سياسة

نهرو ‬ونبوءة ‬الاستقلال‬‬

عبد العزيز كوكاس

“النوم مع الخيال أحرى من النوم مع الذاكرة” أنسي الحاج

في إحدى الصور التي ينقلها الصحفي حسنين هيكل عن تقريره حول نشاط دول عدم الانحياز، أيام كانت دول عدم الانحياز بحق وحقيقي تبحث لها عن موقع بين القوتين العظيمتين. كما مثلها اجتماع باندونغ، ومؤتمر بلغراد عام1961، أثناء انعقاد قمة دول عدم الانحياز الأولى، حيث أفرز العالم الثالث قادة وزعماء وشموا التاريخ المعاصر أمثال: الزعيم جواهر لال نِهرو عن الهند، والمارشال تيتو عن يوغوسلافيا، والراحل جمال عبد الناصر عن أرض الكنانة، كشف حسنين هيكل عن جوانب أساسية من شخصية نهرو القوية والذي ارتبط إسمه بمسار بناء الهند والبحث لدول عدم الانحياز عن موقع قدم في عالم ما بعد الحرب الكونية الثانية.

في تعقيبه على بعض التدخلات في جلسات قمة بلغراد يقول نهرو: “إن كلمة  “الاستقلال” و”الحرية”  ليست تعبيرات فرح وإنما هي إثقال مسؤولية.. مسؤولية مخيفة.. هذا ما أريدكم أن تفهموه، فالسيطرة الجديدة لن تكون بالجيوش ولكن بالتقدم، التقدم هو وسيلة السيطرة الجديدة، أنتم إذن متقدمون فأنتم سادة.. أنتم متخلفون إذن فأنتم مقهورون مهما وقَّعتم من قصاصات ورق، ورفعتم من قصاصات قماش سميتموها أعلاما.”

ويسترسل الرجل في الحديث عن طبيعة التقدم الذي يعتبر ذا بعد اجتماعي، وكأنه يرسم بحدسه التاريخي المتقدم مصائر شعوب دول العالم الثالث وهي في غمرة الاحتفال بميلاد استقلالها أو قاب قوسين أو أدنى منه: “سوف تأخذنا جميعا حمى التنمية، وسوف نتكلم عنها ونملأ الدنيا كلاما، لكن هناك سبيلا واحدا إلى التنمية وهو العلم، فماذا لدينا منه؟ أخشى أننا سوف نجد مصائر التنمية عندنا في أيدي بيروقراطيات متعفنة في بعض البلدان وعاجزة في بعضها الآخر.”

إن نهرو يبدو كما لو يعيش بيننا اليوم، فهذا الخطاب الذي تلفظ به عام1961  يشبه في تفاصيله الدقيقة معجزة النبوءة، وهو السياسي المقتدر الذي استطاع تركيب معطيات الوضع السياسي القائم، وألم بتفاصيله وجزئياته بموضوعية وبرؤية عقلانية متزنة ثم أخذ “يبشر “بما سيأتي، إنها مهمة أقرب إلى العرَّاف، إلا أنها تتميز عنه بمصداقية التحليل وموضوعية ونزاهة القراءة واستشرافها لآفاق المستقبل بناء على إعادة تركيب معطيات الحاضر، وهو ما مثله كل العظماء في التاريخ.. ونهرو أحدهم، يقول:

“ماذا نعرف جميعا عن الحرية والاستقلال؟

إذا تصورنا أنها إعلان المستعمر القديم بأنه سوف يسحب حامياته على أراضينا ثم يوقع معنا قصاصة ورق.. فهذا هراء. ذلك سهل وهم على استعداد لأن يفعلوه غدا، ولكن ماذا بعد…؟

تشغلون أنفسكم باللحظة التي مضت وليس باللحظة القادمة (..) تطلبون الاستقلال، حسنا، وتطلبون الحرية، حسنا أيضا، سوف يعطونكم ما تطلبون وسوف يوقعون معكم على قصاصات لم يعد في ذلك شك… سوف تتولَّون المسؤولية، سوف تجدون أنفسكم رؤساء لشعوبكم… سوف تجدون لأنفسكم سلطة على رعاياكم. ولكن لن تجدوا لأنفسكم سلطة على غيرهم…

رعاياكم سوف يطلبون منكم “جوائز” الاستقلال… فهل لديكم ما تعطونه لهم؟

أشك كثيرا… لأنكم جميعا منهوبون ..مواردكم نُهبت فعلا أو هي مربوطة بنظم دولية تواصل عملية نهبها!”

أليس هذا ما حدث بعد استقلال معظم شعوب العالم الثالث، وكأني بنهرو كان عرافا يقرأ فناجين هذه الشعوب التي كانت على أُهبة من إطلاق الرصاص والقذائف في السماء انتشاء بقدوم الاستقلال، الذي سيعم بالخير والنفع على أبنائها… وهاهي لا زالت ترزح تحت نير الاستعمار الجديد، هل الأمر يتعلق بقدر أعمى يقود هذه الدول إلى مصيرها الحتمي حيث تبقى أسيرة لسيدها القديم؟!

لقد حصلت كل الدول المستعمرة على استقلالها وهو ما كان نهرو يؤكد عليه ..فانتشار الأسئلة المصيرية ونمو الوعي السياسي بين شعوب المستعمرات الذي رفع من حدة الرفض للمستعمر، إضافة إلى نهاية مرحلة الاستعمار القديم، كل ذلك جعل المستعمر يقبل بتسوية الوضع “حبيا” وعلى طاولة المفاوضات، لكن ماذا حدث بعد الاستقلال؟!

لقد وجد الوطنيون أنفسهم أمام مشاكل متراكمة: تخلف، أمية، جوع، مشاكل في الحدود، طبقات بيروقراطية، فتساءل نيهرو بمكر مخاطبا زعماء هذه الدول:

“ماذا ستفعلون؟… تغيرون اتجاه سلاحكم من أعدائكم القدامى إلى أعداء جدد سوف ترونهم داخل بلادكم؟.

سوف تجدون في بلادكم طبقات أكثر قوة من جماهير شعوبكم لأنهم تعلموا كيف يتعاملون مع النظام القديم، وفي ظله وحماه كوَّنوا ثروات ورتبوا مصالح”.

إلى من سوف تنحازون؟… إلى القلة القوية أم إلى الأغلبية المقهورة؟

إن مستعمريكم السابقين رتبوا أنفسهم قبل أن يوافقوا على الاستقلال… سوف تجدون أنفسكم أمام مشاكل وسوف يندفع بعضكم إلى أن يأخذ من صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي قروضا.. نفس جلادي الأمس أو الأسياد القدامى.. جريمة الاستعمار لن تصححها قروضه وإنما سوف تزيدها سوءا”.

إن مشكلة الديون ليست هي الوحيدة التي يتحدث عنها نهرو، فأمام حماس زعماء الاستقلال في قمة دول عدم الانحياز، وذلك التحفز النفسي المتفائل الذي كان يُفعم خطابات رؤساء الدول.. كان نهرو يلتقط تلك الفرحة الهشة ليحولها إلى دراسة نقدية تحليلية وموضوعية لحقيقة أوضاع ما بعد الحصول على الاستقلال، هذا الفهم مثله عن حق زعماء نادرون، كانوا بحسهم الطبيعي قادرين على التقاط خيوط مسار التحول بعد الاستقلال، ويعتبر المغفور له محمد الخامس أحد هؤلاء، يقول في خطاب 20 غشت 1985: فنحن الآن بصدد بناء وإنشاء، وقد خرجنا من جهاد أصغر إلى جهاد أكبر، والعهد الجديد يقتضي منا مزيدا من الحذر والانتباه لنستبقي الحرية التي أُهرقت في سبيلها دماء، وأزهقت أرواح وعذب ابتغاءها رجال ونساء، وتقهقر اقتصاد مازلنا نعاني آثار تقهقره إلى الآن، ولنصون الاستقلال الذي هو وسيلتنا إلى تنفيذ البرامج البناءة التي نستهدف بها حكما ديمقراطيا، وتوسعا اقتصاديا، وتقدما ثقافيا، وعدالة اجتماعية، وإلى تحقيق مطامحنا الوطنية”.

إن هذ التقارب في الرؤيا (لا الرؤية) السياسية يبرز بحق أن الحدس السياسي هو سمة مميزة في استقراء الوقائع وتحليل المعطيات وتركيبها بشكل يسمح باستنتاج توقعات المستقبل، وهذه سمة مميزة واستثنائية لا تتوفر إلا فيمن خبر السياسة وأحوالها، وهي عملة نادرة لا توجد إلا عند زعماء تاريخيين قليلا ما يجود بمثلهم الزمن.

* اسشهادات نهرو مأخوذة من مقال “زيارة جديدة للتاريخ”  للصحفي   محمد حسنين هيكل بالمجلة 13 أبريل 85.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق