سلايدرسياسة

منتجع عروس وحلم التطبيع مع السودان

جمال محمد إبراهيم

(1)

في النصف الأول من عقد الثمانينيات في القرن الماضي، وعلى أيام رئيس السودان الأسبق جعفر نميري، جرت عملية سرية لنقل اليهود “الفلاشا” من معسكرات لجوء سودانية نزحوا إليها من موطنهم في إثيوبيا. تلك هي العملية الأولى التي تمّت بتنسيق بين الحكومتين، السودانية والإسرائيلية، وبمباركة من نميري نفسه. وعلى الرغم من أسبابٍ عديدة أسقطت حكم جعفر نميري، كانت هذه العملية فضيحة النظام الكبرى التي قادت إلى استياء عارم، ليس في أوساط السودانيين فحسب، بل في كامل إقليم القرن الأفريقي. وقد بدأت بتمويه من جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد)، حين تقدّم عناصر منه للسلطات السودانية بوصفهم مستثمرين أجانب من كندا والولايات المتحدة، بغرض إنشاء مشروع سياحي في قرية عروس السودانية، لتكون منتجعاً للغوص على الطرف السوداني من ساحل البحر الأحمر. لم يكن ذلك المنتجع إلّا موقعاً لتهريب اليهود “الفلاشا” الإثيوبيين، من موقع لجوئهم في شرق السودان ونقلهم عبر البحر الأحمر إلى إسرائيل… ذلك كان الانكسار السوداني الأول.

(2)

إن كان المهزوم لا يتحمّس لتوثيق هزيمته وانكساره، فإنّ المُنتصر هو من سيعمد إلى توثيق انتصاراته، وتمجيد عظيم منجزاته.

لا يكاد يتذكر السودانيون انكسار حكومتهم في سنوات الثمانينيات، إزاء عملية “موشي” التي نقل بموجبها “الموساد” بقايا اليهود السُّمر من إثيوبيا عبر السودان إلى إسرائيل، فقد وقعت تلك الأحداث قبل قرابة أربعين عاما. وللمنتصر ذاكرة حاضرة، وللمنكسر ذاكرة لا تحفظ للمهزوم تجليات هزيمته، ولا تمجّد خزيه.

أنتجت “هوليوود” عام 2018 شريطاً سينمائياً بعنوان “منتجع البحر الأحمر للغوص” أعدّه مخرج إسرائيلي، وشارك فيه ممثلون مشهورون، كما عُرض على منصّة “نتفليكس”. بعد فترة وجيزة من خروج ذلك الشريط السينمائي للناس، أقدم رئيس المجلس السيادي الذي تولى قيادة الثورة السودانية الباسلة، الفريق عبد الفتاح البرهان، في ديسمبر/كانون الأول 2018، على زيارة غير مسبوقة لم تكن معلنة إلى العاصمة الأوغندية كمبالا، ليلتقي فيها رئيس وزراء إسرائيل آنذاك بنيامين نتنياهو.

تلك كانت الواقعة الثانية، بعد واقعة منتجع عروس. ومثلما يقال إنّ مشوار الميل يبدأ بخطوة واحدة، فإنّ التطبيع مع إسرائيل بدأ بدولة عربية واحدة، ثم تداعت البلدان الأخرى تباعاً، فكان السودان الذي غلبته الضغوط الأميركية في عهد دونالد ترامب، هيّأ نفسه في صفوف التطبيع بعد زيارة رئيس المجلس السيادي تلك كمبالا. غير أنّ عملية التطبيع قد تعثّرتْ في خِضم مشاكسات المكوّن العسكري الذي يقوده الفريق البرهان مع المكوّن المدني الذي يقود حكومته التنفيذية عبد الله حمدوك. ومعلوم أنّه ما إن ينشب خلاف داخلي في بلدٍ ما، حتى يستعر تنافس الطامعين على قصعته.

(3)

لما كان المكون العسكري نفسه ليس تلك الكتلة المتماسكة، إذ سرعان ما تباينت مواقف القوات المسلحة، وهي القوة النظامية القومية الأولى مع مواقف “قوات الدعم السريع” وهي قوات شبه شعبية، يقودها نائب رئيس المجلس السيادي، حمدان دقلو (حميدتي)، والأخير ليس قائداً لحركة شبه عسكرية فحسب، لكنّه قوة اقتصادية ضاربة، تكاد قواته تحتكر تجارة صادرات معدن الذهب في الإقليم، وربما أبعد من الإقليم. ولأنّ هذا الرجل يستقل بحراكه السياسي داخلياً، والدبلوماسي خارجياً، كان لافتاً أن يشير رئيس الوزراء، حمدوك، في مبادرته، الشهر الماضي (يونيو/حزيران) إلى ضرورة ضبط العلاقات الخارجية للبلاد، في تلميح إلى الاتصالات الخارجية التي تجريها أطرافٌ مع دول أجنبية، متجاوزةً وزارة الخارجية المعنية باتصالات السودان الخارجية، ما يربك علاقات السودان مع أطرافٍ في إقليمه ومع المجتمع الدولي ككلّ.

(4)

شهد يونيو/حزيران الماضي، ما أوردته مصادر عن زيارة وفد أمني إسرائيلي سرّاً إلى الخرطوم، انفرد فيها بلقاءٍ مع حميدتي، من دون أن يكون للحكومة السودانية علم رسمي بالزيارة، ولا بمدلولاتها ونتائجها. لم يصدر عن الأجهزة الإعلامية الرسمية شيءٌ عمّن أذن لطائرة الوفد بالهبوط في المطار، ولا من استقبله.

وهذا، من وجهة النظر الموضوعية، من تجاوزات تضرّ بمصداقية أجهزة الدولة السودانية، ويُحدث ما قد تراه أطرافٌ أجنبيةٌ اهتزازاً في أركان الدولة، يصل إلى حوافّ الفوضى والاستخفاف بقيادتها الرسمية العليا… ولو صدقت رواية الطائرة الإسرائيلية، فتلك من إشارات ذات ضغط عالٍ على خلاف متصاعد على مستوى القيادات العليا.

(5)

لعلّ الفضيحة الخجولة التي تورّط فيها نظام نميري في السودان، في ثمانينيات القرن الماضي، لا تساوي شيئاً أمام الارتباك الذي انحدرت إليه حكومة المكونين، المدني والعسكري، هذه الآونة. هي أولاً في معمعة إصلاح خراب نظام البشير البائد. كما هي، ثانياً، في خضم مواجهات وخلافات تتصل بحدود السودان السياسية هنا وهناك. وثالثاً هي منشغلة بمهدّداتٍ ذات شأن لموارد البلاد المائية. لكأنّ السودان لا يدرك المخاطر المحدقة، ولا بمآلاتها المستقبلية، كما قد عميت أعينه عن إبصار تهافت الطامعين عليه، وعن تقاطع مصالحهم مع مصالح الأقربين والأبعدين، وسعيهم الحثيث إلى إنفاذ أجنداتهم.

لن تمتد يد العون خالية من الغرض، لمن لا يرى مصالحه الحقيقية، ولا يسعى إلى تحصينها وحمايتها من الطامعين، وإن كان فيهم إخوة صادقون.

(6)

انشغال السودانيين بالخلافات والتصارع المجاني سيتركهم عرضةً لاستضعافٍ سيتواصل، ولانكسار سيطول. إن طمعتْ إسرائيل من قبل في منتجع أنشأته في سواحل السودان المطلة على البحر الأحمر، بغرض ترحيل يهود الفلاشا، فإنّ أحلامها القديمة لن تبقى أحلاماً وخيالات، بل ستكون أطماعاً أقرب إلى الإنجاز. لن تكون “عروس” هذه المرّة منتجعاً سياحياً مموّهاً على السواحل السودانية المطلّة على البحر الأحمر. لو حملت تركيا أحلامها على النحو ذاته إلى ميناء السودان التاريخي في سواكن، وإنْ رغبتْ موسكو في موقع على البحر الأحمر لسفنها العسكرية، فما الذي يُبعد إسرائيل عن أحلامها ومطامعها، وقد وجدتْ من يُصغي لهمس التطبيع المريب؟ لن تنسى الذاكرة الإسرائيلية الحاضرة منتجع عروس، فما أنسبه موطئ قدم لعرس التطبيع الذي تحلم به مع السودان.

(عن العربي الجديد)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق