سياسة

الإسلام السياسي إلى أين في المنطقة العربية

أحمد الونزاني

هنالك شبه إجماع دولي وإقليمي على إنهاء تجربة الإسلام السياسي و بصفة نهائية في كل المنطقة العربية.

و لو عدنا إلى إرهاصات الربيع العربي، و ما نتج عنه من تحول جذري و إسقاط أنظمة الحكم العربية الاستبدادية و الشمولية، و دخول المنطقة مرحلة جديدة، أدت إلى بزوغ فجر الإسلام السياسي بقوة كبيرة، من تونس و مصر و ليبيا و اليمن و المغرب. لقد تم اكتساح المشهد السياسي من قبل الفصيل الإسلامي في كل من تونس ومصر في أول انتخابات تشريعية وحتى رئاسية نظرا أولا لغياب البديل وثانيا ك ضرورة للتغيير المنشود وثقة الجماهير والشعوب في الفصيل السياسي الإسلامي الذي عانى كثيرا من التضييق وبذل التضحيات وكان شوكة في حلق المستبدين، وأدى ثمن ذلك عبر التهميش والاعتقال والإقصاء من الحياة السياسية.

كانت تجربة الإسلاميين السياسية غير ناضجة ولا تعطيهم الإمكانية في الاستفراد بالسلطة، وكان لزاما عليهم البحث عن شركاء وطنيين وبذلك انفتحوا على كل التيارات السياسية لتقاسم السلطة ولكسب تجربة ميدانية وفعلية في العمل السياسي، وهذا الانفتاح على الآخر اعتبر ضعفا من لدن معظم التيارات السياسية وخصوصا من الفصيل السياسي اليساري والعروبي وممن كانت لهم نزعات سلطوية و في خدمة الأجندات المختلفة. وكان تساهل الفصيل السياسي الإسلامي نقطة ضعف استغلت ضده، فنشأت تحالفات سرية تعمل على تقويض التجربة الإسلامية (أي تجربة الإسلام السياسي) في الحكم وتدبير الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كانت المعوقات و الإكراهات كبيرة و زاد من حدتها المناكفة السياسية وتجذر الفساد في البلاد عبر بقايا الأنظمة العربية الاستبدادية في أسلاك الإدارات العمومية و القانونية ك القضاء و غيرها من المؤسسات القريبة من المواطن بشكل مباشر ك الدوائر الأمنية و الإدارة المحلية و الطامة الكبرى هي فساد المؤسسات ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي و الإشعاع الثقافي  (التعليم والصحة ) .كل هذا ساهم بشكل أو بآخر في تعطيل عملية الإصلاح التدريجي المنتهجة من قبيل الإسلاميين لأن أي إصلاح جذري كانت تكلفته ستكون كبيرة على الصعيد الاجتماعي بالخصوص و سيعتبر اقصائية و تفرد بالسلطة من قبل الآخرين و الذين يتصيدون الفرص للفصيل الإسلامي.

كانت التحديات بقدر الأخطاء التي وقع فيها الفصيل السياسي الإسلامي. ولعل أكبر تلك الأخطاء الثقة العمياء في المؤسسة العسكرية واحتكار الرأي وعدم السماع للناصحين وخصوصا عدم إشراك الشباب و تجديد هياكل التنظيمات لبعث الروح التجديدية فيها و توسيع نظام الشورى ليشمل حتى القاعدة، بل حتى الانفتاح على آراء النخب الفاعلة و المجتمع المدني.

كل هذه الأخطاء ساهمت في التجييش ضد الفصيل الإسلامي، واتخذت المنابر الإعلامية والصحف ك أداة فعالة لشيطنة و تمريغ الإسلاميين، و فعلا نجحت الخطة بدعم عربي و دولي في إقصاء الإسلاميين أولا في مصر، عبر الانقلاب العسكري ذات صيف في 2013، و دخلت ليبيا في الفوضى الخلاقة و تم تمكين الحوثيين في اليمن (و ما الحرب في اليمن إلا غطاء، لكن الهدف هو إسقاط الإسلاميين) و كانت الردة في سوريا، بعدما كان النظام على شفير الهاوية. وحيكت المؤامرات تلو المؤامرات ضد الفصيل الإسلامي في تونس، وكان آخرها ما وقع في 25 يوليوز 2021 والهدف منها واضح العودة إلى حضن الاستبداد العربي. وفي شمال افريقيا، كانت الردة عن المسار الديمقراطي واضحة في المغرب بعد انتخابات 2016، حيث تم الانقلاب على الشرعية الدستورية ودخلنا في ما سمي بالبلوكاج و جاءت بعدها حكومة هجينة ضعيفة لا تملك أي صلاحيات.

في الجزائر لا تزال سطوة الجنرالات هي الحاكمة و هي المسيطرة على دواليب الحكم من وراء ستار شرعية الرئيس الجزائري الحالي.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه، هل الاستبداد واقع أم خيال و كيف يمكن التغلب على ذلك الواقع المخزي الذي تعيشه المنطقة العربية

هنالك خطة محكمة لإفشال تجربة الإسلاميين في كل المنطقة العربية، ليس إفشال فقط بل إقصاء الإسلاميين من المشهد السياسي و نبذ هذا الفصيل السياسي و إخراجه من المعادلة السياسية بأي شكل من الأشكال حتى و لو تطلب ذلك استخدام القوة الغاشمة و هذا شهدناه في كل من مصر و ليبيا و سوريا و الجزائر و السودان و اليمن و الخليج العربي و العراق و الآن في المغرب و تونس.

و هذه الخطة و الأجندة يقف وراءها أطراف عربية و دولية معروفة و فصائل سياسية محسوبة على تيارات قومية و يسارية و تغريبية و هي من يمثل تيار الثورة المضادة أو النظام العميق في الوطن العربي برمته.

المشهد السياسي معقد للغاية و الكل يتحامل و يعمل في إتجاه إفشال و إقصاء الفصيل الإسلامي من المشهد السياسي بشتى الوسائل: الشيطنة الإعلامية و تشويه السمعة و وضع العصا في العجلة و فبركة أزمات صورية و حتى استدعاء التدخل الأجنبي عبر تشجيع الانقلابات العسكرية أو الفوضى الخلاقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق