ثقافة وفن

“لو ولدت في لغة حية لكنت شاعرا ليس أقل من شكسبير”

محمد وردي: الفن توقف منذ الستينيات لكني متفائل!

نشر هذا الحوار صحيفة في الوطن القطرية ما بعد العملية الجراحية لوردي في عام 2003، ونعيد نشره اليوم في إطار تحديد الدولة لعام 2022 عاما لوردي وإبداعه الخالد.

***

علي سليم تاجر قديم من منطقة النوبة في شمال السودان، وجنوب مصر، مهنته تجهيز مواكب الأفراح في موسم الأعراس، نعم كان علي سليم يجهز زفة العرس التي يطلق عليها باللغة النوبة «شوقدا»، وهب ذلك الرجل زمانه للآخرين، بعكس تجار زماننا الجديد.

كان يحكي عن رحلته وفي إحدى الرحلات وهو في النهر حاول أن يرسو بقاربه في مكان ما، لكنه لم ينجح بعد ان انعكس اتجاه التيار، فرسا بالقارب في مكان مختلف.

راح علي سليم يقص للفنان السوداني محمد وردي، الأحداث التي مرت به، ومعاناته مع النهر، وهذه هي قصة «موكب الفرح» التي غناها وردي باللغة النوبية أثناء معاناته في الولايات المتحدة الأمريكية مع المرض وهو ينتظر زراعة الكلى، التي شاء الله أن تكون هنا (2003) في الدوحة وليس هناك في أمريكا.

الأغنية أعادت ذكريات قديمة، لتحكي للجيل الجديد عن معاناة جيل قديم، استمد وردي كلماتها من فنان نوبي قديم تأثرا به، وقريبا ستخرج في شريط يتم إعداده في مصر.

بتصوري الخاص أن مناجاة وردي مع علي سليم في معاناته، كانت أشبه بمناجاة وردي مع ذاته في معاناته مع المرض، لأن وردي كتب الكلمات ويعترف أنه شاعر كبير، كان سيكون ليس أقل من «شكسبير» على حد تعبيره، لو قدر له أن يولد في لغة حية، ولان الشعر لا يولد مع الإنسان الا في لغة الأم، ولغة وردي الأم هي اللغة النوبية.

في هذا الحوار يكشف وردي عن الزمن القديم ويستشرف زمنا لم يولد بعد هو على ثقة انه حقق الكثير لكن هناك اجيال تولد وراء الغيب كما قال. فإلى الحوار:

حاوره عماد البليك (الدوحة في عام ٢٠٠٢)

< كيف يمكن ان يصبح المرء فنانا عملاقا ولماذا هناك دائما احساس ان مولد الفنان صعب هل تجاوز القمم مستحيل؟

> لا اتصور ان يولد فنان من حالة غياب استيعاب التراث والبيئة، لان الفن في جوهره معايشة لقضايا الانسان الحقيقية والتفاعل معها اذ تصورنا ان بلدا مثل السودان تدور فيه حرب أهلية، فهل من الممكن ان نتصور فنانا ناجحا لا يعي بمجريات هذه الحرب وتاريخها لكن الامر لا يقتصر على ذلك اذ ان هناك صفات خاصة بالإنسان تولد معه وتتجسد في شخصيته كيف يؤثر في الآخرين وكيف يتأثرون به؟ هذه ضروريات كما ان المشوار صعب. انا قطعت 50 سنة حتى نجحت.

< الآن هناك جيل جديد يغني في السودان وفي كل مكان كيف ينجح هذا الجيل، من خلال تجربتك ما هي النصائح التي تقدمها لجيلنا؟

> اولا لا بد من التأثر وان يكون الفنان على معرفة بتراث بلاده ووعي تام به وان يعرف الجغرافيا بشكل دقيق والجغرافيا هي الانسان كما التاريخ هو الانسان، للأسف الشديد كان بإمكان الفنانين من الجيل الجديد ان يعرفوا بلادهم أكثر وان يتعمقوا في هذه المعرفة لينجحوا لكن ذلك لم يحدث، وللأسف الاكبر فان وجود معهد الموسيقى والمسرح في السودان لم يسهم في ذلك. كان من الواجب ان يقوم هذا المعهد بدوره تجاه جمع التراث وتوثيقه حتى يقترب منه الجيل الجديد ويتمكن الدارس من ادراكه، كل ذلك غير متوافر الآن وغير موجود حتى الآن. نحن في زماننا كنا نتجول شرقا وغربا شمالا وجنوبا عرفنا السودان جيدا عاداته وانسانه هذا لم يتح بعد للجيل الصاعد.

< لا شك ان تنوع الثقافات في السودان يساهم في نجاح الفنان إذا أدرك كيف يعرف هذه الثقافات ويوظفها جيدا؟

> نعم السودان بلد غني بالإيقاعات المتنوعة والتي لو صورها السودانيون لاغتنوا منها. هل يصدق ان يأتي الغربيون للسودان ويستفيدوا بعد الدراسة من المتاح فيه من تنوع وايقاعات ثم يعيدوا تصديرها لنا. للأسف نحن لم نفهم تراثنا ولم نتفاعل معه ونحن لا نوجه فننا لمن يستحق سماعه ولمن سيسمعه حقيقة. لدينا بعد كبير تجاه المنطقة الافريقية نتجاهله، هؤلاء يتفاعلون معنا ولو لم يفهموا ما نقول. التنوع افرز في السودان فنانين ناجحين والآلة البسيطة قد تنتج حداثة كما يقول الموزع الارجنتيني راوول فراندو الذي شاركني في بعض الاعمال في الولايات المتحدة كان معجبنا بالفن السوداني.

< ما هي قصة هذا الرجل الارجنتيني؟

> في الولايات المتحدة الامريكية تعرفت على عازفين اميركيين تعاونوا معي وتعرفت على راوول الموزع الارجنتيني وتم تعاون بيننا، وقد جمعنا سويا هذا التعاون، خاصة أن الفني السلم الخماسي هو الذي يستخدمه اهل جنوب الارجنتين، ومن هنا تجاوب راوول مع الموسيقى الخماسية السودانية، وهو عالم موسيقي حديث وله موسيقى في افلام تصويرية، أحب الموسيقى السودانية ورأى فيها قدرات على النمو والانتشار.

< دعنا نعد للتنوع الثقافي؟

> هناك تنوع وهناك تشابه احيانا قد يبدو تشابها لأول وهلة لكن طريقة التوظيف تختلف تماما، خذ مثالا لذلك آلة الطنبور هذه الآلة التي يعرفها كل اهل السودان وتجد انتشارا كبيرا. هل تصدق ان كثيرا من القبائل لا تعرف ان هناك من يعزفون على هذه الآلة مثلهم؟ القضية انه لابد من تفاعل وهذا ما اخفق فيه الشايقية رغم جمال اشعارهم ظلوا متمسكين بالطنبور لم يطور ايقاعهم لهذا غابوا عن الاستفادة من مزايا التنوع الفني في السودان. الإشكال ان آلة «الطنبور» تظل آلة محدودة وهم مرتبطون بها. لكن مثلا الفن النوبي نجح في التعايش، ان تعطي وتأخذ للخروج عن دائرة مجاله المحلي.

< لنعد للأجيال الجديدة في السودان هل ستنجح يوما ما في الانتشار؟

> ـ الاجيال الجديدة لها وسائلها الجديدة في الغناء، هي تغني بالفيديو كليب وعلى نظام الفرق الجماعية. لا بد ان يحدث تحول وتطور لان الدنيا لن تسير على هذا الحال، ورغم انه لا يوجد من لفت نظري من الجيل الحالي، لكني متفائل، اشعر كأن الفن توقف في الستينيات من القرن الماضي، ليس في السودان وحده بل في كل الدنيا، في اوروبا وفي امريكا لم يعودوا ينتجون فنا جديدا. اعتقد ان الدائرة ستعود من جديد للفن شبه الكلاسيكي، وسيتم توظيف التطور التقني والموسيقى المبتكرة فيه بعد ان تحولت الاجيال وانماط الحياة لا بد ان تولد اجيال جديدة.

< ما هي التحولات التي تحدث في الفن الآن، في انتظار ميلاد الجديد؟

> هناك تحولات كبيرة في مفهوم الفن وفي مفاهيم كالرومانسية، الفتاة مثلا لم تعد كما في السابق، لقد تعلمت وشاركت في الحياة، والفن الآن يخضع للواقعية الجديدة وحتى لو جاءت الاشعار وبها رموز من الماضي كالنهر والمراكب، الا ان ذلك سيفهم بشكل جديد. على مستوى الاغنية العربية هناك تحول في الصورة الشعرية، لكن في ظل التحول، يجب ان لا يهمل التراث. انا عشت حياة قديمة مستقرة لم اعاني فيها كثيرا عندما كان النوبة في الشمال قبل الترحيل. لكن وردي الآن يعيش السودان بواقعه الجديد.

< ما زال الحديث عن غياب الأغنية السودانية عربيا قائما، وما زال السؤال عن اسبابه قائما؟

> غياب الاغنية السودانية عن السوق العربية يرجع لعوامل تقنية منها عدم التسجيل الجيد، وإذا ما كان هناك دخول للسوق العربية يجب ان يتم ذلك بانضباط وتقنية عالية، ولمن يعملون في هذا المجال، وليس لأي شخص. فهناك من يدخلون هذه السوق دون مراعاة لهذه الشروط، كما يجب ان تكون هناك حماية للأعمال، وان يكون الاخراج بشكل جيد وجذاب، مثلا شكل الالبوم بغلافه، يمكن ان يؤثر في المشتري له، وهو يعكس التحضر. الفن ثروة قومية، ويجب الا يضيع هباء، ويجب ان يطرح ما هو سمين، وليس ما هو غث، وهذا من واجبات الدولة عندما تدافع عن الحقوق والتراث، واعتقد ان التراث يجب ان يدافع عنه، ولتحقيق الانتشار يجب ان نعرف كيف نؤسس سوقا منافسة، والآن نحن بصدد دخول السوق الخليجية، وهو سوق طبيعي للأغنية السودانية. وفي الالبومين الجديدين لي «سلام على السودان ــ كرنفال عودة وردي ــ الجزء الأول» و«ألبوم صوارده»، هناك لحد ما انضباط كبير، وقد طرحت العمل مع العيد في السعودية والقاهرة، وقد تم تسجيل البوم (صوارده) في «هوليوود» بأوركسترا أجنبية، وفي استوديوهات ذات تقنية عالية، وتم تسجيل (سلام على السودان) عبر شركة من جنوب افريقيا بالاتفاق مع شركة (دال) بالسودان، وتتمتع هذه الشركة بتقنيات عالية. ما نريد ان نثبته اولا ان الشعراء والفنانين السودانيين يمكن ان يستمع لهم الخليجي، وبعد ذلك من الممكن ان يتم تعاون مع شعراء من الخليج.

< هناك استفسارات دائمة عن اسباب هجرتك لأمريكا؟

> منذ عام 1998 جاءت فكرة ان اذهب الى هناك لوجود الامكانيات التقنية، واخترت منطقة كاليفورنيا لإعادة توزيع بعض الاغاني، وانتاج اغاني نوبية جديدة، لكن قدر الله بعد ان وصلت هناك اصبت بالفشل الكلوي، وفكرت اما ان اعود لانجلترا او اظل في امريكا، فجلست في امريكا، وهناك تعرفت على شباب سودانيين مبدعين، منهم من جاء معي، ومنهم من ذهب بمفرده، وقد استطعنا ان نخلق ومع عازفين اميركيين جوا من الابداع، انتجنا 18 أغنية قديمة ومتوسطة، وكان العلاج والغسيل مستمرا في انتظار زراعة الكلى، لكن الزمن مضى، فكرت في اغاني نوبية قديمة منها «صوارده» وهي أغنية جاءت في الألبوم المطروح حاليا بالأسواق، تحمل ذكريات قديمة لمسقط رأسي، وهي مضمنة في قالب شعري نوبي، تذكر الأجيال الجديدة بالماضي، وتضم قيما ومعالم عن ذلك الماضي. كنت متعمدا أن أعمل من أجل إحياء التراث واللغة التي كادت أن تندثر. صحيح أن جيلنا يحتفظ بها، لكن هناك من ينسون، وهناك الآن محاولات لإحياء اللغة النوبية فقد تمت جهود كتابتها وأعد كتابين لهذا الأمر في القاهرة.

< ماذا طبعت العودة إلى السودان في ذهنك، لقد عدت وهناك متغيرات كثيرة؟

> عدت ووجدت متغيرات، لكن الذوق العام لا يتغير، ويفهم الفن الجيد، ففي حفلاتي بعد العودة تدافع الجمهور بالآلاف، هؤلاء من الجيل الذي كان صغيرا عندما خرجت من السودان، تعجبت وقلت لنفسي: كيف عرفوا وردي؟ لهذا فالذوق العام لا يتغير، رغم أن الظاهرة قد تبدو غير عادية، وفي العودة كسرنا قاعدة أن الحفل ينتهي في الحادية عشرة ليلا، استمر الغناء حتى الثانية صباحا. عندما عدت الذين استقبلوني بالآلاف وتدافعوا كان أغلبهم من الجيل الجديد، هم تدافعوا للفن، ولم يتدافعوا لأن أحد قال لهم إن هناك خبزا وراء ذلك، أو هناك من سيقدم لهم أكلا عندما يأتون للمطار لاستقبالي. في السودان غنيت بعد العودة «يا سلام على السودان» من كلمات الفيتوري، كان قد أرسلها لي اثناء رحلتي من كاليفورنيا للسودان، قمت بتلحينها وغنيتها، هي جزء من سلسلة «كرنفال وردي» التي ستصدر تباعا وبها اغان جديدة.

< كيف تنظر الآن لتراث محمد وردي، من يمتلكه وهل هو حق لأبنائك؟

> تراثي وما قدمته ليس ملكا للعائلة، هو تراث قومي، ولا أقبل العبث به سواء من ابنائي او غيرهم، اقبل ان تكون هناك اضافة إذا ما جاءت جديدة وجميلة، ابنائي ولدوا في بيئة فنية، وحاولوا ان يعدلوا في بعض ما قدمته، لكن المحاولات لم تنجح، وانا لم استسغها، هذا ما اقصد بأن الاضافة يجب ان تكون مميزة، أوجه ابنائي لدخول عالم الفن لكني لا اقـــــودهم فهـــذا جـــــيل آخــــر، لا يمكننا التحكـــم في ذوقه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق