ثقافة وفن

مقدمة في فهم التاريخ الثقافي

عماد البليك

أولاً يجب أن نعرف ما المقصود بالتاريخ الثقافي، وباختصار نعني به ذلك النوع من التاريخ الذي يتخذ من الثقافة موضوعاً له، لكن ذلك يعني بالتأكيد تعريف الثقافة ما المعني بها، وهو أيضا يعني أنه ليس بإمكاننا التخلص النهائي من تأثيرات وتداخلات السياسة والاقتصاد ومجمل الأنشطة الإنسانية في هذا النوع من التاريخ. وهذا طبيعي باعتبار أن أي نوع من التاريخ بغض النظر عن الحقل الذي يشتغل فيه، فهو بلاشك سوف يتقاطع مع حقول أخرى، فهل يمكن مثلاً أن نقول بأن التاريخ السياسي سيكون بعيداً عن الثقافة أو أن التاريخ الاقتصادي سيكون مجرداً عن أي علاقة مع السياسة أو الثقافة الخ..

ربما تبدو عملية العزل الكلي لكل نوع من التاريخ على حاله وكأنها صعبة أو معقدة، بيد من ناحية عملية فثمة مميزات أو معالم جلية لكل واحد من هذه الأنواع تحدده وترسمه، وحتى لو أن التداخل سيحدث، فهذا لا يعني أن عملية الفرز غير قائمة. الأمر الآخر أن عملية العزل هذه ضرورية لتسهيل الدراسات والإدراك للمشكلات الإنسانية والاجتماعية في الحقل المعين.

لكن من وجهة نظر ثانية، فإن النظر الكلي والشامل لمجمل هذه في بنية واحدة متصلة، ممكن وضروري في بعض القراءات التي تُعنى بإيجاد نظرة ذات إطار واسع وشامل للقضايا. وهو ما يقود إلى الإطار الفلسفي الجدلي العام، أكثر مما يشير إلى بنية محددة ذات دلالات وملامح يمكن تميزها والتركيز على توصيفها بوضوح، كأن نتكلم عن الثقافة أو البنية الاجتماعية، أو المعاش الاقتصادي أو القضايا السياسية الخ..

في السنين الأخيرة برزت اتجاهات نحو تحرير النظرة إلى التاريخ من الإطار الذي يكاد يكون مسيطراً وهو الجانب أو المُقول السياسي، الذي يهتم بأنساق السلطة وجدلية الحاكم والمحكوم، وقضايا الحريات والعدالة والتشريعات، وما إلى ذلك من الصراعات التي تتعلق بالسياسة عامة بوصفها التجلي الأوسع لموضوع التاريخ. هذا التحرير الحديث يعنى به أن نفهم التاريخ من مناحي غير كلاسيكية، بحيث نلقي الضوء على البنى الثقافية مثلاً لحالها أو المسألة الاقتصادية أو أن نقرأ نسقاً معيناً في ذلك التاريخ، حيث يظل التاريخ معادلة مفتوحة لكل التجريبات المعرفية الممكنة، يتوقف ذلك القدرات الذهنية للباحثين كذلك الاكتشاف والتخيل، كما أن التاريخ هو مجموعة من الاحتمالات اللانهائية، ليست ذات الكلية أو النهائية في التصورات، وهو أقرب إلى الفلسفة التي تحتمل التأويل وتعدد القراءات أكثر من كونه بنية جامدة متعثرة.

لحد كبير فإن مفهوم التاريخ الثقافي يرتبط بالأنثروبولوجيا “الإنسانيات” وطرائق المجتمع في الحياة، غير أن هذه النظرة لا تعنى بالنتائج المتمثلة مثلاً في وسائل وطرق الإنتاج وكسب العيش، بل بالفلسفات والمعاني والقيم والحكم التي تقود إلى تشكيل هذا الإدراك، فهذا كله يصب في صميم المعنى أو المغزى الثقافي لأنه يرتبط بالحكمة والغاية والأخلاق والتأدب، وجميعها قيم ثقافية بدرجة أو بأخرى.

لهذا فإن التحديدات لمجال التاريخ الثقافي واشتغالاته تصبّ بدرجة أوضح في دراسة الأنماط المعرفية وتشكيل المعاني والمفاهيم التي تقود الإنسان إلى صناعة الحياة والتكيف في المكان والزمان المعينين. وفي سبيل ذلك لابد أن تتحول الأفكار والقيم إلى نتائج تتمثل في أشكال فنية وجمالية وإبداعية، يتم التعبير عنها بوسائط كالنصوص واللوحات وقبل ذلك بالأدوات النفعية وأشكال المباني وطريقة المأكل والملبس الخ.. من جملة المنتجات البشرية، التي تصوّر في نهاية الأمر تجسدات أو تمثلات ثقافية مرئية للعيان.

هذا يعني أن التاريخ الثقافي يدرس كيفية تشكل هذه الأفكار في حد ذاتها والبنى العميقة التي تقوم عليها، يحفر في ذلك بدرجة كبيرة، ثم يذهب بعد ذلك إلى استنطاق المتمثلات لهذه الأفكار ونتائجها، ومن ثم الأثر الذي تحدثه أو أحدثته في الحياة وهي تحاور أسئلة الإنسان سواء الوجودية أو المادية ذات الصلة بالحياة بوصفها صراعاً للكينونة والبقاء، وفي جملة هذا التحرك ما بين الفكرة والحضور والنتيجة، سيكون أمامنا مسار اتصالي من التفلسف والجماليات وابتكار مستمر للأسئلة ونفيها أو نزعها في بعض الأحيان من مساراتها، ليتخذ التاريخ طريقه في الأنماط أو الأشكال الخارجة لوجوده السياسي والاقتصادي والمعرفي عموماً، في حين سوف تبقى الطبقة الثقافية قائمة وجلية حتى لو لم يكن ممكناً رؤيتها بشكل ملموس للعيان.

إن دراسة التاريخ الثقافي تعني خلخلة وإعادة النظر في مجموعة من المعارف الإنسانية والعلوم التي تدور حول البشر في صراعهم باتجاه العيش، وفي أسئلتهم حول المعنى والوجود، بحيث نفهم السياق أو الطريقة التي تنظم المجتمع المعين باتجاه فكرة أو معنى للحياة ومن ثم انعكاسات تلك العقيدة الاجتماعية أو الثقافية في مجمل حراكهم في الإنتاج والتجاور مع الاحتياجات المتعددة للوجود الإنساني، وهي أسئلة مستمرة لا تقف عند نقطة أو حد معين، تأخذ مسارها الرأسي مع الزمن وقد تتمدد أفقياً ساعة يدخل التاريخ في منطقة ضحلة ويتعثر التطور والإبداع والتقدم، أي في اللحظة التي تكون فيها الثقافة قد أضمحلت وتكلست وصارت عطبة. لهذا فإننا قد نتوقف مثلاً ونحن ندرس التاريخ الثقافي عند نظرة المجتمع المعين للجسد ومفهومه التاريخي عندهم وكيف يتعاملون معه في الحياة وما بعدها في الموت، ولاشك أن ذلك المثال يشير إلى أن عملية الثقافة شأناً معقداً يأخذ حيويته من الاتصال ما بين العوالم الحاضرة الملموسة في الوجود الإنساني والغيبية مما تكتنزه أسرار وعوالم وأساطير ما وراء الطبيعة من قصص وسرديات وتفاصيل تتطلب التخيل في كثير من الأحيان، لأنها غير مرئية أو حاضرة في الأساس.

ولكي نضع الصورة بشكل أكثر وضوحاً يمكن أن نصل إلى نتيجة أن دراسة الجسد عند الشعب المعين أو القبيلة المعينة، قد يقودنا إلى مفاهيم ورؤى وتصورات لم نكن لنفهمها في البدء، لو أننا فقط انطلقنا من بنية التاريخ الشكلية أو الفوقية في السياسة، أو التاريخ السياسي، فعلى سبيل المثال فإن عملية العنف السياسي ذات صلة بالجسد في الإخافة والترويع والتعذيب وقد تصل إلى القتل والاغتيال أو الحروب والمقابر الجماعية وغيرها من الأشكال التي في تصورها العام تعني أن الجسد هو الأداة والوسيلة في ذات الآن لإحداث التحولات السياسية، هو صانع الفكرة الخيّرة والشريرة، الذي ينتهي بنا في نهاية المطاف إما إلى صناعة المجتمع الفاضل أو الديستوبيا والمدينة المظلمة. هذا الإدراك لهذا الجسد المهان والمهين، ليس درساً سياسياً ولا يمكن للتاريخ السياسي بوعيه البراني أن يقف عنده ولا الأنثروبولوجيا في بعض الأحيان، إذ أنه سوف يقود في الوعي المتعمق إلى فهم قضايا أكثر تعقيداً تشير إلى الثقافة والإنسان في تجذراته العميقة التي تتصل بالروح والعقيدة والدين والأخلاق وجملة من هذه التكوينات المتداخلة التي يصعب فرزها في الذات البشرية. مفاد ذلك أن دراسة التاريخ السياسي والوعي به لن يكون كافياً ما لم يتم تمرير عبر مختبر الثقافة في تاريخها الذي لم يتم إغفاله في أغلب الأحيان أو تهميشه عمداً خوفاً من تبعاته. بيد أن المسألة التي تتطلب النظر وهي أبعد من ذلك، أن قضية التاريخ الثقافي لن تفهم من جانب السياسيين بالمعنى الإدراكي الوافي والعميق لها، فهم في الغالب سوف يحصرونها في التصورات الكلاسيكية بوصفها عملية جدل حول الحريات أو مسألة الحرية في التعبير عن الرأي، ونسج قصائد المقاومة أو المعارضة للنظام، أو النصوص التي تهزأ بالحكام والظلمة، وفي نهاية المطاف يتحول الخطاب الثقافي في نظر السياسيين إلى مجرد فكرة باهتة تعكس وعياً سياسياً لا ثقافياً، والأنكأ أن المثقف نفسه في نهاية تفكيره الذي سوف يصاب بالإغلاق جراء عدم التفكير أو الاستمرار في التعلم والمعرفة واجتراح الأسئلة المعقدة، سيصل إلى أن يكون ألعوبة في يد السياسي، سيمارس دوراً داعماً للحلقة التاريخية التقليدية، وسيفقد دوره ويموت بل يتلاشى، لتبقى سيرة التاريخ الرسمية والتقليدية هي المسيطرة، حتى لدى الكاتب الروائي أو القاص وهو ينفي كل أشكال الحضور الحقيقية للحياة والمجتمع، بل ينسف كل الأبعاد الكامنة وراء الحضور القوي للثقافة والفكر، ليجد نفسه أداة في تفصيل السلطة ومحاكاتها وصراعاتها، يصبح يعني مؤرخاً للسلطة والسياسيين بدلاً من أن يكون قائماً على الفعل الإنساني الخلاق في رؤية ما وراء كل ذلك من أنساق.

قد يقول قائل بأنه من الصعب الفصل بين الاثنين، الثقافة والسياسة، وهما متداخلان، هذا صحيح بالطبع، لكن يبقى أن النسق الثقافي أقوى وأعمق في تشكيل الإرادة السياسية ليضعها في النهاية في مركز القوة ويدفعها وهي لا تدري بذلك من الأساس، فالسياسة هي ابنة الثقافة التي سوف تتمرد عليها، كما أن نسيج السلطة هو صنيعة المجتمع ورغبته الدفينة، إذن لا معجزة وراء حضور الحاكم الديكتاتور أو العادل، وهكذا. هذا يعني أن التاريخ الثقافي الذي نرد الاعتبار إليه يدرس في البنى غير المرئية لتشكلات حتى الخطاب السياسي والاقتصادي، فهو أساس وجوهر بناء المجتمعات بغض النظر عن النتائج والمحصلات سواء كانت إيجابية أو سلبية، مظلمة أو مشرقة، فالثقافة لا تعني بأي شكل كان أنها طريق الخير أو الصلاح، حتى لو أنها انطلقت من معنى يماثل ذلك في فكر التقويم والتأدب كما في السياق العربي، وقد يكون هذا المعنى تاريخياً ليس له علاقة بالحاضر، إنها تعني تمثلات وتصورات المجتمع وأفكاره وصراعه الوجودي والروحي وهو يعيش عالمه المليء بالتناقضات والمربكات، يحاول من وسط هذه الأكوام من الضجيج المتعارض أن يبزر ليقول إني هنا، وهذا حضوري وكيفي وحالي، فهي بمعنى أبسط تلك المظلة التي يمكن أن نعلق عليها كل ما يتعلق بالسلوك الاجتماعي والأعراف والتقاليد، بالإضافة إلى المعارف والمعتقدات والتصورات والفنون والتشريعات بما في ذلك عادات الناس في حياتهم اليومية والممارسات سواء الواعية أو اللاواعية التي تعبر عن العقل الجمعي وميراثه المتناقل عبر الأجيال، وسيكون على التاريخ الثقافي أن يتحمل عبء الكشف عن كل ذلك في حزمة واحدة.

فصل أول من كتاب “التاريخ الثقافي للسودان”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق