ثقافة وفن

سينما المدائن

فيلم Luca ... الوحش المتمرد على هويته

قدمت الأسطورة اليونانية أندروميدا صورة لخضوع البشر تجاه أرباب البحر وكائناته، حيث تم تقييد آندروميدا الفتاة بالغة الجمال والرقة إلى صخرة على شاطىء البحر وتقديمها كقربان وذلك إرضاءً للوحش البحري cetus والذي أخاف سكان المدينة بشكله المفزع؛ حيث أخطأت أمها كاسيوبيا زوجة كوبيوس وهو ملك أثيوبيا وتباهت بجمالها الذي اعتبرته يفوق جمال حوريات البحر مما أثار غضبهن؛ فأرسل بوسيدون ملك البحار الوحش cetus لشواطئ المدينة انتقاما منهم؛ فما كان أمامهم سوى إرضاء بوسيدون والحوريات فقاموا بتقييد أبنتهم الوحيدة بسلاسل على الصخرة، ولكن في النهاية جاء حبيبها البطل بيرسيوس وأنقذها بعدما جاء برأس ميدوسا والتي تحول كل من ينظر إليها إلى حجر.  تلك الأسطورة ألهمت الكثير من النحاتين فقد صورت آندروميدا ووحش البحر في مجموعة الفنان الإيطالي دومينيكو جيدي والموجودة في متحف متروبوليتان للفنون في نيويورك.

كذلك صور الفن اليوناني بوسيدون رب البحار والأنهار والذي يهيمن على مايتم فيها من عمل أو معارك بحرية أو ظواهر مائية وصورت أيضًا آلهة الماء وكانت تدعي نريدس.

وقد ذكرت الأساطير اليونانية الكائنات المائية والتي استخدمتها وسيلةً للتنقل وأيضًا الوحوش ففي أوديسة هوميرس تحدث عن أسطورة سيلا وشاربيدس اليونانية والتي تتسبب في أحداث دوامات بحرية كبيرة في مضيق بين إيطاليا وصقلية. وفي المهام الاثني عشر والتي قام بها البطل هرقل تكفيرًا لخطيئته بعدما أصيب بلعنة جعلته يقتل أبنائه ودخوله في خدمة ابن عمه ملك آرجوس؛ كان عليه أن يقتل الأفعى البحرية هيدرا ذات الرؤوس التسعة وهي من أخطر الوحوش البحرية عند اليونانيين.

هناك أيضًا وحوش على هيئة مخلوقات جميلة ذوات أصوات عذبة مثل صفارات الإنذار وهن رمز الخداع والإغراء حيث يعملن على اجتذاب البحارة وإغراق السفن. أو وحوش يجتذبها وجود الطعام فتبعًا للأساطير الإسكندنافية فهناك وحش الكراكن الذي يرعب البحارة فيهاجم قوارب الصيد ويرعب البحارة بحثًا عن طعام وهو مخلوقٌ بحري مخيف يمتلك اذرعًا طويلة ومخالب عملاقة ويشبه الأخطبوط. أما كابا الشيطان الذي يعيش تحت الماء فقد تم ذكره في الفلكور الياباني حيث أنه يلتهم الأطفال الأشقياء.

يشير كتاب الأسطورة والمعنى ل (كلود ليفي شتراوس) إلى أن القصص الأسطورية تبدو بلا معنى وعبثية، ومع ذلك تعاود الظهور في مختلف أنحاء العالم (فالأسطورة تشير دائمًا إلى وقائع يزعم أنها حدثت منذ زمن بعيد لكن النمط الذي تصفه يكون بلا زمن فهو يفسر الحاضر والماضي وكذلك المستقبل وجوهر الأسطورة لا يكمن في أسلوبها أو موسيقاها أو في بنيتها ولكن في القصة التي تحكيها).

فقدم ليفي في كتابه أسطورة من غرب كندا تتعلق بسمكة السفن التي تحاول أن تتفوق أو تسيطر على ريح الشمال وتنجح في ذلك حيث أنه قبل وجود الجنس البشري كانت الكائنات نصف بشرية ونصف حيوانية وكانت الرياح سيئة تهب طيلة الوقت وتجعل من المستحيل القيام بالصيد لذا قامت حملة اشترك فيها العديد من الحيوانات البشرية واشتملت هذه الحملة على سمكة السفن التي لعبت دورًا هامًا في ذلك حيث أنها تستطيع  أن تستدير وتراوغ ومنذ ذلك الوقت أصبحت ريح الشمال تهب في فترة محددة من السنة لمدة يوم واحد كل يومين وخلال بقية السنة يستطيع البشر أن يقوموا بنشاطاتهم المعتادة.

ويؤكد ليفي (أن هناك نوع من القرابة أو الصلة بين حيوان سمكة السفن وبين طبيعة المشكلة التي تحاول الأسطورة حلها).

تلك الوحوش والكائنات العملاقة التي يعتبرها البعض كائنات عاشت وانقرضت قبل عدة قرون أو أنها مجرد حكايات وخيالات من البحارة كانت ملهمة لعدة فنانين فيما بعد؛ ففي عامي 1845 و1846 عرضت لأول مرة لوحات صائد الحيتان للفنان الإنجليزي لجي أم دبليو تيرنر حيث نشرت حينها تقارير عن الحيتان العملاقة واعتبر تيرنر لوحاته تعبيرًا عن الصراع بين الإنسان وقوى الطبيعة وقد تأثر بلوحاته الكاتب الأمريكي هيرمان ميلفيل عندما كتب رائعته موبي ديك.

نظرة مغايرة للوحوش

تلك الأساطير القديمة في عمومها جعلت الوحوش البحرية مخيفة الشكل؛ تعادي البشر ولديها مكر وقوى خارقة.

يبني فيلم luca نظرته لعالم الوحوش البحرية كأنه عالم مشابه للبشر حيث يعمل لوكا (يعقوب تريمبلاي) راعيًا للأسماك يبعدها عن البشر فهم مصدر الخطر وهناك حقول وأعشاب بحرية تشبه الأراضي الزراعية.

يقابل لوكا آلبرتو (جاك ديلان غرازر) المغامر المندفع الذي يعيش وحيدًا يجمع أشياء بشرية ويبني نظرته الخاصة حول ماهيتها؛ فالفيسبا هي أعظم اختراع بشري والنجوم هي أسماك الأنشوجة والقمر مجرد سمكة كبيرة تحميهم.

ففي أول لقاء بينهما يبنهر لوكا من السماء يعرفه آلبرتو أن كل الاشياء البشرية جيدة وجميلة كالسماء والشمس والهواء اما الفيسبا  تستطيع ان تذهب بها الى اي مكان .

البرتو كان حريص أن يبدل خوف لوكا بمتعة كي يبقى مصرًا على وجوده على اليابسة ويطور قدرته على تجربة العيش مع البشر.

لحظة رائعة عندما يبدأ لوكا خطواته الأولى المتعثرة على اليابسة ثم يتنفس الهواء؛ يذهب بسلاسة لصنع الفيسبا ومع كل محاولة مخطئة كانت هناك متعة جديدة للطبيعة ممزوجة بعالمهم المائي الأول.

مما يشجع لوكا على عمل التمثال سموكا في الماء حتى لا تعرف أمه السر ولا يهرب السمك.

كان لدى لوكا حالة من الرضا والامتثال لأوامر والديه فهو لم يفكر بالمغامرة خوفًا من العقاب؛ فيتوافق معهم ويميل إلى كونه ولدًا صالحًا فمن الأمان أن يفعل مثل والديه ولا يتنابه الفضول نحو البشر أنه قيد مخيف مستمر لديه وذلك قبل لقاء آلبرتو.

فقد تشكل إدراكه على أن والديه أكثر معرفة بعالم البشر فأمه دانييلا (مايا رودلف) تفرض سلطتها الفكرية وتضع تقاليد وأشكال معينة لحياة لوكا “إننا لا نناقش أو نتأمل ولا ينتابني الفضول فالسمك الفضولي يكون سهل الصيد”.

يصبح لوكا مهددًا من قبل أمه الذي يعيش مع العم أوغو في أعماق المحيط حيث لا طعام سوى جثث الحيتات وقليل من الأكسجين والظلام.

ظهرت أفلام تبرز تحدي رغبات الأبوين والمعايير والحدود الاجتماعية الثابتة تحمل مجاز junior knows best؛ فهناك الابن المتطلِّع وشخصيات الآباء السلبية الصارمة والتي يحركها عدم الثقة والخوف من الغرباء والمجهول ومحاولاتهم الصعبة للتواصل مع أبنائهم وهم مصدر التحدي مثل the croods ومحاولة الخروج من الكهف وthe secret of kills من إخراج توم مور ونورا تومي؛ الذي ترشح لجائزة الأوسكار2010 لأفضل فيلم رسوم متحركة فان بريندان يتجاهل القواعد التي يضعها عمه الصارم سيلاخ رئيس الدير لبناء الجدار ويذهب للغابة المخيفة ليساعد إيدان في إكمال الكتاب كيلز وإيجاد الحبر.

أما جدة لوكا (ساندي مارتن) تبدو أنها تجد البشر على نحو مختلف فلا تعترض طريق لوكا ويبدو أنها ليست المرة الأولى للوحوش للخروج لليابسة فهناك السيدتان اللتان تعيشان في بورتوسو.

عندما قدم المؤلف الدنماركي هانز كريستيان آندرسن كاتب القصص الشعبية مثل ملابس الإمبراطور الجديدة وثومبيلينا والبطة القبيحة قصته ليتل ميرميد عام 1837 أنهاها بشكل حزين فوصف آريل على أنها جميلة وحساسة؛ عينيها عميقة لكنها بدون أقدام ولديها ذيل سمكة.

كانت آريل الابنة السابعة لملك البحار ترنتون عمرها 16 عامًا، تبحث عن الجمال والرقص مع البشر وتستعين بصديقها النورس ليعرفها على الأشياء البشرية؛ ولكن قضت عليها رومانسيتها الحالمة عندما أحبت الأمير إريك وقامت الساحرة الشريرة أورسولا ساحرة الأرواح المسكينة باستغلال حبها ووضعت لها ترياقًا يحولها لإنسانة لمدة ثلاث أيام وذلك ليحبها  الأمير إريك ويقبلها قبلة الحب الحقيقي لتبقى إنسانة للأبد؛ ولكنه في النهاية أخطأ في معرفتها واعتقد أن هناك أخرى قامت بانقإذه.

هنا في فيلم luca أصبح حلم الاندماج مع البشر مرتبط بالعلم والفضول؛ فلوكا يعمل راعيًا له هيئة جسدية غير مخيفة أو عملاقة يختفي ذيله وأطرافه المائية بمجرد الخروج من الماء.

عندما يقابل جوليتا وهي ابنة الصياد القوي اللطيف ماسيمو يكونان فريق المستضعفين؛ جوليتا طاقة جذابة للبدء في عالم مبهج جديد؛ تبهرلوكا بالكتب عن الفلك والتليسكوب وحكايات عالمها.

كما أنها شخصية خفيفة الظل مرحة وذكية  وتحب أصدقائها وتحارب آركولي المتنمر زعيم المدينة الصغيرة أما أبوها فهو من أمهر الصيادين.

يصبح كأس بورتو روسو حلم جوليتا يصبح حلم لوكا أيضا للحصول على المال وشراء الفيسبا.

ولكن شروط الفوز بالكأس تجعل وجودهم مهدد دائما فالسباحة وركوب الدراجات ليس بالأمر البسيط وخاصة أن تلك المدينة تتباهى بقتل وحوش البحر.

يخلق الفيلم لحظاته الموترة والكوميدية بأشياء بسيطة فقليل من المطر في الصباح يكون مهددًا لهم، قطة جوليتا بالتأكيد تشتم رائحة السمك النابعة منهم.

مع الاقتراب من يوم المسابقة والتركيز على المكرونة والدراجة ينكشفان أمام جوليتا بينما يحاول ألبرتو أن يقنع لوكا أن البشر لن يتقبلوه؛ فألبرتو قد وجد صديقًا حقيقيًا وحلم بالحرية والتمرد التي يبحث فيهما عن العائلة بعد هجران والديه لذلك كان يخرب كل شيء إذا فقد لوكا وإذا وجد أن حلمهما مختلفين.

في بورتوروسو هناك أناس يجلسون في المحال التجارية البسيطة وأطفال يلعبون بالكرة ويأكلون الآيس كريم اللذيذ والبطيخ؛ يبدو كل شيء له لون نقي فالشمس مشرقة وألوان البيوت مليئة بالألفة ونابضة بالحياة حيث نشعر بحرارة الصيف وطاقته سواء من خلال الموسيقى أو الألوان والتي تتناغم مع دوافع البطل الذي يريد أن يمتلك فيسبا ليغامر في أرجاء العالم.

ولكن ماذا يفعل هؤلاء عند قدوم الغرباء من البحر كل منهما بالنسبة للآخر وحش وخاصة أن تلك المدينة لا تتقبل أحد غريب حتى لو كان لا يشكل مصدر خطر؛ فجوليتا التي تعيش في جنوة وتدرس فيها عندما تأتي في الصيف إلى بورتوروسو في الصيف تشعر بغربة شديدة.

فيلم luca من إخراج إنريكو كاساروسا الذي عبر حبه وتأثره الشديد بالمخرج الياباني هاياو ميازاكي وعالمه الدافىء المتقبل للاختلاف وخاصة فيلم ponyo؛ بونيو أرادت أن تكون إنسانًا فتقبلها البشر قد تكون مملة أو كارثة ونذير شؤم لقدوم تسونامي بالنسبة للبعض ولكنها اختبار للمحبة الحقيقية في قلب الصبي الصغير سوسوكي الذي أنقذها.

يتيح  لوكا للعائلة تجربة الانغماس في التفاصيل الإيطالية المحببة بلغة حوار يتخللها بعض الكلمات الإيطالية معبرة عن ثقافة مخرج عاش طفولته وشبابه في جنوة.

ويأتي فيلم luca بعد تجربة إخراجية لانريكو عام 2011 من خلال فيلم la luna، مدته قصيرة 7دقائق عبّر فيها عن فكرة التحكم ورغبة الاستقلال لدى الأبناء وهو فيلم ممتع بصريًا وبسيطٌ وبنفس البساطة غير مفتعلة قدم لوكا؛ فالصراع هنا يؤدي إلى تغيير وتقبل والقدرة على العيش بالذات الحقيقية في البيئة الغريبة والاندماج معها.

وكذلك الأصدقاء الذين لديهم عوالم مختلفة وما يترتيب عليها من رغبات في التحكم أو التقبل ومشاركة الأهداف والأحلام ولكنهم في النهاية عندما يجدونا نخطء أو نخاف، يعلو صوتهم بوضوح أمام أفكارنا الخاطئة؛ ويقولون: اخرس يا برونو.

(نقلا عن المحطة)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق