سياسة

خارطة طريق … بعيون سوداني

وليد عبداللطيف دبلوك

التشخيص السليم اساس لاستخلاص العلاج المناسب لأي داء ..

و من المؤكد ان السودان به داء عضال مستفحل وقديم .. وبافتراضية المرض يمكنني تشخيص داء السودان في ثلاث مواضع أساسية:

الوضع الاقتصادي

الوضع السياسي

الوضع الاجتماعي

وبتحليل تلك الاوضاع الثلاثة اكون قد قدمت في مقال هو الاطول لي منذ ان ولجت دنيا الكتابة ككاتب متابع غير متخصص..

  ويمكنني القول بان طرحي من خلال الإسهاب في تحليل المواضع الثلاثة عاليه، يشكل من منظوري كسوداني حادب على مصلحة الوطن اولا واخيرا، يشكل خارطة طريق للخروج من الازمات وعلاج داء السودان الذي لازمه طويلا لقب (رجل إفريقيا المريض) ..

الوضع الاقتصادي

بتناول الوضع الاقتصادي نعود للوراء ونضع تاريخ استقلال السودان كنقطة او لحظة الانتقال من العافية الى المرض، فقد خرج المستعمر تاركا للسودان اقتصادا قويا مستندا الى بنية تحتية قوية و مشروع زراعي مصنف عالميا بانه فريد في نوعه وينتج محصولا مطلوب في السوق الدولية، وخطوط سكك حديدية تربط اغلب اجزاء الوطن ببعضها البعض، وعملتنا ايامها كانت الاقوى في التصنيف العالمي للعملات ..

وحتى فترة حكم عبود، والى ظهور مايو، والتي في عهدها بدأ الانهيار الاقتصادي من لحظة قرار التأميم المرتجل والمتخذ على عجل، مسايرة للتأميم المصري لقناة السويس وأشبه بمجاملة الرئيس المصري عبدالناصر الذي كان حاضرا لحظة تلاوة قرار التاميم الذي فرضته حكومة مايو، فكان بداية الانهيار، وحتى اواخر ايام مايو حيث بدأ الداء يصيب الخدمة المدنية التي كانت مضرب المثل في الانضباط والالتزام والمهنية العالية  ..

ثم فترة الديمقراطية الثالثة الهشة والتي استمر في عهدها التدهور و الذي بلغ ذروته في عهد الانقاذ الذي شهد أسوأ صفحات التاريخ الاقتصادي سوادا، وتفشى الفساد الذي هو أس البلاء ومكمن الداء، تفشى بشكل مريع حتى فاحت رائحته وازكمت الأنوف ..

كان ذلك سرد لتسلسل التدهور الاقتصادي من ناحية شكلية، لان الجوانب الموضوعية لها اهلها المختصين الذين يمكنهم شرح ذلك بمنظور تخصصي مصحوبا بالأرقام ..

و وصلنا الى الثورة العظيمة الفتية الشابة التي اطاحت بالنظام واتت بالحكومة المدنية، والتوليفة المدنية ~ عسكرية في مجلس السيادة..

الفكر الاقتصادي في شخصية دكتور حمدوك فكر عميق مؤسس مبني على المرحلية في الاداء و ميال للانفتاح على الآخر والعالم  ..

وقطع دكتور حمدوك شوطا كبيرا في ذلك دون ذكر التفاصيل فان الاقتصاد السوداني يستعد للقفز الى الضفة الاخرى، فإما ان ينجح ويقفز بسلام او يسقط في الهوة وتكون النهاية..

لماذا يسقط؟ لماذا لا تتوافر اسباب العبور بسلام؟ …

الاجابة على التساؤلات اعلاه نرحلها لمرحلة تحليل الوضع السياسي لان الاجابة تكمن هناك ..

وفر و لازال يوفر دكتور حمدوك كل معينات العبور بسلام ولكنه سيصل الى نقطة الاصطدام بالحاجز السياسي الذي سيكون القفز من فوقه من المستحيلات .. لابد من الاختراق .. ولكن كيف ولماذا نشأ هذا العائق السياسي …!!

الوضع السياسي

بالعودة الى ذات نقطة البداية للتحليل السابق وهي مرحلة الاستقلال، لم يهتم الانجليز كثيرا للشأن السياسي، وعمدوا الى المزج بين الدين والسياسة بقصد حشد المؤيدين لكلا الحزبين  باعتبار ان الدين هو المحرك الرئيسي للشخصية السودانية، فشدوا عضد الاتحادي بطائفة الختمية، وآزروا الامة بطائفة الانصار، في مزج هو الغلطة التي انجبت سجال اليوم وجدلية العلمانية والدينية، في عبث سياسي لا طائل من وراءه إلا السراب لان التكوين النفسي لشخصية السوداني هي الفطرة الدينية ايا كانت الديانة، مما ينتفي معه الحاجة الى صراع هزلي لا اكثر ..

ثم توالد وتناسخ الاحزاب حتى بلغت في عهد الانقاذ فوق المائة حزب ..

جل تلك الاحزاب تصطرع فيما بينها لغاية واحدة هي الحكم فحسب، لا برامج ولا رؤى ولا  افكار … خواء فكري وعقم ايدلوجي، لم يخرج الامر من خارج البيتين الكبيرين ..

ولكنهما شاخا وهرما ولم ينتجوا حتى اللحظة مشروع سودان متطور وحديث … لان الفكر مقصور على مبدأ الفوز في ذاته وليس مابعده …

رؤيتي ترتكز على تذويب وضغط الاحزاب وتقليصها الى حزبين او ثلاثة على الاكثر، مع إتاحة الفرص في العضوية للشباب وافساح المجال لهم ليضخوا الفكر الشاب المستنير المتابع للتسارع في عالم تحكمه السرعة، يضخوا فكرهم في شرايين الحزب وفق ايدلوجية جديدة قائمة على الحداثة والعلم والتقانة كمفاتيح لإنتاج رؤية لبرامج يخوضون بها الانتخابات في المستقبل بغاية واحدة هي السودان الوطن ..

  لا معنى لكمية من الاحزاب لن تقدم او تؤخر من الامر شئ ..

يكفي وجود حزبين قويين يتبادلان الحكم عبر الانتخاب ويقدمان للوطن ما هو مأمول منهما لانه هو واجبهم وهدفهم الأساسي ..

لا تتعارض رؤيتي مع اتفاقية جوبا للسلام..

الترتيبات الامنية مطلوبة لانه من الاستحالة بمكان وجود جيوش عدة في بلد واحد، هذا ضد المنطق والمعقول .. دمج كل الحركات المسلحة في جيش قومي واحد ..

  لا مناص من الدمج حتى للدعم السريع، لو فكر السيد حميدتي قائد الدعم السريع بشيء من المعقولية وتخيل ان الانتقالية اتت الى النهاية كيف سيكون وضعه؟ ليس هنالك من مجلس سيادة، فما هو وضعه السياسي والقانوني؟ لابد من وجود جيش واحد ..

ان اي محاولة للالتفاف على الانتقالية او السعي لتكوين تحالف بين الرجلين الكبيرين قائدا كلا من الجيشين، اي تحالف ما مصيره الفشل، ومحاولة خلق جسم بديل للحاضنة الحالية هو سعي خائب مسعاه ..  لان الوعي الثوري لحظتها هو الخصم، ولو تم توجيه فوهات كل البنادق الى صدور الشوارع، ستنفذ كل الذخيرة ويعيش الشارع لان المبادئ لا تموت ابدا ولان الاصرار والعزيمة سيولد من داخل كل ثائر الف ثائر .. وشعب تخلص من الظلم والاستبداد ومصادرة الحقوق والحريات، لن يرضى ان يعود النظام القديم بثوب جديد .. لن يقبل ابدا …

اذن لابد من العقلانية والتفكير داخل الصندوق، وعليه يصبح دمج القوات امر حتمي مع منح السيد حميدتي منصب حاكم اقليم يتراضى عليه الجميع، واحتفاظه بالرتبة العسكرية وكافة امتيازاتها، واسناد امر الحدود الغربية لقيادته لتأمينها وحراستها واستتباب الامن من الجهة الغربية لقوات الحدود تحت امرة حميدتي الخاضع للمركز خضوعا تاما ..

  ويمكن الاخذ بهذه الرؤية كإطار مع امكانية التعديل بما يلائم ظروف الوقت والمكان..

اما الامر الثاني والذي هو عقبة كؤود امام انتقال السودان الى مرحلة متقدمة، هو العدالة لشهداء الثورة ..

  وتلك قضية يتناولها الاعلام والشارع من باب حتمية وضرورة القصاص ..

  لا اخالف ولا اختلف مع اي شخص في ان دماء الشهداء الطاهرة لابد ان يقتص لها ممن كان هو سبب تلك المجازر ..

ولكن بكل وضوح ان تنزيل هذا الامر لارض الواقع هو المستحيل بعينه وانفه كذلك ..

   الاتهام يحوم حول اللجنة الامنية والمجلس العسكري السابق، وتعقيد المشهد الحالي يجعل ذلك غير ممكن ..

  ان تردد السيد نبيل اديب وطول امد لجنته الموقرة لهو مفهوم لكل ناظر بوعي وتجرد.. واشفق عليه من كم الضغوط الهائلة التي يتعرض لها، لن تفضي لجنته الى شيء .. وهو ينتظر من السماء حلا يريح اعصابه ..

  الحل في تقديري يكمن في الجلوس والحوار المغلق بين اسر الشهداء عبر ممثليهم والسيد حمدوك كمراقب واللجنة الامنية السابقة .. والحديث هو الصراحة والمكاشفة .. وضمانات بعدم المساءلة لفترة محددة كخمس او عشر سنوات .. تأجيل العدالة في تلك الجزئية فقط، لأجل السودان لا لأجلهم .. لو كان الشهداء ينطقون لقالوا انما متنا لأجل الوطن، فافعلوا ما هو لصالح الوطن ….

  تلك الضمانة لاتعني سقوط القضية، انها قضية جنائية لا تسقط بالتقادم البتة، ولكنها سنوات مصحوبة  بضمان تريح النفس .. في مقابل افساح المجال وبسط الطريق للحكومة المدنية في المضي قدما في مسيرة التنمية وفك الاحتكارات العسكرية ورفع اليد تماما عن الاستثمارات العسكرية وايلولتها لوزارة المالية، عدا تلك الشركات والاستثمارات المرتبطة بالصناعات العسكرية كالتصنيع الحربي، وكل ماهو ذو صلة بالطابع العسكري ..

  إرخاء القبضة العسكرية يقابلها السكون في المطالبة بالقصاص لفترة متفق عليها، سيجعل العبور ممكنا …

ثم نعرج بعد ذلك لأمر مهم يبرز الى السطح جهرا بعد ان كان سرا .. وهو المصالحة مع الاسلاميين، واقول ينبغي اولا تحديد من هم الاسلاميين، فإن لم يكونوا منتمين الى المؤتمر الوطني المحلول، فما هو الخلاف معهم حتى تكون هنالك مصالحة ! ليس بين الثورة والاسلاميين الغير منتمين الى المؤتمر الوطني المحلول من عداء ، اما ان تكون المصالحة مع من افسد وقتل وسرق وعذب واغتصب  فهذه ليست مصالحة وانما تخلي عن مبادئ الثورة .. لا مصالحة مع المجرمين الذين ينبغي اولا تصفية الحسابات معهم وان تنفذ العدالة .. لامجال لهم البتة في الشأن السياسي .. ثلاثون عاما حكموا البلاد فماذا قدموا للوطن والمواطن حتى نتصالح معهم ! ومن كان اسلاميا من غير عصابة المؤتمر الوطني فليس بينه وبين الثورة عداء او خلاف … 

الوضع الاجتماعي

هذا الوضع يشكل عقبة حقيقية امام اي فرصة للانتقال للأمام، والتكوين المجتمعي ايضا تعرض للانهيار، وقد رأينا عبر مقاطع ومشاهد تلفزيونية ايام الاستقلال وسمعنا على لسان من كانوا حاضرين تلكم الايام كيف كان الانسان السوداني نشيطا وعمليا، كان حب العمل هو سمة اساسية للمجتمع، وكل المهن كانت تؤدى بروح وهمة عالية، والحرص على اداء الواجبات بشكل متقن وتفاني واخلاص، وإلتزام واحترام الوقت كان من مميزات العامل والموظف والمؤسسات والهيئات، كانت صافرات القطارات تطلق في مواعيد يمكن ضبط الساعة عليها، وصافرات دخول وقت الافطار وانتهاء الدوام من مميزات هيئة السكة الحديد في عطبرة كمثال، كانت الاعمال تؤدى بروح عالية لان النفوس مشربة بالوطنية، ولان التعليم كان يغرس قيمة العمل والاخلاص للوطن، ولان العائد المادي كان يكفي الحياة الكريمة ويفيض احيانا، ونجد مشاهير في تلك الفترة من فنانين ولاعبين وغيرهم يعملون في مهن حرفية كالنجارة والميكانيكا وغيرها وهم يمارسون رسالاتهم الفنية والرياضية بروح عالية … وتبدل الحال وصار الوقت غير ذي اهمية وماتت الروح الوطنية واصبحت المهن طاردة وتردت الخدمة المدنية الى درك سحيق …

يتطلب الامر علاجات جذرية تبدأ من غرس الروح الوطنية منذ الصغر عبر مناهج تعليمية مدروسة بعناية، الامر الذي يلفت النظر الى ضرورة إصلاح التعليم بشكل عملي وعلمي، والتركيز عليه لان بناء التعليم السليم والصحيح هو المدخل لبناء أمة صحيحة وسليمة قادرة على النهوض بالوطن ..

  ويشمل ذلك حتى الساسة ومن هم على سدة الحكم، التخلي عن المصالح الشخصية وتقديم مصلحة الوطن ونبذ الخلافات وانهاء حالات الاستقطاب والشد والجذب والكيد وما الى ذلك … ثم معالجة الاختلالات مابين الرواتب والحوافز ومابين متطلبات الحياة الكريمة، إن ما نشاهده من ارتفاع ظاهرة هجرة الشباب وقبولهم مخاطرة الموت في مياة البحار والمحيطات، لهو دليل على تردي واستحالة سبل الحياة في السودان، وبنظرة الى القاهرة كمثال نجد كميات هائلة من شبابنا هناك، يرضون بحياة صعبة ومذلة بهدف جمع مال يمكنهم من إمتطاء قوارب الموت أملا في الوصول الى بلاد يحققون فيها طموحاتهم وأحلامهم بعد ان ضاقت بهم الحياة في بلدهم …

فلنوفر البيئة الجاذبة للسواعد الفتية والاتجاه نحوهم وتخصيص جزء مقدر من الاموال الوافدة نحو مشاريع الشباب وخلق فرص توظيف بعائد مجزي ..

تبنى الاوطان بسواعد بنيها وينبغي الانتباه لهذه السواعد وتلبية احتياجاتها ومعالجة مشاكلها، والسعي لتقليص نسبة البطالة العالية لادنى حد …

إعلاء قيمة الوقت وحب العمل وفتح آفاق مشاريع تنموية وإيجاد فرص توظيف مجزي والتبشير بسودان جديد عبر آلية إعلامية ممنهجة ومدروسة تعكس هذا الامل الجديد وان يكون فعلا هنالك سعي جاد لتحقيق ذلك وليس بيعا وتبشيرا بالوهم ومغايرة الدعوى مع الواقع..

ان هذه الاوضاع الثلاثة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مترابطة بعضها ببعض ولايمكن فصل اي منها في عملية الاصلاح المتكاملة للدولة ..

إنها رؤية مني كمواطن عادي لاينتمي لاي جهة سياسية او عقائدية او غيره .. رؤية اعتقدها خارطة للخروج من الازمة .. اطرحها بمفهومي مع القابلية والموافقة على التعديل والتغيير فيها بما يحقق مصلحة الوطن الذي هو غاية ما ارنو اليه  ..

احلم بسودان قوي ناهض، يشغل موقعه الطبيعي كدولة رائدة، مستغلا الموارد الهائلة المتوفرة من مواد وطاقات وخامات ومنح طبيعية وهبها الله لنا، ونستغل ذلك مع العنصر البشري المؤهل، وسنكون دولة قوية تحتل موقعا رائدا… وان نترك لاطفالنا دوما كما اردد وطنا يشبه الاوطان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق