ثقافة وفن

رواية الغابة السرية … الانقلاب على الكتابة النسائية

إبراهيم سليمان

التحية للكاتبة ليلى صالح على روايتها المثيرة لشهية الإطلاع “الغابة السرّية” الفائزة بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي للدورة التاسعة 2010 – 2011 م مناصفة.

بدأت الرواية باستهلال غاضب للبطلة، فيه قدر من التجريم المعمم، فليست جميع أو حتى غالبية نساء الخرطوم سلفيات ليغّلفن أيديهن بسواد القفازات، كما أن عبارة “أشد ما كرهت عبارات العجائز ودعواتهن الخانعة لحكمة رب العباد” تنطوي على تهكم وتجديف عقدي، رغم أنها ترمز بوضوح للكسل الفني وموت الإبداع واجترار ماضي الستينات.

ـوحين تقول البطلة ” هل كان من الممكن أن أبدأ حياة نظيفة في مكان لا يصلح حتى للعيش الآدمي؟” فإنها ضمنياً تجّرم نفسها، وتقِّر بأن حياتها لم تكن نظيفة. هذا ما يتبادر لذهن القارئ، سيما وأنها أقرّت بتشابه بينها ونشوى، تلك المرأة “الشلاّبة”، اللعوبة ذات الأقنعة.

بهذا الاستهلال التشويقي المعطون في الغضب والتجريم الشامل لمجتمع الخرطوم العاري من أي فضلة حسب تقييم البطلة درية الحاج، الغارقة في الزيف والتصنّع، وبتجني البطلة على ذاتها من حيث لا تدرِ، كبلّت الكاتبة ليلى صالح القارئ ولم تترك له مجالاً للفكاك من متابعة قصة “شلب” مرّكبة ومؤلمة، تدور حول الصراع أو لعبة الحياة بين الرجل والمرأة، في سرد فني جيد السبك، لكنها عادية في مشاهدها، مغايرة في تقنيها البنيوية، فهي رواية داخل رواية “أحسست أنني أترك قصتي لأغرق في قصة مريا” ص 108 في الحقيقة الغابة السرية هي غابتان.

من خلال السرد، غاصت الراوية في إعماق النفس البشرية الأنثوية، بطريقة التفكير جهراً في غابتها السرية، وكشفت ببراعة عما يدور في دواخل الكثير من المعذبات، هذه الغابة، قانونها ساري المفعول، القوية عاطفياً، والشبقة تأكل الضعيفة، “تشلب” حق الأخريات دون أي اعتبارات إنسانية، هذه الغابة السرية لست فيها “أرحميني يمة”، ومن تجد ثغرة أو فرصة، لا مجال لتضيعها.

“أما الطرف الثاني فكان إحدى صديقاتي الحميمات.. الضربة كانت موجعة.. إحساس بالغدر من طرف الرجل الذي أحببته وراهنت عليه ومن الصديقة التي قربتها واصطفيتها..” ص 9

السرد يخلص إلى قدرية آدم لحواء، فهي مهما حاولت، لا محالة أنها منيبة إلى محراب الذكورة والرجولة بالمعني الحسني والمعنوي، ولا انفكاك لها منه. (لا يزال الحبل السري يربطني بك .. لا تزال كل الطرق تؤدي إليك ..)

ركّزت الراوية بشكل كبير على توصيف حال البلد فيما يخص وضع المرأة في فترة معينة، من منطلق جندري، لا يخطئه القارئ، (كل هذه الاختلافات تمت توحيدها من خلال غطاء للرأس، ألزمت به الراقصات والذي هو عنوان للمشروع الحضاري للمحتلين الجدد، غطاء للرأس ولا شيء يهم بعده.) ص 75

أكد لنا أشخاص من المنطقة، عدم وجود شجر الدليب في قلب مشروع الجزيرة أو حتى منقطة المناقل، ربما أرادت البطلة ربط حالة الجوع العاطفي وفقد الحنان العائلي في طفولتها ومراهقتها، سيما من الأم، بالإشارة إلى شجرة الدليب في دار الأسرة كتصوير رمزي للبخل العاطفي.

 “رغم أنني كنت الأكثر شبها بأمي، لكن لم أكن الأثيرة لديها، كانت دائمة الشرود الأمر الذي كان يعمق إحساس الغربة والإهمال في داخلي، كنت أحتاج لضمة حنونة منها، أو حتى رتبة على الجبين”

لا نظن أن طيور السمبر تعشعش على شجر النيم، فهي تفضل أشجار اعلى ارتفاعا، عارية أو خفيفة الأوراق، أو شوكية، كما أنّ استقامة أفرع شجر النيم ليس مثالياً لتعشعش أي نوع من أنواع الطيور.

أذا ربطنا هذا بواقعية شجر الدليب، يبدو لنا أنّ البطلة، ليست لديها إلمام كافي ببعض من الحيز الجغرافي لأحداث الرواية.

توصيف البطلة لحال عائلتها من خلال التنوع الشجري، فهي رفيعة العماد، لكن بعض جذورها مهاجرة “من المغرب”، ترمز إلى هذا بشجرة البان في السموق، وأنها في الغالب ما تستزرع، وجانب من مكون العائلة أصيلة، ترمز إلى ذلك بشجرة السنط، وأن العائلة ميسورة وكريمة، وتشير إلى ذلك بشجرتي النيم واللبق الوارفتين، إلاّ أنّ العائلة شحيحة العاطفة على أطفالها، في إشارة إلى شجرة الدليب، وخلصت إلى أن العائلة أصبحت في مهب الرياح عندنا رحلت إلى الخرطوم، لان احدى أفرادها، فقدت الاستقرار العائلي والعاطفي فيما يبدو.

تبحث البطلة عن عشاق يبادلون القبل علنا ولو من باب النكاية بقانون النظام العام، وهي القادمة من دولة خليجية حسب تفاصيل حياتها كزوجة مغترب!

حرصت الراوية على توصيف شخوص الرواية، من حيث لون البشرة ودرجة نعومة أو خشونة الشعر، مرجعية أنسابهم وقبائلهم، تعكس متاهة المجتمع السوداني وتعقيداته.

وصف الراوية لبشرة أهل السودان فيها تقريرية مخلة. ص 66 ضمن ما وجدتها البطلة في مذكرات مرّيا.

مرّيا صديقة البطلة تعشق الصحراء، وهي بنت الجزيرة الخضراء تعشق الخضرة؟ (فالصحراء غربتي ووحشتي وعطش روحي) مرّيا في مذكراتها!

تقول البطلة أن هنالك تشابه بينها ونشوى تتمثل في معرفتها أساليب التعامل مع الرجال، ونجاحها في جذب انتباههم وجعلهم يلحظونها. مما يعني أن البطلة أيضا ليست بريئة تماماً.

رمزية التحرر الأنثوي (لوحات لخيول برية، بدون ألجمة راكضة في كل الإتجاهات) لمرّيا، تقول البطلة هي معجبة بهذه اللوحات، لكن حين منحت الحرية لتقرر مصيرها، عجزت (أزعجتني خاطرة الحرية هذه…) هنا تتجلى صديقة الضعف الأنثوي. ص 88 “الحرية ثقل مرعب.” آخر مذكرات مرية عدلان. ص 132

الكاتبة تختزل معظم علاقات الأزواج المحرمة مع الخادمات فقط، (أمير ونقد الله) وهذا ليس عدلا ولا إنصافاً، كما أنها تختزل المشكلات الزوجية في الخيانة لدرجة الهوس والتهويل.

عن ماريا عدلان (جرح قلبها ومشاعرها كما يفعل معظم الرجال بالنساء)، تعميم جندري معادي للذكورة. تحمى نفسها بإيلام الرجال، يبدو أن البطلة قد شربت هذه الوصفة حين قالت ” ولأول مرة أشعر بأنني قادرة على الخيانة ومع أول شخص دون أي تردد”

حديث البطلة درّية الحاج عن مأساة الختان، يبدو تقييم حدث بأثر رجعي، إذ أن براءة الطفولة، تفتقر لمثل هذا التفكير الناضج، ولو ركزت على اجترار الألم لكان السرد أكثر صدقية.

تبدو البطلة غاضبة من الرجال، غير أنها تحمل النساء المشعوذات مأساتها وجرح كبريائها ” تلك الواقعة التي حدثت لي منذ أكثر من ثلاثين عاما، رقدتي تلك مرفوعة الساقين … واستباحة نساء مشعوذات لأنوثتي  أذلت وجودي وكبريائي إلى الأبد.” ص 93

في وصفها لعملية الختان، تقول البطلة أن القابلة قد جلست مقابل السرير بين قدميها المشبوحتين لتقوم بمهمتها، ثم تأتي وتقول “رقدتي تلك مرفوعة الساقين” بهذا التوصيف غير المنسجم، نشك أن البطلة قد ختنت.

• ريا عدلان مرة تصف نفسها قائلة “ّأنا مريا عدلان المرأة السوداء قلبا وقالبا كقطعة من الليل قذف بها إلى هذا الكون كيفما اتفق،” ثم تقول “أنا المرأة النقية الدواخل الصافية كالبلور” هذه الازدواجية، لتبرير الخيانة وكضرورة للعيش بسلام في البلاد، لهو مقلق في عالم حواء. ص 102

“يا لغبائكم! من قال إن العفة رهن بعضو تناسلي بترتم جزءا منه ؟” ص 92

رغم أننا ضد ختان الإناث دون تحفظ، إلاّ أنّ اختزال بطلة الراية دوافعه في قتل الشهوة بغرض العفة يبدو غير دقيق، وإلاّ لما لجأ عرسان إلى طلب خضوع عروساتهم العفيفات إلى عملية الختان مباشرة بعد الزواج، ولما فعلت بعض النسوة الشيء نفسه طوعاً وهن في منتصف أعمارهن.

“أنا أعلم أن الذي بيننا ليس جوع جسد بقدر ما هو جوع لشيء لا أستطيع أنا وال أنت تسميته أو تحديده” ص 96

إذن، دوافع المرأة لارتكاب الخطيئة ليست لإشباع غرائز الجسد، قد تبذل هذا الجسد لرجل، للانتقام غبي من رجل آخر، وهنا تكن متاهة “حواء”

“كنت محتشدة بك يومها، ربما لرغبتي في الاقتصاص من أمير” ص 145

نظرة مريا عدلان لمشاعر الحب نفسها كنوع من العبودية، تعتبر تفكير جندري غاية في السلبية، فالحب أنبل المشاعر الإنسانية، وليست هنالك قوة في الأرض بإمكانها أن يجبر أحد على الحب. وحسناً أنها استدركت قائلة “حمدت الله يومها على نعمة الحب والليل والغناء”

بجد الرواية “جندرية” ممتعة بامتياز، تنبئ بفشل الحركة النسوية.

“لقد جعلت من التضامن النسائي الذي ظللت أنادي به في المنابر مجرد أكذوبة…”

“هذه المرأة حتى لو بلغت أرذل العمر ستظل طفلة غير مكتملة النضج لا تعرف ما الذي تريده من هذه الحياة” ص 139 

• تخلص البطلة إلي أن الرجل الشرقي المسلم، يعشق المرأة الطفلة الساذجة

كما قال نزار قباني:

“الجميلات هنَّ الضعيفاتُ

عرشٌ طفيفٌ بلا ذاكرة”

وهو نفسه القائل:

“الجميلات هنَّ القوياتُ

يأسٌ يضيء ولا يحترق”

الرقص تعيد الثقة للأنثى، وتهذب وتحفظ وتوازنها العاطفي والروحي “فبالرقص كنت أمارس عبادتي الخاصة” ص 152.المكان المثالي لمثل هذا الرقص، هي الغابة السرية.

يبدو لنا الحديث المتقطع عن صراع الهوية، وادعاء نقاء النسب من نساء متطرفات “جندريّاً”، فشلن في ملء أعين أزواجهن الزائغة، لهو حديث غير متسق مع حبكة الرواية، ولا يخرج عن تضخيم النص السردي.

بعد مشاوير طويلة ومريرة، تنتهي الرواية بلا إجابات

“- لا أدري!” ص 166

رغم كل ما سبق رصده، بالنسبة لنا، تعتبر رواية “الغابة السرية” من أمتع السرديات النسائية، وأكثرها تشويقا، ، وفيما يبدو لنا مرجع هذه الإثارة لأنها كتبت بنفس حار، وعاطفة جيّاشة، ومشاعر صادقة.

ولا نظن أنّ من تقتحم الغابة السرية لدرية الحاج ومريا من “الجندريات”؛ ستخرج سالمة من التأثير الفني والمفاهيمي.

تناول المسكون عنه، دون ابتذال، والتعبير عن الأحاسيس الأنثوية بدون خجل، تعرية الزيف المجتمعي دون مواربة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق