آراء

غوايات

ما بين جبران والطيب صالح

عماد البليك

هل يمكن كتابة سيرة الطيب صالح على نهج ما كتبت سيرة جبران خليل جبران في العديد من الكتب باللغتين العربية والإنجليزية، وحيث تم الكشف عن التاريخ الثرّ لهذا العبقري الذي جمع بين فنون الكتابة الإبداعية والرسم، وقدّم صورة للمثقف المهاجر المتمسك في الوقت نفسه بالجذور وبناء القيم الإنسانية.

الطيب وجبران كلاهما مهاجر نشد حظه في مكان آخر، وإن كان جبران قد جاء في وقت أبكر، كذا أنه قدّم إنتاجه بلغة ثانية هي الإنجليزية، في حين أن كتابات الطيب بالعربية، كذلك فإن جبران اندمج في المحيط الجديد الذي وصله وعاش فيه منذ طفولته، بخلاف الطيب الذي يكاد يكون التصاقه بالإنجليز حذرًا بعض الشيء رغم أنه تزوج منهم.

حياة الطيب صالح الخاصة وإلى حد كبير ظلت غامضة، وكتاباته لا تكاد تكشف هذا الشيء كما يظن البعض، فهي تحتال على الواقع والمكان والهوية، بخلاف ما قدمه في كتاباته عن كرمكول وهي من أطياف الطفولة والصبا، وحيث من ثم بدأت حياته في المهجر التي لا نجد ملمحًا لها إلا في “موسم الهجرة”.

لكن بشكل عام فإن لندن التي عاش فيها الطيب صالح ليست واضحة في رواياته بالمعنى الجلي، المدينة بكافة أطيافها وحياتها ومدرجها التاريخي.

هل يعني ذلك أنه لم يستوعبها أم أنه آُثر تغافلها؟

وما وراء ذلك الأسئلة عن “الحياة الثانية” و”الموازية” للطيب التي عاشها وهي التي لم تكتب إلى اليوم.

في كتاب “نبي وعصره” يأخذنا روبن ووترفيلد إلى سياقات معقدة في حياة جبران خليل جبران وهو يتنقل ما بين السيرة والمرآة الكاشفة لهذه الشخصية، فهو لا يهتم بالنصوص ولا الرسومات وإنما يبحث في الحياة الشخصية لجبران، كما تتجلى من خلال شهود العيان والحضور ومن خلال المذكرات والوقائع التي عاشها أناس كانوا من حوله أو عرفوه.

هذا النوع من الكتابة أو القراءة الثانية للشخصية لا يوجد عندنا في الإبداع السوداني، إذ أننا فقراء في مجال التخييل التأريخي وقراءة السيرة وما وراء السيرة، وهذا ينبع لأسباب متداخلة من طبيعة المجتمع التي لا تزال تعيش على الخوف من سبر أغوار الحياة الشخصية إلى ما وراءها، كذلك التحدث عن/ وكشف بناء الإنسان في تقاطعاته مع الأنسقة الاجتماعية والحياتية المتنوعة.

لكن بمجرد أن يكون المجتمع أكثر انفتاحًا فسوف نشهد مثل هذه الكتابة السابرة والعميقة لإعادة قراءة؛ ليس الطيب صالح فحسب، بل العديد من الشخصيات في تراثنا السوداني، كالتيجاني يوسف بشير ومعاوية محمد نور وغيرهما إلى الشخصيات المؤثرة على الصعيد الفكري والسياسي وكافة مناحي الحياة.

لي أن أشير هنا إلى كتاب “مهارب المبدعين” للنور حمد الذي تعرض فيه إلى قصة الهروب الذي شكّل ربما ظاهرة في الثقافة السودانية، ودرس نماذج للعباسي والمجذوب والناصر قريب الله وغيرهم، وفيه بعض من ظلال السيرة المغارية، أي التي تكتب عن أناس آخرين لا يكتبها الكاتب بنفسه، وإشكال هذا النوع السيري كما ذكرت المخاطر الاجتماعية في بلد كالسودان، ينتظره الكثير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق