سياسة

حرب أميركا التي لا تنتهي في العراق

فاروق يوسف

في العام 1991 قادت الولايات المتحدة تحالفاً عسكرياً دولياً كان الهدف منه تحرير دولة الكويت من الاحتaلال العراقي. أدى ذلك التحالف الغرض المطلوب منه. تحررت الكويت لكن بعد تدمير القوة العسكرية العراقية وإلحاق ضرر كبير بالبنية التحتية العراقية. غير أن الحرب على العراق لم تنتهِ.

بقي العراق معزولاً عن العالم مقيداً بحصار دولي فُرض عليه بموجب قرارات أصدرها مجلس الأمن عام 1990 بعد احتلال الكويت مباشرة من غير أن يربطها بسقف زمني محدد أو بشروط واضحة ودقيقة يكون على العراق واجب تنفيذها.

أما حين شنت الولايات المتحدة حربها على العراق عام 2003 من غير أن تحصل على تفويض دولي سابق فإن ما سميت بـ”حرب تحرير العراق” بحجة امتلاكه أسلحة دمار شامل تبيّن في ما بعد أنها مجرد كذبة لم تغير كثيراً في المعادلة القائمة. سقط النظام السياسي ومحيت الدولة وألغي الجيش العراقي وتم إعدام القيادة السياسية السابقة غير أن الحرب لم تنتهِ.

قيل يومها إن الولايات المتحدة فتحت حدود العراق لكل الجماعات الإرهابية التي ترغب في تصفيتها حين أدخلتها إلى قفص واحد هو العراق لكي تقوم بعد ذلك بسحقها والتخلص من أخطارها التي كانت غزوة نيويورك عام 2001 واحدة من أكثر تجلياتها وضوحاً.

سواء كان ذلك القول صحيحاً أم خاطئاً فإن الولايات المتحدة حولت العراق ساحة حرب مفتوحة على زمن لا نهاية له وعلى متحاربين يحل بعضهم محل البعض الآخر من غير أن يتم الكشف عن جدول يتم من خلاله التعرف الى مستويات الاقتراب من الهدف.

ولكن ما صار واضحاً بعد ثلاثين سنة من الحرب المفتوحة “1991 ــ 2021” أن الحرب في العراق هي الهدف. سيُقال إن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى أعداء لتخترعهم ما دامت قواتها مكشوفة في بلد كالعراق تحده من الشرق إيران ومن الغرب سوريا وهما عدوان تقليديان لها. ولكن الأمر لا يتعلق برغبة أطراف أخرى بقدر ما هو متعلق بإرادة دولة كبرى خططت لتدمير العراق قبل احتلال الكويت. وقد تعامل الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بغباء مطلق مع ذلك المخطط الذي كان معروفاً ومكشوفاً لفئات كثيرة من الشعب العراقي. وإلا فلا معنى للمؤامرة الأميركية التي صدع البعثيون رؤوس العراقيين بالحديث عنها.

وضع صدام حسين رأس العراق في فم الوحش حين احتل الكويت. كان مطلوباً أن لا تغادر القوات العراقية إلا مهزومة ومحطمة ويشير طريق الموت على الخريطة إلى ذكرى ربع مليون جندي فُقدوا ولم يُشر إليهم أحد. لا المهزوم ولا المنتصر ولم يحضروا في خيمة صفوان. وإذا ما كان صدام حسين انتحارياً ويتصرف باعتباره بطلاً إغريقياً فإن فكرته عن البطولة قد انحرفت عن طريقها لتضع العراق كله على طريق الهلاك.

لم يخطر في عقله المتواضع سياسياً بالتأكيد أن الولايات المتحدة ستنسق مع إيران وهي ألد أعدائها لكي تقوم بتدمير العراق، دولة ومجتمعاً، وتحتكر اقتصاده وتضعه على طريق الحرب الأهلية التي صارت بمثابة بارومتر المزاج الطائفي العراقي. ما لم تكن الولايات المتحدة على معرفة به كانت إيران تملك القدرة على التحكم بتفاصيله وبالأخص حين سُمح لها بأن تؤسس جيوشاً تابعة لها في الداخل العراقي وهي جيوش تحارب دفاعاً عن المذهب الذي حتى وإن لم يكن مهدداً فإنه يملك أسباباً تاريخية ملفقة لشن حروبه التي لا تنتهي على الآخرين.

ذلك هو أساس الحرب الأهلية التي توجت باختراع “الحشد الشعبي” الذي هو عبارة عن مجموعة الميليشيات الشيعية التابعة لإيران التي صارت بعد أن سحقت عدوها المحلي تبحث عن دور تؤديه لتكون قادرة على أن تملأ مكانها في خيال الحرب التي لا تنتهي. لذلك هبطت فكرة مقاومة الوجود الأميركي بالطائرات المسيّرة محل قتال التنظيم الإرهابي “داعش” الذي صار جزءاً من العجين المحلي.

سيكون إزعاج القوات الأميركية في القواعد العراقية سبباً مقنعاً لاستمرار الحرب التي سيكون عنوانها مقاومة المحتل. لقد صار قيس الخزعلي على سبيل المثال، وهو أحد صبيان مقتدى الصدر السابقين، رمزاً للمقاومة في حين أن القوات الأميركية قادرة على القبض عليه بيسر وتسليمه إلى المحاكم الدولية وهناك مئات الأفلام تدينه باعتباره مجرماً ضد الإنسانية.

تضحك الولايات المتحدة على نفسها وعلى العالم حين تقدم إلى مجلس الأمن الأسباب التي دفعتها إلى قصف مواقع الميليشيات العراقية التابعة لإيران متحججة بالدفاع عن النفس. هل تحتاج القوة الأعظم في الكون إلى أن تدافع عن نفسها في مواجهة حثالة من البشر المضللين؟   

في مقابل الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة هناك حوار آخر ليس بعيداً من الرغبة الأميركية في أن لا يتحرر العراق من صفته ساحة حرب لا تنتهي. 

الهجمات المتبادلة تتواصل. كما لو أن الولايات المتحدة تقاتل جيشاً إيرانياً لكن على أراضٍ غير إيرانية. ترد الفصائل الشيعية على القصف الأميركي الذي تعتبره الحكومة العراقية انتقاصاً من سيادتها وهي إذ تفعل ذلك فإنها لا تُخفي رغبتها في بقاء القوات الأميركية. إما أن يكون العراق ساحة لتصفية الحسابات فإن ذلك، وإن كان مستهجناً من الجميع، فإن الأطراف العراقية كلها على اختلاف ولاءاتها تلتقي عند الرأي الذي يفضل استمرار الحرب في العراق على أن تقوم حرب مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران.   

(٭ عن النهار العربي)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق