ثقافة وفن

فيلم Cruella: ديزني الكلاسيكية بين التكرار والابتذال

عمرو عدوي

كالعادة تطلُّ علينا شركةُ ديزني بإنتاج جديد، يحقق نجاحًا جماهيريًّا كبيرًا، بالرغم من أنه لا يختلف كثيرًا عما سبقه، بل تتبع ديزني نفس النمطِ المكرَّرِ دائمًا من استخدام قصصٍ وأفلامٍ قديمة، والاعتماد على ترسانة من «الكليشيهات» التي يتعاطف معها الجمهور، بلا تجديد أو إضافة تُذكَر.

يعد فيلم Cruella حالةً مماثلة، فالمفترض أنه يحكي قصة مجيء شخصية «كرويلا» الشريرة إلى الحياة، والتي شاهدناها في الفيلم الشهير Dalmatians 101، ومن قبل في الكرتون بنفس الاسم، وعن سبب كرهها للكلاب المنقطة، وهدفها في جمع الجراء الصغيرة بالكامل وصنعِ ملابسَ ناعمةٍ من فرائها، لكن الفيلم أبعد ما يكون عن هدفه الأصلي.

أميرة في مملكة ديزني

يبدأ فيلم Cruella بالطفلة الموهوبة «استيلا» والتي تعيش مع والدتها، وتقع دائمًا بالمشاكل في المدرسة، فقد ولدت استيلا بشعر أبيض وأسود مما جعلها من البداية غريبة الأطوار. رأت فيها والدتها «كاثرين» على الفور إمكانياتٍ خاصة، بسبب إبداعها وحبها للكلاب، وخاصة أحد كلاب الشوارع الذي أخذته معها إلى المنزل، وبسبب طبيعتها المتمردة وشغفها تجاه تصميم الأزياء، سحبت كاثرين إستيلا من المدرسة وانتقلوا إلى لندن.

تحضر كاثرين حفلة استضافتها البارونة «فون هيلمان» وتطلب من إستيلا البقاء في السيارة حتى عودتها، ومع ذلك ينتهي المطاف بـإستيلا مطارِدةً كلبَها الصغير، وبينما كانت تجري في الخارج، يطاردها كلابُ البارونة المنقطة، حتى تصدم الكلاب والدتها وتسقط من فوق المنحدر.

اعتقادًا منها بأنها تسببت في قتل والدتها، تأخذ إستيلا كلبها وتهرب إلى المدينة، وتفقد عقدها المميزَ في الطريق، والذي أخذته من والدتها، وتنضم إلى عصابةٍ من أطفال الشوارع حيث تقضي أيامها في السرقة والخداع.

القصة وفية لأبعد الحدود لمعايير وكليشيهات ديزني المعروفة، أحضر أميرةً جميلة، ولابد أن تكون يتيمة، إما لا وجود للأب أو الأم، أو تطال الأبَ أو الأمَّ مصيبةٌ في بداية الفيلم، ويتحتَّم على الأميرة الانتقام أو إيجاد الحل، وبالطبع يوجد حيوان أليف مصاحب للبطل، حتى وإن كان لا دور حقيقي له أو لا يضيف أي شيء للعمل، ثم تحييد دور الرجال وجعلهم إما أصحاب وزن زائد أو عاطفيِّين أكثر من اللازم، ومعتمدين بشكلٍ أو بآخر على البطلة، حيث لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال وجودُ رجلٍ قويٍّ معتدٍّ بنفسه في أيٍّ من أفلام ديزني، شخصيات مثل كلينت إيستوود أو جون واين أو حتى أنثوني هوبكنز نادرًا ما توجد في مثل تلك الأفلام، إلا في دورٍ شريرٍ أو كجدِّ البطلةِ الحكيم.

وعلاقة الصداقة غير المفهومة بين الأبطال، حيث يصبحون أعز أصدقاء بلا مقدمات وبدون تمهيدٍ أو شرحٍ لسبب الصداقة أو كيف بدأت فعلًا، فقط يتم عرض المقابلة الأولى، ثم الافتراض أن كلَّ شيءٍ جرى على ما يرام، وأصبحوا أعز أصدقاء.

ثم الوفاء لمعايير اليسار والصوابية السياسية، بوجود تمثيلٍ شبه ثابتٍ للأقليات، وضرورة وجود ممثل آسيوي أو أسود في دور يعتبر مهمًّا، حتى وإن لم يكن الممثل نفسه مناسبًا للدور، وبالطبع لا بد من مساندة المثلية الجنسية لكن من مسافةٍ آمنة، حتى لا تفقد ديزني تصنيفها العائلي أو تثير سخط العائلات المحافظة.

بالمقارنة مع آخر أفلام ديزني Raya and The Last Dragon مثلًا تجد بكل وضوحٍ أن الفيلمين نسخةٌ طبق الأصل بتغييراتٍ طفيفةٍ لها علاقةٌ بالزمان والمكان، لكنَّ المضمونَ واضحُ التشابهِ مع معظم أفلام ديزني، وتقليد واضح لأعمال أخرى مثل Matilda, Oliver Twist, A Series of Unfortunate Events وغيرها.

صراع سطحي ساذج

مع التقدم في أحداث فيلم Cruella، يتحول تدريجيًّا إلى نسخةٍ سطحيةٍ وساذجةٍ من الفيلم الكلاسيكي All About Eve، حيث تقع ممثلةٌ مسرحيةٌ كبيرةٌ في مصيدة معجبةٍ شابةٍ كانت تعاني من الفقر والوحدة، وبعد أن تشفقَ عليها وتدعوَها إلى بيتها ثم تعملَ كمساعدة لها في المسرح، تبدأ خطة المعجبة في التحور، حين تسيطر على حياة الممثلة وتبدأ بسرقة الأدوار منها حتى تقضي على مسيرتها لصالحها.

بالمثل تحصل إستيلا/ كرويلا على وظيفة صغيرة في أحد بيوت الأزياء كعاملة نظافة، يستمر مديرها في التقليل من شأنها وهي تحاول تقديم اقتراحات يتم تجاهلها بسرعة، وفي إحدى الليالي تقوم إستيلا المخمورة بتعديلاتٍ على فستان في إحدى نوافذ العرض التي تراها البارونة في صباح اليوم التالي وتعجب بها وبحسها الإبداعي، وتضعُ إستيلا ضمن فريقها المتميز من مصممي الملابس.

ترتقي إستيلا في المنزلة وتعمل كمشرفةٍ لصالح البارونة، ولكن عندما ترى عقدَها الضائع على رقبة البارونة تلجأ إستيلا إلى أصدقائها من عصابة الشوارع للمساعدة في سرقة العقد، وعندما تكتشفُ صافرةَ البارونة التي أطلقتها قبل أن تقتل الكلاب أمها تكرس إستيلا حياتَها للانتقام من البارونة وإزاحتِها عن عرش الأزياء، قبل أن تتفرغ للانتقام من الكلاب المنقطة.

يكاد الصراع يكون متطابقا، لكن Cruella يضع لمسات من أفلام أخرى مثل The Devil Wears Prada، حيث شخصية البارونة نسخة رخيصة من «ميريل ستريب» في الفيلم بكل صفاتها، و«إيما طومبسون» تقدم دورًا لا يليق بمكانتها كنجمةٍ كبيرة، في حين أن الفيلم الأصلي Dalmatians 101 كأنه لم يُوجَد، بالرغم من أنَّ المفترضَ أنْ يكونَ الفيلم مرجعيةً لشخصية كرويلا.

لكنَّ المفاجأة الكبرى بعد ذلك أن البارونةَ هي الأمُّ الحقيقيةُ لإستيلا، وكأن تلك اللحظة هي قمة الصراع في القصة، وكأن صراع النجوم قد بُعِثَ من جديدٍ في نسخةٍ طفولية.

تخلت ديزني عن فئة الأطفال ما دون الـ 13 في هذه الفيلم، وانتقلت إلى PG 13 أي بإشراف الأبوين لمن دون الـ 13، على الرغم من أنَّ معظم تاريخ ديزني في الأساس مبنيٌّ على فئة الأطفال، ودائمًا ما رفضوا التخلي عن هذا التقييم، فلماذا الآن؟ وإن كان الفيلم موجها للبالغين والمراهقين فلماذا يكون بسذاجة أفلام الأطفال؟

بين الجوكر وحرب النجوم

مؤخرًا، أصبح الاهتمام واسعًا بتصوير تحول الشخصيات الشريرة بأفلام ومسلسلات مثل Joker, Ratched, Bates Motel وغيرهم، تقوم هذه الأعمال على شرح أصل هذه الشخصيات، مثل الجوكر، حيث يصور الفيلم الشاب «آرثر فليك» الذي يجد نفسه محاصَرًا بين مرضه النفسي وقسوة العالم وتجاهله، فيطلق العنان لجنونه بالتدريج لأن يصبح عميلًا للفوضى، ويتحول لشخصية الجوكر المجرم.

لكن كرويلا على الجانب الآخر -والذي يُعتبَر بشكل أو بآخر نسخة عائلية من الجوكر- لا يعرض أيَّ شيء، ويتطرق للجوانب النفسية للشخصية على استحياء، ويتجنب شرح دوافعها، ولا يَعرِض حتى أطوارَ التحول، ولا يجيب عن العديد من الأسئلة التي تم طرحها بعد الفيلم القديم.

لماذا تكره كرويلا الكلاب المنقطة وتريد الانتقام منها؟ لأنها تسببت في قتل والدتها، إذًا لماذا تحاول الانتقام من البارونة؟ وإن كانت البارونة من قتلت أمها فما ذنب الكلاب؟ وهل دافعها في الانتقام أن البارونة ترتدي قلادتَها الضائعة؟

يمكن أن تكون قد وجدتها في أي مكان أو أنها كانت ملكها في الأساس، هل كرويلا الشريرة بهذه السذاجة؟

الانتقام من فصيلٍ كاملٍ من الكلاب لأن بعضها تسبب في مقتل والدتها يشبه كره البحر لأن والدتها غرقت فيه، وانتقامها يكون عن طريق قتل كل الأسماك هناك وتفريغ البحر من الملح، أين المنطق؟

بالمقارنة مع كرويلا الأصلية، ترى النجمةَ «جلين كلوس» في هيئة الشريرة الكوميدية، لها أهدافٌ واضحةٌ وشخصيةٌ مسيطرة، تستخدم الدهاء ومتحجرة القلب، لا مانع لديها من استخدام القسوة، وفي نفس الوقت مقنِعةٌ وكأن الدور صُنِعَ من أجلها.

على الجانب الآخر تم ابتذال «إيما ستون» في دور ساذج، بالتأكيد سيدفع مسيرتها إلى الخلف، شخصية سخيفة ذات دوافع سطحية، مع سيناريو ضعيف مقارنةً حتى بأفلام ديزني الأخرى وإنفاقٍ خياليٍّ على الأزياء جعلهم ربما يعتمدون عليها اعتمادًا كليًّا ويتجاهلون باقي الجوانب المهمة، كالإخراج والكتابة والتصوير والتمثيل.

لكن فيلم Cruella يعد محاكاةً لما حدث مع سلسلة حرب النجوم الشهيرة، حيث صدر فيلم Solo: A Star Wars Story ليشرح الأحداث قبل الفيلم الأول في السلسلة، ويتناول أصل «هان سولو» وتحولَه إلى أشهر خارجٍ عن القانون في المجرة، لكن النتيجةَ كانت مغايرةً للتوقعات، فقد كان الفيلمَ الفاشلَ الأولَ في سلسلةٍ استمرت في النجاح لما يزيد عن أربعين عامًا.

تعاملوا مع الجمهور باستخفاف حتى أن الفيلم كان سطحيًّا لا يليق بشخصيةٍ مثل هان سولو، وأنه من المفترض أن لقب سولو قد حصل عليه عندما منحه إياه ضابط التجنيد في البحرية، لأنه كان يسافر وحيدًا ولا عائلة له، بنفس المنطق الساذج نرى كيف حصلت كرويلا على اسمها، ولماذا أصبحت شريرة ولماذا تتصيد الكلاب المنقطة.

(٭ نقلًا عن المحطة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق