهان خليفة

رغم مرور أكثر من اثني عشر قرنا، على كبوة وانطفاء العقل الاعتزالي، إلا أننا مازلنا نبحث في رماده، عن فكر فرسانه، الذين أشعلوا قلق البدايات، في الفكر الإسلامي، فكانوا بحق يمثلون لحظة التجاوز الحقيقية في الفكر العربي والإسلامي

الفلسفة تطرق عالم العقل الإسلامي بعد الفتوحات

في نهاية القرن الأول الهجري، توسعت الفتوحات الإسلامية، ودخلت شعوب كثيرة الإسلام، لذلك حدث اختلاط بين المسلمين، والثقافات الأخرى. وبدأت الفلسفة تطرق عالم العقل الإسلامي، وكان ذلك أول استفزاز، لبعثه للتفكر، والدخول إلى منطقة السؤال، والجدل، فلم يعد المنهج النصوصي النقل ي، كاف ي ليروي ظمأ أسئلته، أصبح قاصر عن الرد على شطحات العقل، جداليته , أسئلته، وحده منهج العقل، هو السيد ف ي هذه الحالة، هو القادر على إخماد ثورة السؤال , بدخول السؤال، والجدل، عالم العقل الإسلام ي ظهرت لنا المعتزلة، سيدة الفرق الإسلامية بامتياز فهم أول اتجاه فلسف ي حقيق ي ف ي الإسلام، وإن ظل في منطقة علم الكلام، ولم يتعمق أكثر فلسفيا، إلا أنهم رغم ذلك أهم المذاهب الكلامية، لأنهم أكثرهم عقلنة.

في كتابه ” المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية” حاول الدكتور “محمد عمارة”، إثبات أن فكرة الجبر والاختيار، أو فلنقل الحرية، فكرة أصيلة ف ي تراثنا الفكر ي، فه ي موجودة منذ العصر الجاهل ي، الذ ي كان يؤمن بالجبرية، وأتى الإسلام ليقر الاختيار، هو هنا يحاول الرد على دعاوى بعض المستشرقين، الذين رأوا أن فكرة القدرية دخلت ثقافتنا، بتأثير من اللاهوت المسيح ي. قد يكون الدكتور “عمارة ” محق فنحن لسنا أمة صماء نع ي ذلك جيدا، ولكن الأهم من وجهة نظر ي، ليس كيف دخل لنا الفكر النقد ي، إنما أين نحن منه الآن؟ بل أين ذهب الفكر المعتزل ي؟ لمن كانت الغلبة؟ أين كنوزه الفكرية؟ التي طمرت، ولم يبق منها سوى آثر يتيم، ما حدث للمعتزلة يجيب أننا أمة نقل بامتياز، وإن ظهرت لدينا ومضات فهي فقط بعض نبض في الجسد الميت.

أبناء الزنا وقتل الذراري ومرتكبي الكبيرة كلها أسباب لظهور المعتزلة

بدء العقل المعتزلي يختمر، عندما بدأت العديد من النقاشات، حول أبناء الزنا، الذين كانوا لا تقبل شهادتهم، ويحرمون من إمامة الصلاة، رغم أن أمهاتهم، كانت مجرد إماء أجبرن على الدعارة. كما أورد “جوزيف فان أس” في كتابه “علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث الهجري ” ترجمة الدكتورة “سالمة صالح” : “مشيرا إلى ظهور نزاع أخر في ساحات الجدل، بين الخوارج، حول ما إذا جاز للمرء، في حملة حربية إلى جانب غير المسلمين، يقصد المسلمين من الطوائف الأخرى أن يقتل أطفالهم، هنا بعض الأزارقة، أصروا على التصور القديم عن الذنب الجمعي، وأن الأطفال يحملون ميسم جماعتهم، حتى قبل أن يكونوا قادرين على إتخاذ قرار بأنفسهم بالإضافة إلى ذلك ظهر طيف، من وجهات النظر المختلفة بين باقي طوائف الخوارج حول هذه القضية “. [1]

لم يتوقف الجدل عند ذلك الحد، بل دخل نطاق مرتكبي الكبيرة، هل هو مؤمن أم كافر، عندما رأى الحسن البصري، أنه مؤمن منافق، هنا انشق واصل بن عطاء، معلنا أنه في منزلة بين المنزلتين كل ذلك كانت مراحل تجويد، وارتقاء للفكر المعتزلي، إلى أن وصل للقمة، مع مشكلة خلق القرآن، مدشنا أصوله الخمسة، التى لابد أن يقر بها جميعا، وبلا استثناء أي معتزلي.

أخضع المعتزلة كل شيء لمحكمة العقل، لم يتركوا أمرا إلا وتم مناقشته، ودارت سجالات حامية، كانت الغلبة في معظمها للمعتزلة، فقد كانوا شديدي الحجة والبرهان.

بالإضافة إلى تميز المعتزلة من الناحية الشرعية فقد أدركوا أن القول بالجبرية، معناه مزيد من الخضوع، والاستعباد للنظم الظالمة، وذلك على اعتبار أنه من قضاء الله وقدره، لذلك رأوا أن الحرية والاختيار، هما الضمانة الحقيقية، لتقويض النظم الظالمة، وتحرير الناس منهم، ولعل ذلك ما دفع الدكتور “محمد عمارة ” للإشادة بهم واصفا إياهم بالعبقرية، في أمور السياسة، والمجتمع، مشيرا إلى أن رؤيتهم بقيام الظلم، مرهون بوجود الأعوان، والأنصار، الذين يتبعون الظلمة والطغاة ويعينونهم على ظلمهم، وطغيانهم، لذلك لو تفرق الأعوان عنهم، وأسلموهم، لم تقم لهم دولة في ذلك إشارة لدور الجماهير، في الذهاب بالنظم السياسية، والإطاحة بها، أو في استبقائها قائمة دون تغيير، وفي ذلك إشارة لأرضية فكرية، آمنت أن للنظم الظالمة جذور، وامتدادات لذلك فإن اقتلاعها، لابد أن يتطلب من الثوار معالجة، هذه الجذور، وتلك الامتدادات، في أنحاء المجتمع الذى يدور فيه الصراع “. حسب رؤية “عمارة [2]

السياسة كانت السبب في زوال المعتزلة

رغم هذه الحنكة السياسية، للدماغ المعتزلي، إلا أن دخولهم عالم السياسة، عجل بزوالهم، وكان وبال عليهم، فكما يقول “أحمد على زهرة ” في كتابة ” بين الكلام والفلسفة عند الخوارج والمعتزلة ” ” أنهم شغلوا أنفسهم بقضايا جانبية، كانت قد شغلت الفقهاء في زمنهم، وكان الفقهاء قد اجتهدوا في إيجاد أجوبة، كانت العامة تشكل حرجا لهم فيها مشيرا إلى أن المعتزلة، كانوا قد طرحوا قضايا كبيرة، لذلك كان من المفروض عليهم، ألا يخوضوا في هذه القضايا الصغيرة، التي شغلتهم عن القضايا الكبيرة، والرئيسية، في فكرهم لذلك كان هذا سبب جوهري، في خلافاتهم الداخلية الكثيرة، وانقسامهم إلى فرق عديدة، تكفر بعضها البعض، فلو كانوا استمروا في فكرهم الحر، ووضع العقل في الاحتكام إلى المسائل الدينية لكانوا قد خلقوا بالفعل ثورة جدية كبرى، داخل الإسلام، وكانوا استقطبوا أهل الفكر جميعا، وعملوا على وحدة المنهج الفكري الإسلامي، لكن اشتغالهم بالسياسة العامة، وتصميمهم على إرضاء الحاكم أوقعهم في التناقض، مع فكرهم الأساسي، لأن من يطرح مسألة حرية الفكر، وإرادة العقل، في الأفعال لا يلزم الناس، على قبول فكره، بل ويجبرهم على القول بأقواله، ويقتل من خالفه ويسفك الدم البريء، باسم الحرية، مما أدى إلى ردود الافعال، التي تلت تسلطهم، وسيطرتهم فقرب بنهايتهم ونهاية فكرهم ” . [3]

ويستطرد زهرة قائلا “المثير للدهشة أن علم الكلام نشأ في بدايته، للدفاع عن الإسلام، ضد الحملات الكلامية، التي كان يشنها المسيحيون واليهود وغيرهم، فقد كانوا سباقين، في طرق عالم الفلسفة، ولكن للأسف فمع دخول الإسلام السياسي نشأ الخلاف، والانقسام، فكل اجتهاد وتأويل يصب في مصلحة النظام، يتم قبوله، وأي اجتهاد يخالفه، يعتبر كفر وزندقة، لذلك أصبح علم الكلام يعبر عن الانقسامية، والمذهبية، لا ليعبر عن تكميل النقص الظاهر، في تفسير النص، رغم أن هدفه في البداية كان الدفاع عن الإسلام “. [4]

ولكن وبالرغم من خطيئة المعتزلة، إلا أن السلوى وعزاءنا الوحيد، أنهم حاولوا إستفزاز عقولهم فأنتجوا لنا، فكرا نافرا، متجدد، ولولا كبوة استبدادهم لكنا في أفاق أخرى الآن.

مصادر

1 – جوزيف فان أس (علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث الهجري) ترجمة الدكتورة سالمة صالحة ص45

2- الدكتورة محمد عمارة (المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية) ص 67، ص68

3- أحمد على زهرة (بين الكلام والفلسفة عند الخوارج والمعتزلة) ص103.

4 – نفس المصدر السابق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق