ثقافة وفن

مراجعة كتاب العقل غير القابل للاختزال

الكسندر موريرا ألميدا وهارولد جي كونيغ

حسام جمال

تبنَّى عموم الفلاسفة واللاهوتيِّين في الماضي نظرةً ثنائيةً عن طبيعة الإنسان، فاعتبروا الإنسان كائنًا ماديًّا -يملك جسدًا- وكائنًا روحانيًّا -يملك روحًا- في نفس الوقت، وجادلوا بأن الروح متميزةٌ عن الجسد، ولكنها تتفاعل بشكلٍ عميقٍ معه، وأنها هي منشأ العقل أو الوعي البشري (الخبرات البشرية الواعية كالتفكير والإدراك والتذكر).

مع ظهور علم الأعصاب بدأ العديد من العلماء في العالم الأكاديميِّ الغربيِّ يرفضون فكرةَ الروح، وجادلوا بأن الدماغَ هو العضوُ الذي يُنتِج العقل/الوعي (الفلسفة المادية)، ومع ذلك -وعلى الرغم من مرور هذه السنين منذ أن ظهر علم الأعصاب- ما زال كل علماء الأعصاب عاجزين عن معرفة الآلية التي يُولِّد بها الدماغُ الماديُّ الخبراتِ البشريةَ الواعية، وهذه هي «معضلة العقل والجسد الشهيرة»، مؤخرًا بدأ عددٌ متزايدٌ من العلماء والفلاسفة في العالم الأكاديمي الغربي يجادلون ضد هذه الفلسفة ويُظهِرون نقاطَ ضعفها في تفسيرِ العديد من الخبرات البشرية الواعية، كتاب «العقل غير القابل للاختزال» هو أحد أشهر الكتب في العالم الأكاديمي الغربي والذي يجادل ضد هذه الفلسفة المادية، وينتصر للفلسفة الثنائية التي تبنَّاها الناس في الماضي، وهذه مراجعةٌ عامةٌ للكتاب.

عبر التاريخ، نتجت الثورات العلمية عندما أخذ العلماء البارزون مجموعةً واسعةً من الظواهر التي تم تجاهلها أو التي لم تكن معروفةً، غاليليو مع تلسكوبه، داروين في رحلاته كرحلته التي استمرت خمسَ سنواتٍ في بيجل، والتي جمع فيها أدلةً تجريبيةً كبيرةً تجاهلها معظم العلماء في ذلك الوقت، دحضت اكتشافاتُهم النماذجَ التي كانت مقبولةً لفترةٍ طويلةٍ في مجالات علم الفلك والأحياء، ونهاية قَصصِهم معروفةٌ بالنسبة لنا.

إدوارد كيلي وآخرون يقترحون شيئًا مشابهًا في كتابهم؛ إنهم يجادلون بشكلٍ مقنعٍ أن علمَ النفسِ الحالي يجب أن يوسِّعَ من نطاقه الضيق وأن يتعاملَ مع مجموعةٍ واسعةٍ من الظواهر إنْ أرادَ علم النفس حقًّا أن يقدمَ مساهمةً حقيقيةً ومهمةً لفهم طبيعة العقل وعلاقته بالجسد.

طوال القرن الماضي ومن خلال اتباع وجهةِ نظرٍ ساذجةٍ عن العلم، تخلى علمُ النفس بشكلٍ تدريجيٍّ عن دراسة موضوعه الرئيسي «العقل»، من الجدير بالذكر أن نتذكر أن علم النفس بمعناه الاصطلاحي يعني دراسة الروح أو العقل، ويمكن أن يُقالَ نفسُ الشيء بخصوص الطب النفسي (طب العقل أو طب الروح).

علماء وأطباء النفس الحاليين عادةً ما يتبنون رؤيتَيْن: الرؤية الأولي هي أنهم لا يستطيعون في الواقع دراسة العقل، والرؤية الثانية هي أن العقل قد تم تفسيره بالكامل كمجردِ نشاطٍ للدماغ الفيزيائي، عادة ما يتم تقديمُ أدلةٍ كثيرةٍ لدعم الرؤية الثانية، غالبًا ما يتم تقديم أمثلةٍ توضح أن العقل يتغير ويتأثر بدرجةٍ ما عندما تحدث تغييراتٌ فيسيولوجيةٌ عصبيةٌ أو إصاباتٌ في الدماغ.

هذا النهج هو موقفٌ معرفيٌّ منطقيٌّ خطير، كما ذكر فيلسوف العلم الكبير كارل بوبر: «العثور علي أمثلة تؤكد تقريبًا أي نظرية هي مهمةٌ سهلةٌ للغاية»، وفقًا لبوبر فإنه لاختبار النظرية حقاً يجب أن نلتزم بالبحث عن أدلةٍ تُخطِّئُ هذه النظرية، والنظريات العلمية الجيدة ستقاوم المحاولاتِ القويةَ لإيجاد أدلةٍ تخالفها.

كيلي وآخرون يجادلون أن وجود أمثلةٍ علي المصاحبة النفسية الفيسيولوجية (كل حالة عقلية تترابط مع ظهور نشاطٍ عصبيٍّ معينٍ في الدماغ) لا تكفي كإثباتِ أن الدماغ ينتج العقل، بداية لقد «قيد العلماء عملياتِ ملاحظاتهم للترابطات الدماغية-العقلية إلي المواقف التي يكون فيها الدماغ هو المتغير المستقل، والعقل هو المتغير التابع»، بمعنى أن التغييرات الدماغية هي التي تُحدِث تغييراتٍ عقلية، لكن العكس -العقل يُحدِث تغييراتٍ دماغية، بمعنى أنه عندما تتغير حالتك العقلية تأخذ جلسات علاج نفسي علي سبيل المثال لتتخلص من الاكتئاب، يصاحب ذلك أيضًا حدوثَ تغييراتٍ في نشاطاتٍ وحتى في بنيةِ دماغك، أو بمعنى آخر جعل العقل هو المتغير المستقل والدماغ هو المتغير التابع– دوماً ما يتم تجاهله.

يجادل كيلي وزملاؤه أن علم النفس يجب أن يستأنفَ النهج الذي اتَّبعَه بعضُ روادِ علم النفس مثل ويليام چيمس وفريدريك مايرز، وهو أن العلم الحقيقي لدراسة العقل يجب أن يأخذ في الاعتبار كلَّ الخبرات البشرية الواعية/العقلية، قبل أن يتم تطوير نظريةٍ علميةٍ عن العقل.

شارك كلٌّ من مايرز وجيمس بعمقٍ في البحث الروحاني وفي دراسة الخبرات الدينية، وأكدوا أن هذه الظواهر لا يجب تجاهلُها لأنها ستساعدنا بشكلٍ كبيرٍ على فهم طبيعة العقل، على الرغم من الانفصال الزمني بحوالي قرنٍ بين جيمس ومايرز وكيلي وزملائه إلا أنهم جميعًا يتذمَّرون من علماء العقل الذين يتجاهلون هذه الظواهرَ لمجرد أنه لا يمكن تفسيرُها ضمن النماذج التي يتم قبولها عادةً عن العقل.

إن رفضَ الأدلة التجريبية التي لا تتوافق مع النماذج السائدة في العلم ليس بالأمر غير المألوف، فيلسوف العلم توماس كون (1970) أظهر أن العلماءَ عادةً لا يعترفون بالظواهر التي لا يمكن تفسيرُها من خلال النماذج التي يلتزمون بها، يقول كون: «هل يمكن أن تكون صدفة؟ على سبيل المثال إن علماء الفلك الغربيين رأوا لأول مرةٍ تغيرًا في السماوات الثابتة سابقًا خلال نصف القرن بعد اقتراح نموذج كوبرنيكوس الجديد، سجل الصينيون الذين لم تمنع معتقداتُهم الكونيةُ التغييرَ السماويَّ ظهورَ العديد من النجوم الجديدة في السماء في وقت سابق».

كتاب العقل غير القابل للاختزال هو مراجعةٌ شاملةٌ للأدلة التجريبية التي تشكِّك في الافتراض القائل بأن «خصائص العقل سيتم تفسيرها بالكامل من خلال الدماغ».

مؤلفو الكتاب من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا ولديهم خلفيات في العديد من المجالات الجَدَلية: علم النفس، الطب النفسي، التاريخ، الفلسفة.

يبدأ كتاب العقل غير القابل للاختزال بإعطاء نظرةٍ عامةٍ على علم الأعصاب المعاصر متبوعًا بملخصٍ للنهج الذي اقترحه فريدريك مايرز لعلم النفس، من المثير للدهشة أن العديد من العلماء والإكلينيكيين الذين يتعاملون مع العقل لا يعرفون شخصًا مثل فريدريك مايرز الذي قدم العديدَ من المساهمات المهمة في هذا المجال.

بعد أول فصلين، تم تخصيص الفصول الأربعة التالية من الكتاب للحديث عن مجموعةٍ واسعةٍ من الظواهر النفسية المهمة والمهملة في نفس الوقت، باتباع طرقِ مايرز يبدأ كيلي وزملاؤه بذكر الأمثلة الأكثر شيوعًا ثم ينتقلون تدريجيًّا إلي أمثلةٍ تتحدى بشكلٍ أكبرَ النموذجَ السائدَ عن العقل كنشاطٍ دماغي.

هذه الظواهر تتضمن: التأثير النفسي الفسيولوجي (علم النفس الجسدي، العلاج الوهمي أو تأثير البلاسيبو، الاضطرابات الانشقاقية/الانفصالية، التغييرات الفسيولوجية التي يسببها التنويم المغناطيسي، التأثير العقلي عن بعد)، الذاكرة، التلقائية العقلية (اضطراب الهوية التفارقي، التلقائية الحركية، الغشية/الغيبة، التخاطر)، ظواهر الاقتراب من الموت والظواهر ذات الصلة (تجارب الاقتراب من الموت، تجارب الخروج من الجسد، الأحلام الجلية، التجارب الظاهرية، رؤى فراش الموت)، العبقرية (الإلهام الإبداعي، الشخصية الإبداعية)، والتجارب الروحانية. واعتمادًا على الأدلة القديمة والحديثة يُعِيد الكتابُ فحصَ نظرية مايرز عن الهوية، وبما أن مؤلِّفي الكتاب يعرضون فيه نتائجَ قرنٍ من الزمان من البحث في مجال الروحانيات ينتهي الكتاب بملحقٍ مفيدٍ يحتوي على مراجع المجال.

الخلاصة الرئيسية لهذا الكتاب هي أنه في ضوء الأدلة المتاحة، إذا أخذ المرء في الاعتبار كلَّ الأدلة وليس فقط مجموعةً ضيقةً من الظواهر -كما يحدث عادة في علم النفس والعلم المعرفي المعاصر- فإن النظرياتِ السائدةَ حاليًا بخصوص معضلة العقل والجسد معيبةٌ بشكلٍ كبير، ولا تستطيع تفسير مجموعةٍ واسعةٍ من الخبرات البشرية العقلية الواعية.

على خطى ويليام جيمس وفريدريك مايرز، يقترحُ كيلي وزملاؤه أنه بدلًا من أن يكونَ العقلُ نتاجَ الدماغ فإن الدماغَ قد يعمل كمرشحٍ فقط للنشاط العقلي في حياتنا اليومية، يجادل مؤلفو الكتاب بأن «الدماغ قد يعمل كعضوٍ يقيِّدُ وينظِّمُ ويمكِّنُ أو يسمحُ بالتعبير عن النشاط العقلي فقط».

دعم هذا الادعاء المثير للجدل هو الهدف الرئيسي لهذا الكتاب المكون من 800 صفحة وقائمة مراجع تقارب 1800 مرجع، كتاب العقل غير القابل للاختزال هو كتابٌ جيدٌ يلخِّصُ ويراجِعُ مجموعةً واسعةً من الخبرات البشرية المهمة والمثيرة للاهتمام والمهملة، الكتاب كتاب أكاديمي، يزود القراءَ بحقائقَ تاريخيةٍ مهمة، وفي نفس الوقت يتم فيه ذكر المعلومات الحديثة حول التطورات الحالية في علم الأعصاب.

على الجانب السلبي وفي بعض الأحيان يصبح الكتاب مكرَّرًا فيما يتعلق بادعاءاتِه الرئيسية وبعض الأجزاء، مثل الفصل المتعلق بأن الذاكرةَ صعبةٌ في التتبع، ولأن المؤلفين يرغبون في دعم استنتاجاتهم فإن الكتاب أصبح طويلًا جدًّا وهذا قد يزعج بعض القراء، مع ذلك قد يركز القارئ فقط على الفصول المتعلقة بمواضيعَ محددةٍ ذات أهمية أكبر.

قيدٌ آخر هو أن الكتاب يراجع الدراسات التي تمت في أوروبا وأمريكا الشمالية، ولأن الظواهرَ النفسية التي يناقشها هذا الكتاب تتضمن تجارب روحية، فإن دراسة هذه التجارب على مستوى العديد من الثقافات سيكون مرحَّبًا به، وأخيرًا لأن الكتاب يتحدث عن النماذج العلمية وحدود وأساليب العلم فمن المفيد إدراج أفكار الخبراء في فلسفة العلم.

نقاط الضعف هذه لا تقلل من قيمة الكتاب، كيلي وزملاؤه يستحقون الثناء على شجاعتهم الأكاديمية في التعامل مع هذه المواضيع المثيرة للجدل، سواء اتفقتَ مع استنتاجاتهم أم لا، فإن مراجعتَهم الشاملةَ مفيدةٌ في تقديم الأدلة والأفكار التي تتحدى النظرياتِ السائدةَ بخصوص ظواهر العقل والجسد.

ملحوظة: الكتاب أيضًا فيه مناقشةٌ وردٌّ مفصَّلٌ على كل المحاولات المادية لتفسير الظواهر المذكورة بالأعلى بشكلٍ مادي، على سبيل المثال تفسير تجارب الاقتراب من الموت على أنها مجرد هلوسات ينتجها الدماغ المحتضِر، أو تفسير تجارب الخروج من الجسد على أنها أيضًا مجردُ هلوساتٍ تحدث بسبب خللٍ وظيفيٍّ في الدماغ، وتوضيحُ أنه لمْ تفشلْ مثلُ هذه المحاولاتِ الماديةِ في تفسيرِ كافةِ خصائصِ هذه الظواهر.

(٭ عن المحطة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق